قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^١).
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (^٢).
وروينا في جامع الترمذي (^٣) مصححا من حديث معاذ قلت: يا رسول اللَّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار.
قال: لقد سألتني عن عظيم، وأنه ليسير على من يسره اللَّه عليه، تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل.
قال: ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٤) حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) سورة ق [١٨].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٠١٨] كتاب الأدب، [٣١] باب من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. ومسلم في صحيحه [٧٤ - (٤٧)] كتاب الإيمان، [١٩] باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان. والترمذي في سننه [١٩٦٧] كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الضيافة كما هو، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٦٤]، وابن ماجه في سننه [٣٩٧١]. وبذلك في الموطأ [٩٢٩] قال [النووي: قوله ﷺ: "فليقل خيرا أو ليصمت" فمعناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبا أو مندوبا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه، فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوى الطرفين فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا يتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة من انجراره على المحرم أو المكروه وهذا يقع في العادة كثيرا وغالبا. [النووي في شرح مسلم [٢/ ١٧] طبعة دار الكتب العلمية].
(٣) أخرجه الترمذي فيِ سننه [٢٦١٦] كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، وابن ماجه في سننه [٣٩٧٣] كتاب الفتن باب كف اللسان في الفتنة، والنسائي في الكبرى في التفسير. وأحمد في مسنده [٥/ ٢٣٠، ٢٣١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٢٨]، والطبراني في المعجم الكبير [١٨/ ٣٥١] والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ٣٣٧، ٥/ ١٧٥].
(٤) سورة السجدة [١٦].
[ ١ / ٣٨٤ ]
ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ "، قلت: بلى يا رسول اللَّه.
قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ "
قلت: بلى يا نبي اللَّه، فأخذ بلسانه.
قال: "كف عليك هذا"، فقلت: يا نبي اللَّه، وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟
فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (^١).
ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك:
فالأول عن ذي النون المصري -رحمة اللَّه عليه- قال: بينا أن أسير في نواحي الشام إذ وقعت في روضة خضراء، وفي وسطها شاب قائم يصلي تحت شجرة تفاح، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، فلم يرد علي السلام.
فسلمت عليه ثانيا فأوجز في صلاته، ثم كتب في الأرض بإصبعه:
منع اللسان من الكلام لأنه … كهف البلاء وجالب (^٢) الآفات
فإذا نطقت فكن لربك ذاكرًا … لا تنسه واحمده في الحالات
قال ذو النون: فبكيت طويلًا وكتبت بإصبعي في الأرض:
وما من كاتب إلا سيبلى … ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه
قال: فصاح الشاب صيحة فارق الدنيا.
فقمت لآخذ في غسله ودفنه، وإذا بقائل يقول: خل عنه فإن اللَّه ﷿ وعده أن لا يتولى أمره إلا الملائكة.
قال ذو النون: (^٣) فقمت إلى شجرة فركعت عندها ركعتين، ثم أتيت الموضع
_________________
(١) تم تخريجه في أوله.
(٢) جلب الشيء: ساقه من موضع إلى آخر فهو جالب وجلَّاب.
(٣) قال السلمي في كتاب المحن: إن ذا النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، أنكر عليه عبد اللَّه بن عبد الحكم وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك، ولذلك هجره علماء مصر، حتى شاع خبره، وأنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف، وهجروه حتى رموه بالزندقة. قال: فدخل عليه أخوه فقال: إن أهل مصر يقولون: أنت زنديق فأنشأ يقول: ومالي سوى الإطراق والصمت حيلة … ووضعي كفى تحت خدي وتذكاري [انظر تاريخ الإسلام للذهبي. وفيات (٢٤١ - ٢٥٠)].
[ ١ / ٣٨٥ ]
الذي مات فيه فلم أجد له أثرا ولا أعرف له خبرا - رحمه اللَّه تعالى.
فائدة: قال محمد بن حازم: قال وهب: وجدت العزلة كلها في كف اللسان.
وقال وهب: يقال الحكمة عشرة، فتسعة منها في الصمت، والعاشر في عزلة الناس.
