وحثَّ من توجه إلى الخير إلى الإقبال عليه بالجد من غير تردد.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (^١) أي لتنالوا الدرجات والمنازل العاليات.
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ (^٢) الآية.
أما الأحاديث فثمانية:
أحدها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا" (^٣) رواه مسلم.
ثانيها: حديث عقبة بن الحارث: أنه ﷺ صلى العصر ثم قام مسرعًا فرأى أنهم عجبوا من سرعته، قال: "ذكرت شيئًا من تبر كان عندنا من الصدقة، فكرهت أن أُبيته، أمرت بقسمته" (^٤) رواه البخاري.
ثالثها: حديث جابر قال: "قال رجل لرسول اللَّه ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قُتلت فأين أنا؟ قال: "في الجنة" فألقى تمرات كُنَّ في يده ثم قاتل حتى قتل" أخرجاه (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة [١٤٨].
(٢) سورة آل عمران [١٣٣].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٨٦ - (١١٨)] كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، والترمذي في سننه [٢١٩٥] كتاب الفتن، باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٠٤، ٥٢٣]، وابن حبان في صحيحه [١٨٦٨ - الموارد]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٨٨٣]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٤٨]، وأبو عوانة في مسنده [١/ ٥٠].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٤٣٠] كتاب الزكاة، [٢] باب المنان بما أعطى، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٣٤٩]، وأحمد في مسنده [٤/ ٨]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٧/ ٩٨]، وذكره العراقي في المغني عن حمل الأسفار [٢/ ٣٥٤].
(٥) أخرجه البخاري [٤٠٤٦] كتاب المغازي، [١٧] باب غزوة أحد، ومسلم في صحيحه [١٤٣ - (١٨٩٩)] كتاب الإمارة، [٤١] باب ثبوت الجنة للشهيد، وأحمد في مسنده [٣/ ٣٠٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٣، ٩٩]، والحاكم في المستدرك [٢/ ٩٣]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٩٣٧]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ٥٦٧]، والهيثمي في مجمع الزوائد [١/ ١٦١]، =
[ ١ / ١٣١ ]
وهذا من باب ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤].
رابعها: حديث أبي هريرة: "جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان"" أخرجاه (^١).
خامسها: حديث أنس: "أنه ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فألجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة (^٢): أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين" (^٣) رواه مسلم.
سادسها: حديث الزبير بن عدي قال: "أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: "اصبروا فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم" سمعته من نبيكم ﷺ" رواه البخاري (^٤).
سابعها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنظرون إلا
_________________
(١) = والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ٩٩، ٤/ ١٦٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ٣٠٩]، وابن أبي عاصم في السنة [١/ ٩٤].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [١٤١٩] كتاب الزكاة، [١٢] باب أي الصدفة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح، ومسلم في صحيحه [٩٢ - (١٠٣٢)] كتاب الزكاة، [٣١] باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، والنسائي [٥/ ٦٨ - المجتبى]، وأبو داود [٢٨٦٥]، وابن ماجه [٢٧٠٦]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٣١، ٤١٥]، والبيهقي في السنن [٤/ ١٩٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٣٢٩]، وابن خزيمة في صحيحه [٢٤٥٤].
(٣) أبو دجانة سماك بن خرشة بن لوزان بن عبد ود بن زيد الساعدي، كانت عليه يوم بدر عصابة حمراء، قيل آخى النبي ﷺ بينه وبين عتبة بن غزوان، وقال الواقدي: وثبت أبو دجانة يوم أحد مع النبي ﷺ وبايعه على الموت، وهو ممن شارك في قتل مسيلمة وقتل يومئذ. تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات سنة [١٢].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [١٢٨ - (٢٤٧٠)] كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي دجانة، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٤/ ٣٩٨]، وأحمد في مسنده [٣/ ١٢٣]، والحاكم في المستدرك [٣/ ٢٣]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٦/ ١٠٩، ٩/ ١٢٤]، والطبراني في المعجم الكبير [٩/ ١]، والبيهقي في دلائل النبوة [٣/ ٢٣٢].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٠٦٨] كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، والترمذي في سننه [٢٢٠٦] في الفتن، باب منه ما جاء في أشراط الساعة، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ١٤٤]، وأحمد في مسنده [٣/ ١١١]، والطبراني في المعجم الكبير [١/ ١٧٣]، وابن حبان في صحيحه [٢٢٩٧ - الموارد]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٥٠٥].
[ ١ / ١٣٢ ]
فقرًا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندًا أو موتًا مجهدًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" رواه الترمذي (^١) وحسنه.
ثامنها: حديثه -أيضًا-: أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلًا يحب اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه على يديه" قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها وقال: "امش ولا تلتفت حتى يفتح اللَّه عليك" قال: فسار علي شيئا، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول اللَّه، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه" (^٢) رواه مسلم.
ولنذكر جملة من الحكايات اللائقة بما نحن فيه.
والذي حضرنا منها أربع وثلاثون حكاية:
ونقدم عليها قصة سلمان الفارسي (^٣)، وتردده من شخص إلى شخص إلى أن جاء إلى نبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام، وظهر له براهين نبوته، وشهد معه الخندق فما بعدها، وهو مشهور مطول.
وكذا رواه ابن سعد من قصة ذي البجادين، وأنه كان يتيما لا مال له، فكفله عمه، فلما قدم النبي ﷺ المدينة تاقت نفسه إلى الإسلام، فنهاه عمه لأجل ما بيده من المال، فتركه، فجاء إلى أمه، فقطعت بجادًا لها باثنين، فاتزر بواحد وارتدى بالآخر، ثم حضر تبوكًا وسأل الشهادة، فقال ﷺ: "اللهم إني أحرم دمه على الكفار" فقال: ليس هذا أردت.
فقال: "إنك إذا خرجت غازيًا فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه [٢٢٠٦] كتاب باب الفتن، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٥٠]، والسيوطي في الدر المنثور [٦/ ١٣٧].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٣ - (٢٤٠٥)] كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁، والترمذي في سننه [٣٧٢٤] كتاب الفضائل، باب فضائل علي بن أبي طالب، وابن ماجه [١٢١]، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ١٣١]، وابن حجر في تلخيص الحبير [٤/ ٩٨].
(٣) انظر قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁ في تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات سنة [٣٦]، وقد روى البخاري في صحيحه [٣٩٤٦] كتاب مناقب الأنصار، [٥٣] باب إسلام سلمان الفارسي، عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب.
[ ١ / ١٣٣ ]
وإن وقصتك دابتك فأنت شهيد" (^١) فأقاموا بتبوك أياما، فتوفي، فلما هيء اللحد قال: "اللهم إني أمسيت راضيا عنه فارض عنه" قال ابن مسعود: فليتني كنت أنا هو.
وكذا ما رواه أيضا: أن أم زيد بن حارثة زارت قومها، وزيد معها، فأغارت خيل بني القين في الجاهلية، فمروا على أبيات بني معد، فاحتملوا زيدًا وهو يومئذ غلام يفع، فوافوا به السوق فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة، فلما تزوجها رسول اللَّه ﷺ وهبته له، وكان أبوه حارثة حين فقده قال:
بكيت على زيد (^٢) ولم أدر ما فعل … فهل حيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة … فحسبي من الدنيا رجوعك إلى جبل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها … ويعرض ذاكره إذا قارب الظلل
وإن هبت الأرياح هيَّجْنَ ذكره … فيا طول ما حزني عليه وما وجل
سأعمل نص العيس (^٣) في الأرض جامعة … فلا أسأم التطواف أو تنام الإبل
حياتي أو تأتي عليّ منيتي … فكل امرئ فان وإن عزه الأمل
وأوصي به قيسًا وعمرًا كلاهما … فأوصي يزيدًا ثم من بعده جبل
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [١/ ١٦٧، ١٨٤، ٤/ ٢٩]، ومسلم في صحيحه [١٦٤ - (١٩١٤)] في الإمارة، [٥١] باب بيان الثسهداء، عن أبي هريرة، عنه ﷺ: "الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل اللَّه ﷿"، قال النووي: قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضل اللَّه -تعالى- بسبب شدتها وكثرة آلمها، وقد جاء في حديث آخر في الصحيح: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد"، وفي حديث آخر صحيح: "من قتل دون سيفه فهو شهيد" قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل اللَّه، أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم، وقد سبق أن الشهداء ثلاثة أقام: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من غل في الغنيمة آو قتل مدبرًا. النووي في شرح مسلم [١٣/ ٥٤، ٥٥] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) زيد بن حارثة بن شراحيل، أبو أسامة الكلبي مولى رسول اللَّه ﷺ القضاعي الكعبي اليماني الهاشمي، صحابي مشهور، من أول الناس إسلامًا، استشهد يوم مؤتة في حياة النبي ﷺ أخرج له: النسائي وابن ماجه. ترجمته: تهذيب التهذيب [٣/ ٤٠١]، تقريب التهذيب [١/ ٢٧٣]، الكاشف [١/ ٣٣٧]، الجرح والتعديل [٣/ ٥٥٩]، أسد الغابة [٢/ ٢٨١]، الإصابة [٢/ ٩٨]، الاستيعاب [٢/ ٥٤٢].
(٣) العيس: كرام الإبل.
[ ١ / ١٣٤ ]
يعني جبل بن حارثة، أخا زيد، ويزيد أخو زيد لأمه.
فحج ناس من كعب قرأوا زيدًا فعرفهم وعوفوه، وانطلقوا إذ أعلموا أباه، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه، فقدما مكة فسألا عن رسول اللَّه ﷺ فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم اللَّه وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا زيد، فمُنَّ علينا به، وأحسن إلينا في فدائه، فإنا سندفع لك من الفداء، قال ﷺ: "فهلا غير ذلك" قالوا: وما هو؟ قال: "ادعوه فخيروه، فإن اختاركما فهو لكما بغير فداء، وإن اختارني فواللَّه ما أختار على من اختارني أحدًا" (^١) قالوا: قد زدتنا على النصف وأحسنت، فدعاه رسول اللَّه ﷺ فقال: "هل تعرف هذين؟ " قال: نعم؛ هذا أبي، وهذا عمي، قال: "قد علمت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما" فقال زيد: ما أنا بالذي يختار عليك أحدًا يا رسول اللَّه، أنت مني بمكانهما، فقالا: ويحك يا زيد؛ أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟!! فقال: نعم؛ إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا، فلما رأى رسول اللَّه ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر وقال: "يا معشر من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني" (^٢) فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما، فدُعي زيد بن محمد، حتى جاء اللَّه بالإسلام فزوجه رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش، فلما طلقها تزوجها رسول اللَّه ﷺ فقيل: تزوج امرأة ابنه، فأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^٣) ونزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^٤) فقالوا: زيد بن حارثة.
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [٤٧٨٢] كتاب تفسير القرآن، سورة الأحزاب، [١] باب ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] عن ابن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول اللَّه ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
(٢) قال النووي: قال العلماء: كان النبي ﷺ قد تبنى زيدًا ودعاه ابنه، وكانت العرب تفعل ذلك؛ يتبنى الرجل مولاه أو غيره فيكون ابنًا له يوارثه وينتسب إليه حتى نزلت الآية، فرجع كل إنسان إلى نسبه إلا من لم يكن له نسب معروف فيضاف إلى مواليه كما قال اللَّه - تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. النووي في شرح مسلم [١٥/ ١٥٨] طبعة دار الكتب العلمية.
(٣) سورة الأحزاب [٤٠].
(٤) سورة الأحزاب [٥]. قال ابن كثير في تفسيره: هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر، ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح ﵎ زوجة الدعي، وتزوج =
[ ١ / ١٣٥ ]
وكذا ما روى عيد الواحد بن أبي عون قال:
كان الطفيل الدوسي رجلا شريفًا شاعرًا، قدم مكة فلقيه رجال من قريش، فقالوا: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإن قوله كالسحر؛ يفرق بين الرجل وزوجته وبين الرجل وابنه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك منه، فواللَّه ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئًا، فلا أكلمه، فغدوت إلى المسجد وقد حشوت أذني قطنا -فكان يقال له ذو القطنتين (^١) - فإذا رسول اللَّه ﷺ قائم يصلي، فقمت قريبًا منه، فسمعت بعض قوله، فقلت في نفسي: إني رجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا شيئًا، فإن كان حسنًا قبلته وإن كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فدخل، فدخلت معه فقلت: إن قومك قالوا لي كذا وكذا، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ الإسلام، وتلى عليَّ القرآن، فقلت: واللَّه ما سمعت قولا قط أحسن من هذا، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وقلت: يا نبي اللَّه، إني امرئ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع اللَّه أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم، فقال: "اللهم اجعل له آية" فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت قريبًا منهم وقع نور بين عينيَّ مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي؛ فإني أخشى أن يظنوها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور في رأس سوطي، فجعل الحاضرون يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، فأتاني أبي فقلت: إليك عني، فإنك لست مني ولست منك، فقال: ولم يا بني؟!! قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد، قال: بنيّ، ديني دينك، قلت: اذهب فاغتسل، وطهر ثيابك، ففعل ثم جاء، فعرضت عليه الإسلام، ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عني لست منك ولست مني، قالت: لم؟!! قلت: فرَّق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمت وتابعت محمدًا، قالت: ديني دينك، وأسلمت، ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام، فابطأوا عليَّ، فجئت رسول اللَّه ﷺ فقلت: قد غلبتني دوس، فادع اللَّه عليهم، فقال: "اللهم اهد
_________________
(١) = رسول اللَّه ﷺ بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة ﵄. تفسير ابن كثير [٣/ ٤٨٢].
(٢) الطفيل بن عمرو الدوسي الأزدي، كان يسمى ذا القطنتين، وقدم المدينة في خلافة أبي بكر، وغزا اليمامة فاستشهد هو وابنه، وكان شريفًا شاعرًا لبيبًا، وقد طول ابن عبد البر ترجمة الطفيل، وساق قصة إسلامه بمكة في آخر الخبر قال: فلما بعث الصديق بعثه إلن مسيلمة قال: خرجت ومعي ابني عمرو فرأيت كان رأسي حلق وخرج من فمي طائر، وكان امرأة أدخلتني فرجها، فأولتها؛ حلق رأسي قطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة فالأرض أدفن فيها، فاستشهد يوم اليمامة. انظر تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات سنة [١٢].
[ ١ / ١٣٦ ]
دوسًا" (^١) وقال: "اخرج إلى قومك فادعهم وارفهق بهم" فخرجت أدعوهم حتى هاجر رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، ومضت بدر والخندق، ثم قدمت بمن أسلم منهم ورسول اللَّه ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، وقلنا: يا رسول اللَّه، اجعلنا في ميمنتك، واجعل شعارنا "مبرور"، ففعل، فلم أزل مع رسول اللَّه ﷺ حتى فتح مكة، فقلت: ابعثني يا رسول اللَّه إلى ذي الكفين أحرقه، فبعثه إليه فأحرقه، فلما أحرقه بان لمن كان يتمسك به أنه ليس على شيء، فأسلموا جميعًا، ورجع الطفيل إلى رسول اللَّه ﷺ فكان معه حتى مات.
وأما الحكايات، فنذكر منها:
الحكاية الأولى: حكي عن الشبلي أنه خرج ذات يوم على أصحابه، وكانوا أربعين رجلًا فقال لهم: يا قوم إن اللَّه قد تكفل بأرزاق العباد، فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^٢) الآية، فتوكلوا على اللَّه، وتوجهوا إليه، ولا تتوجهوا إلى سواه، ثم تركهم ومضى، فأقاموا ثلاثة أيام لم يفتح عليهم بشيء، فلما كان اليوم الرابع دخل عليهم فقال: يا قوم، إن اللَّه -تعالى- قد أباح التسبب للعباد، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (^٣).
فانظروا إلى أصدقكم نية فليخرج، عسى أن يأتيكم بشيء من القوت، فاختاروا منهم فقيرًا، فخرج ومشى في جانبي بغداد، فلم يفتح له بشيء، فأخذه الجوع وأعياه المشي، فجلس عند دكان طبيب نصراني عليه خلق كثير، وهو يصف لهم الأدوية، فنظر إليه فقال: ما بك؟ وما علتك؟ فكره أن يشكو الجوع إلى نصراني، فمد يده إليه فجسها وقال: علتك هذه أنا أعرفها وأعرف دواءها، ثم التفت إلى غلامه وقال: امض إلى السوق فأتني برطل خبز ورطل شواء ورطل حلوى، فمضى إلى السوق وأتاه بذلك، فأخذه النصراني وناوله الفقير وقال: هذا دواء مرضك عندي، فقال له الفقير: إن كنت صادقًا في حكمتك، فهذه العلة بأربعين رجلا، فقال النصراني لغلامه: ارجع إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٤/ ٥٤، ٥/ ٢٥٠]، ومسلم [١٩٧ - (٢٥٢٤)] كتاب فضائل الصحابة، [٤٧] باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيئ، عن أبي هريرة. وأحمد في مسنده [٢/ ٢٤٣، ٤٤٨]، والتبريزي في المشكاة [٥٩٩٦].