قال: فعالجت نفسي على الصمت، فلم أجدني أضبط كل ما أريد منه.
فرأيت أن هذه الأجزاء العشرة عزلة الناس.
الثانية: عن ميمون بن مهران (^١) قال: جاء رجل إلى سلمان فقال: أوصني، قال: لا تتكلم، فإن تكلمت تكلم بحق أو اسكت.
قال: زدني، قال: لا تغضب.
قال: إنه ليغشاني ما لا أملكه.
قال: فإن غضبت أملك لسانك ويدك.
قال: زدني، قال لا تلابس الناس.
قال: لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يلابسهم قال: فإن لابستهم فاصدق الحديث وأد الأمانة.
فائدة: قال عطاء بن رباح: "أن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، يعدون فضوله ما عدا كتاب اللَّه أن تقرأه وتأمر بمعروف وتنهى عن المنكر، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (^٢) الآية أما يستحي أحدكم لو نشرت عليه صحيفته التي (أخلا) (^٣) صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.
_________________
(١) ميمون بن مهران، أبو أيوب الجزري الرقي الفقيه، الجريري، وكان يرسل، وهو ثقة فقيه ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، أخرج له البخاري في الأدب ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، توفي سنة [١١٧ - ١١٨]. ترجمته تهذيب التهذيب [١٠/ ٣٩٠]، التقريب [٢/ ٢٩٢].
(٢) سورة ق [١٧] ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧] يعني الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] أي مترصد ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أي ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي ما يتكلم بكلمة ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي إلا ولها من يرقبها معد لذلك يكتبها لا يترك كلمة ولا حركة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [تفسير ابن كثير (٤/ ٢٢٤)].
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ٣٨٦ ]
نادرة: قال صالح بن أبي الأخضر (^١): قلت لأيوب أوصني قال: اقلل الكلام.
الثالثة: عن محمد بن رافع (^٢) قال: أقبلت من بعض بلاد الشام، فبينا أنا في بعض الطريق رأيت رجلًا عليه جبة من الصوف وبيده ركوة.
فقلت: أين تريد؟
قال: لا أدري، فظننته موسوسًا.
فقلت: من خلقك؟ فاصفر لونه حتى خلته صبغ بزعفران، ثم قال: خلقني من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
فقلت: رحمك اللَّه أنا من إخوانك، ومن يأنس إلى أمثالك فلا تنقبض عني، فقال: واللَّه لو جاز لي ترك الجماعات حتى أنفرد في شاهق منيف صعب المرتقى. أو في غار موحش لعلي أجد قلبي ساعة يسلو عن الدنيا وأهلها فعلت.
فقلت: وما جنت عليك الدنيا حتى استحقت عليك هذا البغض؟
فقال: (حنانا) (^٣) بها.
فقلت: هل من دواء يعالج به هذا العمى الذي قد حجب مني ما يراد بي.
قال: ما أراك تقدر على العلاج فاستعمل من الدواء أيسره.
قلت: صف لي دواء لطيفًا.
قال: فما داؤك؟
قلت: حب الدنيا.
فتبسم وقال: أي فرحة أعظم من هذه، ولكن اشرب السموم الطريفة والمكارم الصعبة.
_________________
(١) صالح بن أبي الأخضر اليمامي، البصري مولى هشام بن عبد الملك، ضعيف يعتبر به، أخرج له: أبو داود والترمذي في الشمائل توفي سنة [١٤٠] إلى سنة [١٥٠]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٤/ ٣٨٠]، تقريب التهذيب [١/ ٣٥٨]، الكاشف [٢/ ١٨]، تاريخ البخاري الكبير [٤/ ٢٧٣]، الجرح والتعديل [٤/ ١٧٢٧]، ميزان الاعتدال [٢/ ٢٨٨]، لسان الميزان [٧/ ٢٤٤]، الوافي بالوفيات [١٦/ ٢٥٧]، سير الإعلام [٧/ ٣٠٣].