(٢) سورة الطلاق [٢]. أي ومن يتق اللَّه فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب أي من جهة لا تخطر بباله.
(٣) سورة الملك [١٥].
[ ١ / ١٣٧ ]
السوق مسرعًا، وأتني بأربعين مثل ما أتيت به، فأسرع الغلام وأتاه بذلك جميعه، فأعطاه الفقير، وأمر حمّالًا أن يحمل معه إلى موضعه، وقال للفقير اذهب به إلى الأربعين الذين ذكرت، فذهب الفقير والحمّال معه إلى أن وصل إلى أصحابه، والنصراني يتبعه من بعيد ليختبر صدقه، فلما دخل الدويرة التي فيها أصحابه وقف النصراني خارج الباب خلف طاق، فوضع الغلام الطعام، ونادى الشبلي وقدم الطعام بين يديه، فشال الشيخ يده منه وقال: يا فقراء سر عجيب في هذا الطعام، ثم أقبل على الفقير الذي أتى بالطعام وقال: أخبرني عن قصة هذا الطعام، فحكى له القصة بكاملها، فقال لهم عند ذلك: أترضون أن تأكلوا طعام نصراني وصلكم به ولم تكافئوه؟ قالوا: وما مكافأته؟ قال: تدعون له قبل أن تأكلوا طعامه، فدعوا له وهو يسمع، فلما رأى النصراني إمساكهم عن الطعام مع حاجتهم إليه، وسمع ما قال لهم الشيخ، قرع الباب ففتحوا له، فدخل وقطع زناره وقال: يا شيخ، مدّ يدك؛ فانا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فأسلم النصراني وحسن إسلامه، وصار من جملة أصحاب الشبلي.
الحكاية الثانية: قيل لحذيفة المرعشي (^١): ما أعجب ما رأيت من إبراهيم بن أدهم؟ قال: بقينا في طريق أيامًا لم نجد طعامًا، ثم دخلنا الكوفة، فأوينا إلى مسجد خراب، فنظر إليّ إبراهيم بن أدهم وقال: يا حذيفة، أرى بك جوعًا، قلت: هو ما رأى الشيخ، فقال: إليّ بدواة وقرطاس، فجئت به، فكتب بعد البسملة: أنت المقصود بكل حال، والمشار إليه بكل معنى.
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر … أنا جائع أنا خاضع أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين لنصفها … فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحى لغيرك لهب نار خضعتها … فأجر عُبيْدك من دخول النار
ثم دفع إليَّ الرقعة وقال: أخرج ولا تعلق قلبك إلا باللَّه تعالى، فادفع الرقعة إلى أول من تلقاه، قال: فخرجت فأول من لقيني رجل على بغلة فناولته الرقعة فأخذها، فلما وقف عليها بكى وقال: وأين صاحب هذه الرقعة؟ قلت: في المسجد الفلاني، فدفع إليّ صُرّة فيها ستمائة دينار، وأُخبرت أنه نصراني، فجئت إلى
_________________
(١) حذيفة بن قتادة المرعشي الزاهد القدوة صاحب سفيان الثوري، له قدم في العبادة وكلام نافع، وهو القائل: إن لم تخش أن يعذبك اللَّه على أفضل عملك فأنت هالك. قلت يعني: لما يعتوره من الآفات، وقال: لو وجدت من يبغضني في اللَّه لأوجبت على نفسي حبه. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٠١ - ٢١٠].
[ ١ / ١٣٨ ]
إبراهيم (^١) فأخبرته بذلك فقال: لا تمسَّها فإنه يجيء الساعة، فلما كان بعد ساعة جاء، وأكب على إبراهيم وأسلم، وللَّه در القائل:
يكون أجاجًا دونكم فإذا انتهى … إليكم يلقى طيبكم فيطيب
الحكاية الثالثة: عن الجنيد: قال السري (^٢) لي: تكلم على الناس، وكان في قلبي (حتمة) (^٣) من الكلام، وكنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام ليلة الجمعة فقال لي: تكلم على الناس، فانتبهت، وأتيت باب السري قبل أن يصبح فدققت عليه الباب، فقيل لي: لم تصدقنا حتى قيل لك، فقعد للناس في الجامع بالغداة، فانتشر في الناس أن الجنيد قد تكلم، فوقف عليه غلام نصراني متنكر وقال: أيها الشيخ، ما معنى حديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه" (^٤) فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه وقال: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم وحسن إسلامه.
الحكاية الرابعة: عن إبراهيم الخواص قال: كنت ببغداد وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة حسن الوجه، فقلت لأصحابي: يقع لي أنه يهودي، فكره الأصحاب قولي، فخرجت وخرج الشاب، ثم رجع إليهم وقال: إيش قال الشيخ؟ فاحتشموا، فألح عليهم، فأخبروه بما قال الشيخ، فأسلم على يديه، فقيل له في ذلك، فقال: نجد في كتبنا أن الصدِّيق لا تخطئ فراسته (^٥)، فقلت في
_________________
(١) من أقواله: أخاف ألا يكون لي أجر في تركي أطيب الطعام؛ لأني لا أشتهيه. وكان إذا جلس على طعام طيب رمى إلى أصحابه، وقغ بالخبز والزيتون، وعن إبراهيم أيضًا قال: كل ملك لا يكون عادلًا فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون ورعًا فهو والذئب سواء، وكل من يخدم سوى اللَّه فهو والكلب بمنزلة واحدة. تاريخ الإسلام، وفيات [١٦١ - ١٧٠].
(٢) السري بن المغلس أبو الحسن السقطي البغدادي الزاهد، علم الأولياء في زمانه، صحب معروفًا الكرخي، وحدث عن الفضيل بن عياض وهشيم وأبي بكر بن عياش وعلي بن غراب ويزيد بن هارون، وعنه: أبو العباس بن مسروق، والجنيد، وأبو الحسن النوري، وإبراهيم بن عبد اللَّه المخزومي، وقال عنه الفرجاني: سمعت الجنيد يقول: ما رأيت أعبد للَّه من السري؛ أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رُئي مضطجعًا إلا في علة الموت. تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [٢٥١ - ٢٦٠].
(٣) كذا بالأصل.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه [٣١٢٧] كتاب تفسير القرآن، من سورة الحجر، والطبراني في المعجم الكبير [٨/ ١٢١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٤/ ٩٤، ٦/ ١١٨]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٥٤٤]، والذهبي في الميزان [٨٠٩٨]، والعجلوني في كشف الخفا [١/ ٤٢].
(٥) من كرامة الصديق ﵄ أنه كان يأكل هو وأضيافه من القصعة، فلا يأكلون لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، فشبعوا وهي أكثر مما كان فيها قبل أن يأكلوا، وكان من فراسته قوله لعائشة في مرضه =
[ ١ / ١٣٩ ]
نفسي: أمتحن المسلمين فإن كان فيهم صدّيق ففي هذه الطائفة يوجد، لأنهم يقولون: إنه من يترك ما سوى اللَّه فعرفت صديقية هذا الشيخ بذلك، وصار هذا الشاب من كبار الصوفية.
الحكاية الخامسة: عن بعض الصالحين أنه كان يتكلم في الناس ويعظهم، فمر عليه في بعض الأيام يهودي وهو يخوفهم، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) فقال اليهودي: إن كان هذا الكلام حقًا، فنحن وأنتم سواء، فقال له الشيخ: لا، ما نحن سواء؛ نحن نرد ونصدر، وأنتم تردون ولا تصدرون، ننجوا نحن منها بالتقوى، وتبقون أنتم بها جثيًا بالظلم، وقرأ الآية الثانية: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (^٢) فقال اليهودي: نحن المتقون، فقال الشيخ: كلا نحن، وتلا قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (^٣).
_________________
(١) = الذي مات فيه في وصيته لها، وذكر لها أختها ولم يكن لها أخت إلا أسماء وزوجته حامل، فإذا بها تلد بنتًا كما قال الصديق ﵁.
(٢) سورة مريم [٧١]. روى أحمد في مسنده عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد اللَّه فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعًا. تفسير ابن كثير [٣/ ١٣٦].
(٣) سورة مريم [٧٢]. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] أي إذا مر الخلائق كلهم على النار وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجى اللَّه -تعالى- المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار إلا دارات وجوههم، وهي مواضع السجود، وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولًا من كان في قلبه مثقال دينار، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج اللَّه من النار من قال بومًا من الدهر: لا إله إلا اللَّه. المرجع السابق [٣/ ١٣٨].
(٤) سورة الأعراف [١٥٦، ١٥٧]. قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] آية عظيمة الشمول والعموم، روى أحمد في مسنده [٤/ ٣١٢]، وروى أبو داود في سننه [٤٨٨٥] عن جندب أن أعرابيًا جاء فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم صلى خلف رسول اللَّه ﷺ، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ أتى راحلته فأطلق عقالها، ثم ركبها، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا تشرك في رحمتنا أحدًا، فقال رسول اللَّه ﷺ: "أتقولون هذا أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا ما قال؟! قالوا: بلى، قال: "لقد حظرت رحمة واسعة، إن اللَّه ﷿ خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق، جنها وإنسها وبهائمها، =
[ ١ / ١٤٠ ]
فقال اليهودي: هات برهانًا على صدق هذا، فقال الشيخ: البرهان حاضر، يراه كل ناظر، وهو أن تطرح ثيابي وثيابك في النار، فمن سلمت ثيابه فهو الناجي منها، ومن احترقت ثيابه فهو الباقي فيها، فنزعا ثيابهما، ورمى بالجميع في النار، ثم دخل النار وأخذ الثياب وخرج من الجانب الآخر، ثم فتحت الثياب فإذا ثياب الشيخ سالمة بيضاء نظيفة، وثياب اليهودي محترقة، وكانت مستورة بثياب الشيخ، فلما رأى ذلك أسلم.
الحكاية السادسة: حكي أنه كان في الأمم الماضية ملك متمرد على ربه، فغزاه المسلمون، وأخذوه أسيرًا فقالوا: بأي قتلة نقتله؟ فاجمع رأيهم على أن يجعلوا له قُمقُمًا عظيمًا ويمجعلوه فيه، ويوقدوا تحته النار حتى يذيقوه طعم العذاب، ففعلوا ذلك، فجعل يدعو آلهته واحدًا بعد واحد: يا فلان بما كنت أعبدك أنقذني مما أنا فيه، فلما رأى الآلهة لا تغني عنه شيئًا رفع رأسه إلى السماء وقال: لا إله إلا اللَّه، ودعا مخلصًا فصبّ اللَّه عليه مبعث ماء من السماء فأطفأ تلك النار، وجاءت ريح فاحتملت ذلك القمقم، وجعلت تدور به بين السماء والأرض، وهو يقول: لا إله إلا اللَّه، فقذفته إلى قوم يعبدون اللَّه ﷿ وهو يقول: لا إله إلا اللَّه، فاستخرجوه وقالوا: ويحك، مالك؟ قال: أنا ملك بني فلان، كان من أمري وجندي كيت وكيت، وقص عليهم القصة، فآمنوا كلهم - رحمة اللَّه عليه.
الحكاية السابعة: حكي أن بعض ملوك الأمم السالفة بنى مدينة وتغالى في حسنها وزينتها، ثم صنع طعاما ودعا الناس.
وأجلس أناسًا على أبوابها يسألون كل من خرج هل رأيتم عيبًا؟ فيقولون: لا، حتى جاء أناس في آخر الناس عليهم أكسية، فسألوهم هل رأيتم عيبًا؟ قالوا: عيبين اثنين، فحبسوهم ودخلوا على الملك فأخبروه بما قالوا، فقال: ما كنت راضيًا بعيب واحد، فأتوني بهم، فأدخلوهم عليه فسألهم عن العيبين ما هما؟ قالوا: تخرب ويموت صاحبها، قال: أفتعلمون دارًا لا تخرب ولا يموت صاحبها؟! قالوا: نعم، فذكروا له الجنة ونعيمها (^١) وشوقوه إليها، وذكروا له النار وعذابها وخوفوه منها،
_________________
(١) = وأخَّر عنده تسعًا وتسعين رحمة، أتقولون هو أضل أم بعيره؟ " واللفظ لأحمد.
(٢) في ذكر نعيم الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب اللَّه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة:١٧] "، انظر البخاري [٣٢٤٤] في بدء الخلق، ومسلم [١ - (٢٨٢٢)] في كتاب الجنة وصفة نعيمها.
[ ١ / ١٤١ ]
ودعوه إلى عبادة اللَّه ﷿ فأجابهم إلى ذلك، وخرج من ملكه هاربًا تائبًا إلى اللَّه ﷾ رحمة اللَّه عليه.
الحكاية الثامنة: روي أنه تحارب ملكان من ملوك اليمن في قديم الزمان، فغلب أحدهما صاحبه وقتله، وشرد أصحابه، وهيأت له السرر، وزينت له دار الملك، وتلقاه الناس ليدخل، فبينما هو فى بعض السكك يقصد دار الملك، فوقف له رجل يُنسب إلى الجنون (^١)، فأنشده:
تسمع من الأيام إن كنت حازما … فإنك فيها بين ناه وآمر
وكم ملك قد ركم التراب فوقه … وعهدي به بالأمس فوق المنابر
إذا كنت في الدنيا بصيرًا فإنما … بلاغك منها مثل زاد المسافر
إذا أبقت الدنيا على المرئ دينه … فما فاته منها فليس لصائر
فقال له: صدقت، ونزل عن فرسه، وفارق أصحابه، ورقى الجبل، وأقسم على أصحابه أن لا يتبعه أحد، فكان آخر العهد به.
الحكاية التاسعة: عن شاة الكرماني: أنه خرج إلى العبيد وهو ملك كرمان، فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده، وإذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع، فلما رأته ابتدرت نحوه، فزجرها الشاب، فلما دنا منه سلّم عليه وقال: يا شاة، ما هذه الغفلة عن اللَّه تعالى؟ اشتغلت بدنياك عن آخرتك، وبلذاتك وهواك عن خدمة مولاك، إنما أعطاك الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة إلى الاشتغال عنه.
فبينما هو يحدثه، إذ خرجت عجوز بيدها شربة ماء، فناولتها الشاب، فشرب، ودفع باقيه إلى شاة (^٢) فشربه وقال: ما شربت شيئًا ألذّ منه، ولا أبرد، ثم غابت، فقال الشاب: هذه الدنيا، وكّلها اللَّه بخدمتي، فما احتجت لشيء إلا أحضرته لي
_________________
(١) هناك في عقلاء المجانين الكثير منهم كلما ذكر الذهبي البهلول بن عمرو أبو وهب الصيرفي الكوفي، كان جيًا في دولة الرشيد، وسوس في عقله، وما اْظنه اختلط أو قد كان يصحو في وقت، فهو معدود في عقلاء المجانين، له كلام حسن وحكايات، وتأتي ترجمته بأوسع من ذلك قريبًا.
(٢) شاة بن شجاع أبو الفوارس الكرماني الزاهد، قال السلمي: كان من أولاد الملوك فتزهد وصحب أبا تراب النخشبي وغبره، ومات قبل الثلاثمائة، وقال أبو نعيم: كان من أبناء الملوك فتشمر للسلوك، فعنه قال: من عرف ربه طمع في عفوه، ورجا فضله، وقال إسماعيل بن مخلد: كان شاة بن شجاع حاد الفراسة قل ما أخطأت فراسته. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٩١ - ٣٠٠].