(٢) محمد بن رافع بن أبي زيد، وأبو عبد اللَّه سابور القشيري، الزاهد، النيسابوري ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة عدا ابن ماجه، توفي سنة [٢٤٥]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٩/ ١٦٠]، تقريب التهذيب [٢/ ١٦٠]، الكاشف [٣/ ٤٢]، تاريخ البخاري الكبير [١/ ٨١]، الجرح والتعديل [٧/ ١٣٩١]، العبد [١/ ٤٤٥]، الوافي بالوفيات [٣/ ٦٨]، التمهيد [١/ ٢٥٥]، سير أعلام النبلاء [١٢/ ٢١٤].
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ٣٨٧ ]
قلت: ثم ماذا؟
قال: الوحشة التي لا أنس فيها، والتفرقة التي لا اجتماع فيها.
قلت: ثم ماذا؟. قال: السلو عما تريد، والصبر على ما لا تحب، وإن أردت فاستعمل هذا وإلا فتأخر واحذر الفتن التي كأنها قطع الليل المظلم.
قلت: فدلني على عمل يقربني من اللَّه.
فقال: يا أخي قد نظرت في جميع العبادات.
فلم أر أنفع من الفرار من الناس وترك مخالطتهم، وقلة الكلام، يا أخي رأيت القلب عشرة أجزاء، فتسعة مع الناس وجزء مع الدنيا، فمن يقوى على الانفراد بتسعة أجزاء من القلب.
ثم غاب عني فلم أره.
الرابعة: عن أبي سلمان المغربي قال: كنت أحمل الحطب من الجبل وأتقوت من ثمنه، وكان طريقي فيه التوقي والتحري.
فرأيت في المنام جماعة من البصريين فيهم الحسن البصري وفرقد السبخي (^١) ومالك بن دينار، فسألتهم من علم حالي فقلت: أنتم أئمة المسلمين دلوني على الحالات التي ليس للَّه ﷿ فيها تبعة ولا للمخلوق فيه منة. (^٢)
فمكثت آكل ثلاثة أشهر نيًّا ومطبوخًا في دار السبيل، فظهر لي حديث، فقلت: هذه فتنة.
فخرجت من دار السبيل، ومكثت آكل ثلاثة أشهر أخرى، فأوجدني اللَّه تعالى قلبا طيبا حتى قلت إن كان أهل الجنة بهذا القلب فهم واللَّه العظيم في شيء طيب، وما كنت آنس بكلام الخلق.
فخرجت يومًا إلى بعض الصهاريج، فجلست عنده وإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية يريد طرسوس. وقد بقى معي قطعيات من ثمن الحطب السالف فقلت: أنا قد قنعت بالحباري (^٣)، أعطى هذه هذا الفقير ليأكل به شيئًا.
فلما دنا مني أدخلت يدي إلى جيبي لأخرجها، وإذا أنا بالفقير قد حرَّك شفتيه،
_________________
(١) فرقد بن يعقوب، أبو يعقوب السبخي البصري، الكوفي، صدوق، عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ، أخرج له: الترمذي وابن ماجه، توفي سنة [١٣١]. تهذيب [٨/ ٢٦٢] التقريب [٢/ ١٠٨].
(٢) مَنَّ عليه منًّا: أنعم عليه نعمة طيبة والمِنَّةُ: الإحسان والإنعام، جمعها: منن.
(٣) الحُبارى: طائر طويل العنق رمادي اللون على شكل الإوزة، في منقاره طول.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وإذا كل ما حولي ذهب يتقد، كاد يخطف بصري، ولبستني منه هيبة، فجاء فلم أسلم عليه من هيبته.
ثم رأيته بعد ذلك خارج طرسوس جالسًا تحت برج بين يديه ركوة فيها ماء.
ثم استدعيت منه موعظة، فمد رجله وقلب الماء ثم قال: إن كثرة الكلام تنشف الحسنات كما نشفت الأرض هذا الماء، قم يكفيك.
شعر:
كن عن جميع الخلق مستوحشا … مستأنسًا بالواحد الحق
واصبر فبالصبر تنال المنى … وارض بما يجري من الرزق
واحذر من النطق وآفاته … فآفة المؤمن في النطق
وجدَّ في السير وشمر كما … شمر أهل السبق للسبق
أولئك الصفوة ممن سما … وخيرة اللَّه من الخلق
[ ١ / ٣٨٩ ]