[ ١ / ١٤٢ ]
حين يخطر ببالي، أما بلغك أن اللَّه -تعالى- لما خلق الدنيا قال لها: يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه، فلما رأى ذلك تاب، وكان منه ما كان، وأنشدوا:
خُدِمت لما أن صرت في خدمك … ودار عني السرور من نعمك
وكانت الحادثات تطرقني … فاحتشمتني إذ صرت من حشمك
الحكاية العاشرة: عن مالك بن دينار (^١) أنه سُئل عن سبب توبته، قال: كنت شرطيًا، وكنت منهمكًا على شرب الخمر، ثم إني شريت جارية نفيسة وقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتًا فشغفت بها، فلما دبت ازداد حبها في قلبي، فكنت إذا وضعت المسكر، جاءت إليّ وجاذبتني إياه وهرقته على ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت، فأكمدني حزنها، فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة جمعة، بت ثملا من الخمر ولم أُصل العشاء، فرأيت كأن أهل القبور خرجوا وحُشر الخلائق وأنا معهم. فسمعت حسًا من ورائي، فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون، أسود أزرق، قد فتح فاه مُسرعًا نحوي، فمررت بين يديه فزعا مرعوبا هاربًا منه، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثياب طيب الرائحة، فسلمت عليه، فردّ علي السلام، فقلت له: أجرني وأغثني، فقال: أنا ضعيف، وهذا أقوى مني ولا أقدر عليه، ولكن مرَّ وأسرع، فلعل اللَّه يسبب لك ما ينجيك منه، فوليت هاربًا (^٢)، فصعدت على شرف من شرف القيامة، فأشرفت على طباق النيران، فنظرت إلى هولها، فكدت أهوي فيها من فزع التنين، وهو في طلبي، فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله، فأتيت الشيخ فسألته، فلم يفعل وبكى وقال: أنا ضعيف، ولكن سر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائع المسلمين، وإن كان لك فيه وديعة فتنصرك، فنظرت إلى جبل مستدير، فيه كوى مخرقة وستور معلقة، على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة بالياقوت، مكللات بالدرّ، وعلى كل مصراع ستر من الحرير، فلما نظرت إلى الجبل هربت إليه، وهو ورائي، فلما قرِبت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا
_________________
(١) مالك بن دينار أبو يحيى أبو هاشم السلمي الناجي البصري الزاهد القرشي، صدوق عابد، أخرج له البخاري تعليقًا، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وتوفي سنة [١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦]. ترجمته: تهذيب التهذيب [١٠/ ١٤]، تقريب التهذيب [٢/ ٢٢٤]، التاريخ الكبير [٧/ ٣٠٩]، الجرح والتعديل [٨/ ٩١٦]، ميزان الاعتدال [٣/ ٤٢٦].
(٢) قال سلم الخواص: قال مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها. قيل: وما هو؟ قال: معرفة اللَّه -تعالى- وقال مالك: منذ عرفت الناس لم أفرج بمدحهم، ولم أكره مذمتهم لأن حامدهم مفرط وذامهم مفرط. تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [١٢١ - ١٣٠].
[ ١ / ١٤٣ ]
الستور وافتحوا المصاريع (^١) وأشرفوا، فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه.
فإذا الستور (^٢) قد رفعت، والمصاريع قد فتحت، فأشرفت على أطفال بوجوه كالأقمار، وقرب التنين مني فتحيرت في أمري، فصاح بعض الأطفال: ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب عدوه منه، فأشرفوا فوجًا بعد فوج، وإذا بابنتي التي ماتت أشرفت معهم (^٣) فلما رأتني بكت وقالت: أبي واللَّه، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي، فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمين فتعلقت بها، ومدت اليمين إلى التنين فولى هاربًا.
ثم أجلستني وقعدت في حجري، وضربت ببدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٤) فبكيت وقلت: يا بنية، وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت نحن أعرف به منكم، قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد هلاكي؟ قالت: ذاك كملك السوء، قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم، قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي؟ قالت: ذاك عملك الصالح، أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء، قلت: وما تصنعون بهذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين، قد أُسكنَّا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم، تقدمون علينا فنشفع لكم، فانتبهت فزعًا، فلما أصبحت فارقت ما كنت عليه، وتبت إلى اللَّه وهذا سبيل توبتي.
_________________
(١) المصارع: مصراع الباب أحد جزأيه، وهما مصراعان: أحدهما: إلى اليمين. والآخر: إلى اليسار، ومن بيت الشعر نصفه، وجمعها: مصاريع.
(٢) الستار: ما يستر به وما أسدل على نوافذ البيت وأبوابه حجبًا للنظر، جمعها: سُتر، والستار جمعها: أستار، وستور.
(٣) روى الأصمعي عن أبيه قال: مر المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، فقال مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين؟ فقال له المهلب: أما تعرفني؟ قال: أعرفك؛ أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة، فقال المهلب: الآن عرفتني حق المعرفة. تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [١٢١ - ١٣٠].
(٤) سورة الحديد [١٦]. يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه، قال ابن المبارك بسنده، عن ابن عباس أنه قال: إن اللَّه استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] وروى مسلم في صحيحه [٢٤ - (٣٠٢٧)] كتاب التفسير، [١] باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللَّه بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلا أربع سنين.
[ ١ / ١٤٤ ]
الحكاية الحادية عشرة: عن أحمد بن عبد اللَّه المقدسي قال: صحبت إبراهيم بن أدهم فسألته عن بداية أمره، وما كان سبب بدأة أمره من المُلك الفاني إلى الباقي؟ قال: يا أخي، كنت جالسًا يومًا في أعلى قصر في ملكي، والخواص قيام على رأسي، فأشرفت من الطاق فوجدت رجلا من الفقراء جالسًا بفناء القصر، بيده رغيف يابس قد بله بالماء، وأكله بملح جريش، وأنا أنظر إليه إلى أن فرغ من أكله، ثم شرب من الماء وحمد اللَّه وأثنى عليه، ونام في فناء القصر، فألهمني اللَّه الفكر فيه، فقلت لبعض مماليكي: إذا قام ذلك الفقير فأتني به، فلما استيقظ من نومه دُعي فقال: بسم اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (^١) وجاء، فلما نظر إليَّ سلم، فرددت عليه¬ السلام وأمرته بالجلوس فجلس، فلما اطمأن قلت له: يا فقير، أكلت الرغيف وأنت جائع فشبعت؟ فقال: نعم، قلت: وشربت الماء سجاوة فرويت؟ قال: نعم، قلت: ثم نمت طيبًا بلا هم ولا غم فاسترحت؟ قال: نعم، قلت في نفسي وأنا أعتبها: يا نفس ما أصنع بالدنيا، والنفس تقنع بما سمعت ورأت، فعقدت التوبة في تلك الساعة مع اللَّه -تعالى- فلما انصرف النهار وأقبل الليل، لبست مسحًا من شعر وقلنسوة من صوف، وخرجت سائحًا حافيًا إليه، فلحقني رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة، فتقدمت إليه وصافحته وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام وقال: يا إبراهيم أين تريد؟ فقلت: هربت منه إليه، فقال لي: أنت جائع؟ قلت: نعم، فقام الشيخ وصلى ركعتين خفيفتين وقال لي: قم وصل كما صليت، ففعلت ذلك، فالتفت فإذا عن يمينه طعام موضوع وماء بارد، فقال لي: تقدم وكل من فضل اللَّه واشكر ربك على ذلك، فأكلت منه كفايتي، وهو باق على حاله، وشربت وحمدت اللَّه، فقال: يا إبراهيم اعقل وافهم ولا تستعجل في أمورك؛ فإن العجلة من الشيطان، واعلم أن اللَّه إذا أراد بعبده خيرًا صطفاه لنفسه وجعل في قلبه سراجًا من نور
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [٦٣٨٤] عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قل لا حول ولا قوة إلا باللَّه فإنها كنز من كنوز الجنة" قال النووي: قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى اللَّه -تعالى- واعتراف بالإذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة، وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموالكم، قال أهل اللغة: الحول الحركة والحيلة، أي لا حركة ولا استطاعة ولا جلة إلا بمشيئة اللَّه -تعالى- وقيل: معناه لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا باللَّه. وقيل: لا حول عن معصية اللَّه إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونة، وحكي هذا عن ابن مسعود ﵄ وكله متقارب. قال أهل اللغة: ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة، وبالأول جزم الأزهري والجمهور، وبالثاني جزم الجوهري، ويقال أيضًا: لا حيل ولا قوة في لغة غريبة حكاها الجوهري وغيره. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٢٢] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ١٤٥ ]
قدسه، يفرق به بين الحق والباطل، ويبصر به عيوب نفسه، وإني أريد أن أعلمك اسم اللَّه الأعظم (^١) فإذا أنت جعت أو عطشت فادع اللَّه به، فإنه سيشبعك ويرويك، يا ابن أدهم إذا جالست الأخيار والفقراء فكن لهم أرضًا يطئونك، ولا تغضبهم؛ فإن اللَّه ﷿ يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، قال: ثم علمني الاسم الأعظم (^٢) ثم قال: أستودعك الحي الذي لا يموت، ثم حجب عني، فأخذت الطريق، فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة، مليح (الترة) (^٣)، فسلمت عليه، فرد السلام وقال: ما حاجتك يا ابن أدهم؟ ومن لقيت في سفرك هذا؟ فقلت: لقيت شيخًا من صفته كذا وكذا، وعلمني كذا وكذا، فبكى الفتى وأبكاني، فقلت له: يا سيدي أقسمت عليك باللَّه -تعالى- من ذلك الشيخ، ومن أنت؟ فقال: أما الشيخ فأخي إلياس، وأنا أبو العباس الخضر (^٤)، قال: ففرحت فرحًا شديدًا، وألزمته إلى صدري وقبلته بين عينيه وصافحته وسألته الدعاء فدعا لي بالثبات والعصمة، ثم غاب عليّ فلم أدر أين ذهب. وهذه القصة حالي في ابتداء أمري.
وهذه رواية، والمشهور أن بدأته أنه طرح يومًا يصطاد، فأثار ثعلبًا أو أرنبًا، فبينما هو في طلبه، إذ هتف به هاتف: ألهذا خلقت، أم بهذا أمرت، ثم هتف به من قربوس (^٥) سرجه كذلك، فنزل عن مركوبه، وصادف راعيًا لأبيه، فأخذ جبته -وهي
_________________
(١) روى أبو داود في سننه [١٤٩٣]، والترمذي في سننه [٣٤٧٥] عن بريدة أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: "لقد سألت اللَّه باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب".
(٢) روى أبو داود في سننه [١٤٩٦] عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: "اسم اللَّه الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ " وكذا رواه الترمذي [٣٤٧٢] وقال: حسن صحيح.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك تفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن يحصر، وأشهر من أن يستر، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك، قال: وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين، قال الحبري المفسر وأبو عمر: وهو نبي، واختلفوا في كونه مرسلا، وقال القشيري وكثيرون: هو ولي، وحكى الماوردي في تفسيره ثلاثة أقوال؛ أحدها: نبي، والثاني: ولي، والثالث: أنه من الملائكة، وهذا غربب باطل. النووي في شرح مسلم [١٥/ ١١١] طبعة دار الكتب العلمية.
(٥) القربوس: الجزء المرتفع المقوس من السرج، جمعها قرابيس.
[ ١ / ١٤٦ ]
صوف - فلبسها، وأعطاه فرسه وما معه، ثم دخل البادية وكان من أمره ما كان.
الحكاية الثانية عشر: عن محمد بن المبارك قال: كان موسى بن محمد الهاشمي من أنعم بني أمية عيشًا، وأرخاهم بالًا؛ يعطي نفسه شهوتها من صنوف اللذات في المأكل (^١) والمشرب والملبس والطيب والجواري والغلمان، ليست له همة ولا فكرة إلا في الذي هو فيه من عيشه ولذته، وكان شابًا جميلًا وجهه كاستدارة القمر، وكان ذا مال يدخل كل حول نحوًا من ثلاثمائة ألف وثلاثة آلاف درهم، يصرفه كله في النعيم، وكان له مستشرف عال يقعد فيه العشاء ويشرف على الناس، له أبواب على الجادة وأخرى على بستانه، وقد ضرب فيه قبة عاج مضيئة بالفضة مطلية بالذهب، وهو على سرير عليه غلالة قصب، وعلى رأسه عمامة مكللة باللآلئ ومعه في القبة ندماؤه وإخوانه، وقد وقف على رأسه الخدم، والقينات في مجلس آخر خارج القبة، يُمسكن تارة ويندفعن أخرى بإشارته.
هذا دأبه ليلا ونهارًا في اللعب والتيه، حتى مضى له سبع وعشرون سنة، فبينما هو ذات ليلة في قبته، إذ سمع نغمة من صوت شجي خلاف ما سمعه من مطربته، فأخذ بقلبه فأحضره، وإذا هو شاب نحيل ذبل شعث ضمر، وعليه طمران، حافي، قائم في المسجد يناجي ربه، فقال: أيها الشاب أسمعني ما كنت تقول، فتعوذ وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ إلى قوله: ﴿بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^٢)، ثم وعظه (وذكر) (^٣) صحن
_________________
(١) روى ابن حبان في صحيحه [١٣٤٩ - الموارد، حديث "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه" وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح [١٠/ ١٢٨] بلفظ "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، وذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس [٢١٤] بلفظ "حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه".
(٢) سورة المطففين [٢٢ - ٢٨]. أي في نعيم يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وهي السرر تحت الحجال ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قيل: ينظرون في ملكهم وما أعطاهم اللَّه من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ أي تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم أي صفة الترافة والحشمة والسرور والدعة والرياسة مما هم فيه من النعيم العظيم، ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ أي من خمر الجنة، والرحيق من أسماء الخمر قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي خلطة مسك ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ أي من شراب تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة يشربها المقربون. مختصرًا عن تفسير ابن كثير [٤/ ٤٨٧].
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٤٧ ]
داره، وجلس مع الشاب على الحصير ينوح على شبابه، ويندب على نفسه، والشاب يعظه إلى أن أصبح، وقد عاهد اللَّه أن لا يعود إلى معصيته أبدًا، فلما أصبح أظهر توبته، ولزم المسجد والعبادة، وأمر بالجواهر والملابس فبيعت، وتصدق بها، ورد الضياع المقتلعة، وباع ضياعه وخدمه، وأعتق من اختار العتق، وتصدق به أجمع، ولبس الصوف الخشن، وأكل الشعير، وكان يحيي الليل ويصوم النهار، حتى كان يزوره الصالحون والأخيار ويقولون له: ارفق بنفسك، فإن المولى كريم يشكر اليسير، ويثيب على الكثير، فيقول: يا قوم أنا أعرف بنفسي منكم؛ إن جرمي عظيم، عصيت (^١) ربي ليلا ونهارًا، ويكثر البكاء، ثم خرج حاجًا حافيًا راجلا عليه خيشته وركوة وجراب، فقدم مكة فأقام بها إلى أن مات، وكان يدخل الحجر (^٢) ليلا وينوح على نفسه ويقول: سيدي كم أُراقبك في خلوتي، سيدي ذهبت شهوتي وبقيت تبعاتي، فالويل لي يوم ألقاك والويل لي، ثم الويل من صحيفتي إذا نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي، بل كل الويل من سبِّك إياي، وتوبيخك لي، وإحسانك إليّ، ومقابلة نعمتك بالمعاصي، وأنت مطلع على فعالي.
سيدي إلى من أهرب إلا إليك؟ إلى من ألتجئ، وعلى من أعتمد إلا عليك؟ إني لا (استاهل) (^٣) أن أسألك الجنة، بل أسألك بجودك وكرمك وبفضلك أن تغفر لي، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة (^٤).
شعر:
عصيتك جاهلا يا ذا المعالي … ففرج ما ترى من سوء حالي
_________________
(١) مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا، وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة اللَّه -تعالى- فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أو لا، وإن شاء عذبه القدر الذي يريده ﷾ ثم يدخله الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر، ولو عمل من أعمال البر ما عمل. النووي في شرح مسلم [١/ ١٩٢، ١٩٣] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) الحجر: هو جانب الكعبة من جهة الشمال.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أي هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب، قاله قتادة. وروى أحمد في مسنده [٣/ ١٤٢] عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] وقال: "قال ربكم أنا أهل أن أتقي فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا كان أهلا أن أغفر له".
[ ١ / ١٤٨ ]
إلى من يرجع المملوك إلا … إلى مولاه يا مولى الموالي
فإنك أهل مغفرة وعفو (^١) … وتواب ومفضال النوالي
الثالثة عشر: حكي أن شابًا كان يحضر مجلس بعض علماء السلف الوعاظ، وكان الشاب إذا سمع الوعاظ يقول: يا ستار، يهتز كما تهتز السعفة، فقيل له في ذلك، فقال: اعلموا أني كنت أخرج في زي النساء، وأحضر كل موضع فيه عرس أو عزاء تجتمع فيه النساء، فحضرت يومًا عرسًا لبنت بعض الملوك، فسرق عقد لبنت الملك، فصاحوا: أن أغلقوا الأبواب، وفتشوا النساء، ففتشوهن واحدة واحدة حتى لم يبقى إلا امرأة واحدة وأنا، فدعوت اللَّه -تعالى- وأخلصت التوبة وقلت: إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود لمثل هذا أبدًا، فوجدوا العقد مع المرأة التي بقيت، فقالوا: أطلقوا المرأة الأخرى -يعنونني- فأطلقوني وحالي مستور، فمن حينئذ إذا سمعت ذكر الستار أذكر ستره علي ويأخذني ما رأيتم من الاهتزاز.
الحكاية الرابعة عشر: حكي عن الشيخ أبي إسحاق الفزاري (^٢) ﵀ قال: كان رجل يكثر الجلوس إلينا، ونصف وجهه مغطى، فقلت له: إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى، أطلعني على هذا، قال: وتعطيني الأمان؟ قلت: نعم، قال: كنت شابًا فدُفنت امرأة، فأتيت قبرها حتى وصلت إلى (اللبن) (^٣) فنزعته، ثم ضربت بيدي إلى الرداء، ثم إلى اللفافة، فمددتها، وجعلت تمدها هي، فقلت: أتراها تغلبني، فجثيت على ركبتي وجرَّدت اللفافة، فرفعت يدها ولطمتني، وكشف عن وجهه فإذا أثر خمسة أصابع في وجهه، قلت له: ثئم مه، قال: ثم رددت عليها لفافتها وإزارها، ثم رددت التراب، وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت، وهذه سبب توبتي.
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [٦٣٠٦] عن شداد بن أوس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فإن قالها في النهار مؤمنًا بها فمات في يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو مؤمن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة".
(٢) الإمام إبراهيم بن محمد الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن، أبو إسحاق الشامي الفزاري الكوفي الإمام المصيصي، ثقة حافظ له تصانيف، توفي سنة [١٨٥، ١٨٦]. ترجمته: تهذيب التهذيب [١/ ١٥١]، تقريب التهذيب [١/ ٤١]، الكاشف [١/ ٨٩]، الثقات [٦/ ٢٣]، تاريخ البخاري الكبير [١/ ٣٢١]، الأعلام [١/ ٥٩]، الجرح والتعديل [٢/ ٤٠٢]، الوافي بالوفيات [٦/ ١٠٤]، سير الأعلام [٨/ ٥٣٩]، طبقات الحفاظ [١١٧].
(٣) أظنه يقصد الطين اللبن الذي يوضع لسد اللحد.
[ ١ / ١٤٩ ]
الخامسة عشر: عن بعض الأكراد ممن كان يقطع الطريق، وينهب الأموال قال: بينما أنا وجماعة من أصحابي جلوس وقد خرجنا لقطع الطريق (^١) فانتهينا إلى مكان فيه ثلاث نخلات، واحدة منهن ليس فيها تمر، وإذا بعصفور يحمل رطبة من نخلة مثمرة إلى رأس تلك النخلة التي ليس فيها تمر حتى تكرر منه ذلك عشر مرات وأنا أنظر، فخطر في نفسي أن أقوم وأنظر، فصعدت النخلة فإذا في رأسها حية عمياء فاتحة فاها، والعصفور يضع الرطب فيه، فبكيت وقلت: سيدي هذه حية أمر نبيك ﷺ بقتلها، لمَّا أعميتها أقصت لها عصفورا يقوم لها بالكفاية، وأنا عبدك أُقرُّ بأنك واحد أقمتني لقطع الطريق وإخافة السبيل، فوقع بقلبي: يا فلان بابي مفتوح، فكسرت سيفي ووضعت التراب على رأسي وصحت: الإقالة الإقالة، وإذا بهاتف يقول: قد أقلناك، قد أقلناك، فأتيت رفاقي فقالوا: مالك؟ قد أزعجتنا، فقلت: كنت مهجورًا وقد صولحت، وحكيت لهم القصة فقالوا: ونحن أيضًا نصالح.
فرمينا ثيابنا وسلاحنا وأحرمنا وقصدنا مكة، وأقمنا نمشي ثلاثة أيام في البرية، ثم دخلنا قرية، فإذا نحن بعجوز عمياء مررنا عليها، فسألتنا أفيكم فلان الكردي؟ قلنا: نعم، فأخرجت ثيابًا إلينا وقالت: مات ولدي وخلف هذه الثياب، فرأيت النبي ﷺ في النوم ثلاث ليال يقول: أعطي هذه الثياب فلانًا الكردي، قال: فأخذتها فاكتسيت بها أنا وأصحابي، ثم مضينا إلى أن أتينا مكة.
السادسة عشر: عن ذي النون (^٢) المصري -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال وقد سئل عن أصل توبته قال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق وانتبهت وفتحت عيني، فإذا أنا بقبَّرة (^٣) عمياء سقطت من شجرة، فانشقت الأرض، فخرج منها (سكرجتان) (^٤) إحداهما من ذهب، والأخرى من فضة، في أحديهما سمسم،
_________________
(١) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر حتى قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب: إن قبض الدراهم والدنانير هن الإفساد في الأرض. تفسير ابن كثير [٢/ ٤٩].
(٢) ذو النون المصري الزاهد -رحمة اللَّه عليه- اسمه ثوبان بن إبراهيم، وبقال: أبو الفيض بن أحمد، ويقال: ابن إبراهيم أبو الفيض، ويقال: أبو الفياض الأخميمي، وأبوه نوبي، وقال الدارقطني: روى عن مالك أحاديث فيها نظر، وكان واعظًا، وقال ابن يونس: كان عالمًا فصيحًا حكيمًا أصله من النوبة. تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [٢٤١ - ٢٥٠].
(٣) القُبَّرة: جنس من الطيور، من فصيلة القبريات.
(٤) كذا بالأصل، ومعنى والسكرجة: الإناء الصغير.
[ ١ / ١٥٠ ]
والأخرى ماء ورد -أو قال: ماء- فأكلت من هذه وشربت من هذه، فقلت: حسبي، ولزمت الباب إلى أن قُبلت. (^١)
السابعة عشر: عن بعضهم قال: ركبت في مركب في البحر ومعي رفيق، فلما سار المركب سكنت، فطلبوا مرسًا وقربوا المركب من الساحل، وكان إلى جنبي شاب حسن الوجه، فنزل إلى الساحل، ودخل بين أشجار على شط البحر ثم رجع إلى المركب، فلما غابت الشمس قال لي ولصاحبي: إني ميت الساعة، ولي إليكما حاجة، قلنا: ما هي؟ قال: إذا أنا مت فكفناني مما في هذه الرزمة، وخذا هذه الثياب التي عليّ، فإذا دخلتما مدينة صور، فأول من يلقاكما ويقول لكما: هاتا الأمانة، فادفعوها إليه.
فلما صلينا المغرب حركنا الرجل، فإذا هو قد مات، فحملناه إلى الشط، وأخذنا في غسله، وفتحنا الرزمة، فإذا فيها ثوبان أخضران مكتوبان بالذهب، وثوب أبيض فيه صرة فيها شيء كأنه الكافور، ورائحته كرائحة المسك، فغسلناه وكفناه في ذلك الكفن، وحنطناه بما كان في الصُرَّة من الطيب، وصلينا عليه ودفناه، فلما دخلنا مدينة صور استقبلنا غلام أمرد حسن الوجه، عليه ثوب (شرب) (^٢) وعلى رأسه منديل ديبقي، فسلم علينا وقال: هاتا الأمانة، فقلما له: نعم وكرامة، ولكن ادخل معنا هذا المسجد نسألك عن مسألة، قال: نعم، فدخل معنا المسجد فقلنا له: أخبرنا من الميت ومن أنت؟ ومن أين له ذلك الكفن؟ فقال: أما الميت فكان من البدلاء (^٣) من الأربعين، فأنا بدله، وأما الكفن فإنه جاء به الخضر ﷺ (^٤) وعرَّفه أنه ميت، ثم لبس الثياب التي كانت معنا، ودفع لنا الثياب التي كانت عليه، وقال: بيعاها وتصدقا
_________________
(١) ذكره الذهبي في ترجمة ذي النون المصري.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) الأبدال إحدى طبقات الصوفية، ويزعمون أنه إذا ذهب بدل من الأبدال حل محله آخر.
(٤) قال المازري: اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي أو لا، واحتج من قال بنبوته بقوله ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فدل على أنه نبي أوحي إليه، وبأنه أعلم من موسى ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، وأجاب الآخرون بأنه يجوز أن يكون قد أوحى اللَّه إلى نبي في ذلك العصر أن يأمر الخضر بذلك، وقال الثعلبي المفسر: الخضر نبي معمر على جميع الأقوال محجوب عن الأبصار -يعني عن أبصار أكثر الناس- قال: وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن، وذكر الثعلبي ثلاثة أقوال في أن الخضر كان من زمن إبراهيم الخليل ﷺ أم بعده بقليل أم بكثير، وكنية الخضر أبو العباس، واسمه بليا -بموحدة مفتوحة ثم لام ساكنة ثم مثناة تحت- بن ملكان -بفتح الميم وإسكان اللام- وقيل: كليان. النووي في شرح مسلم [١٥/ ١١١] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ١٥١ ]
بثمنها إن لم تحتاجا إلى لبسها، فأخذناها ودفعنا السراويل إلى مناد يبيعه، فلم نشعر إلا والمنادي قد جاء ومعه جماعة، وأخذونا إلى دار كبيرة، وإذا فيها جماعة، وإذا بشيخ يبكي وصراخ النساء في الدار، فلما وصلنا إلى الشيخ سألنا عن السراويل والتكة، فحدزناه الحديث، فخرَّ ساجدًا للَّه رب تعالى، ثم رفع وقال: الحمد للَّه الذي أخرج من صلبي مثله، ثم صاح لأمه وقال لنا: حدثاها الحديث، فحدثناها، فقال لها الشيخ: احمدي اللَّه الذي رزقك بمثله، فلما كان بعد سنين بينما أنا واقف بعرفات إذ أنا بشاب حسن الوجه، عليه مطرف خز (^١) فسلم عليّ وقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا صاحب الأمانة الصوري، ثم ودعني وقال: لولا أن أصحابي ينتظرونني لأقمت معك، فمضى وتركني، فإذا أنا بشيخ خلفي من أهل المغرب كنت أعرفه يحج كل سنة، فقال لي: من أين تعرف هذا الشاب؟ فقلت: هذا يقال له أنه من الأربعين، فقال: هو اليوم من العشرة وبه يغاث الناس والعباد.
الثامنة عشر: عن الجنيد (^٢) -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: كنت في المسجد مرة، فإذا رجل قد دخل إلينا وصلى ركعتين، ثم امتد ناحية من ناحية المسجد وأشار إليّ، فلما جئته قال لي: يا أبا القاسم، إنه قد حان لقاء اللَّه -تعالى- ولقاء الأحباب، فإذا فرغت من أمري فسيدخل عليك شاب مُغنِّي، فادفع إليه مرقعتي وعصاي وركوتي، فقلت: إلى مغني؟!! (^٣) وكيف يكون ذلك؟!! قال: إنه قد بلغ رتبة القيام بخدمة اللَّه في مقامي، قال الجنيد: فلما قضى الرجل نحبه، وفرغنا من مواراته، إذا نحن بشاب مصري قد دخل علينا وسلّم وقال: أين الوديعة يا أبا القاسم؟ فقلت: وكيف ذلك؟ أخبرنا بحالك، قال: كنت في مشربة (^٤) بني فلان، فهتف بي هاتف: أن قم إلى الجنيد وتسلم ما عنده، وهو كيت وكيت، فإنك قد جعلت مكان فلان الفلاني من الأبدال، قال الجنيد: فدفعت إليه ذلك، فنزع ثيابه واغتسل، ولبس المرقعة وخرج على وجهه نحو الشام (^٥).
_________________
(١) الخزُّ من الثياب: ما ينسج من صوف وحرير خالص، جمعها: خزوز.
(٢) قال الجنيد: كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن صغ سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر، فقال: يا غلام ما الشكر؟ فقال: أن لا بعصى اللَّه بنعمه، فقال: أخشى أن يكون حظك من اللَّه لسانك، قال الجنيد: فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها لي.
(٣) مُغنِّي: محترف الغناء.
(٤) المشرب: الموضع الذي يشرب منه، ومشرب الرجل: ميله وهراه، يقال: هم قوم اختلفت مشاربهم.
(٥) قال المتوكل لذي النون: يا أبا الفيض صف لي أولياء اللَّه، قال: يا أمير المؤمنين هم قوم ألبسهم اللَّه النور الساطع من محبته، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته، ووضع على مفارقهم =
[ ١ / ١٥٢ ]
التاسعة عشر: عن الحسن الفارسي ﵀ أنه قال: بلغنا أن رجلا من أصحاب ذي النون أُصيب بعقله، وكان يطوف ويقول: أين قلبي؟ أين قلبي؟ ومن وجد قلبي؟ والصبيان قد ولعوا به يرمونه من كل جانب، فقضى أن دخل يوما في بعض سكك مصر، وقد هرب من الصبيان، فجلس يستريح ساعة، إذ سمع بكاء صبي تضربه والدته، ثم أخرجته من الدار وأغلقت دونه الباب، فجعل الصبي يلتفت يمينًا وشمالًا، لا يدري أين يذهب؟ ولا أين يقصد؟ فلما سكن ما به، عاد ناكصًا على عقبيه حتى رجع إلى باب دار والدته (^١) فوضع رأسه على عتبة الباب، فذهب به النوم ثم انتبه، فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت بابك عني؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني من نفسك؟ ومن الذي يدنيني بعد إذ غضبت عليّ (^٢)، قال: فرحمته أمه وقامت فنظرت من داخل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه، متمعكًا في التراب، ففتحت الباب ووضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول: يا ولدي يا قرة عيني يا عزيز نفسي أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت الذي تعرضت لما حل بك لو كنت أطعتني ما تلق مني مكروها، قال: فتواجد الفتى وصاح حتى اجتمعت عليه الخلق، فقالوا: ما الذي أصابك؟ فقال: وجدت
_________________
(١) = تيجان مسرته، ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته، ثم أخرجهم وقد ودع القلوب ذخائر الغيوب فهي معلمة بمواصلة المحبوب، فقلوبهم إليه سائرة، وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة، ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء، وعرفهم منابت الأدواء، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى، وضمن لهم الإجابة عند الدعاء، وقال: يا أوليائي لو أتاكم عليل من فرقي فداووه، أو مريض من إرادتي فعالجوه، أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه، أو فارّ مني فرغبوه، أو خائف مني فأمّنوه، أو مستوصف نحوي فأرشدوه، أو مسيء فعاتبوه، أو استغاث بكم ملهوف فأغيثوه. . . . إلى آخره. انظر تاريخ الإسلام، وفيات [٢٤١ - ٢٥٠].
(٢) روى مسلم في صحيحه [١ - (٢٦٧٥)] كتاب التوبة [١] باب في الحض على التوبة والفرح بهما، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "قال اللَّه ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حبث يذكرني، واللَّه للَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إليَّ يمشي أقبلت إليه أهرول".
(٣) ق ال النووي: للتوبة ثلاثة أركان: الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على أن لا يعود إليها أبدًا، فإن كانت المعصية لحق آدمي فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق، وأصلها الندم وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٥٠] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ١٥٣ ]
قلبي، وجدت قلبي، فلما أبصر ذا النون قال: يا أبا الفضل، وجدت قلبي في مكان كذا وكذا عند فلانة وسماها، ثم لم يزل إذا تواجد يقول ذلك.
العشرون: عن بهلول (^١) -رحمة اللَّه عليه- قال: بينما أنا ذات يوم في شوارع البصرة، وإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز، وإذا بصبي ينظر إليهم ويبكي، فقلت: هذا صبي يتحسّر على ما في أيدي الصبيان، ولا شيء معه يلعب به، فقلت له: أي بني، ما يبكيك؟ أشتري لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان؟ فرفع بصره إليَّ وقال: يا قليل العقل؛ ما للعب خلقنا، فقلت: أي بني، فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة، قلت: من أين لك هذا؟ بارك اللَّه فيك، قال: من قول اللَّه ﷿: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ (^٢) فقلت: أي بني، أراك حكيمًا فعظني وأوجز، فأنشأ يقول:
أرى الدنيا تجهز بانطلاقي … مشمرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحي … ولا حي على الدنيا بباق
فيا مغرور بالدنيا رويدًا … ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق السماء بعينه، وأشار إليها بكفه ودموعه تنحدر على خديه، وأنشأ يقول:
يا من إليه المبتهل … يا من عليه المتكل
يا من إذا ما آمل … يرجوه لم يخطئ الأمل
قال: فلما تم كلامه خرّ مغشيًا عليه (^٣) فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب
_________________
(١) بهلول بن عمرو، أبو وهب الصيرفي الكوفي، وسوس في عقله وما أظنه اختلط، أو قد كان يصحو في وقت، فهو معدود في عقلاء المجانين، له كلام حسن وحكايات، وقد حدث عن عمرو بن دينار، وعاصم بن بهدلة، وأيمن بن نابل، وما تعرضوا له بجرح ولا تعديل، ولا كتب عنه الطلبة، كان حيا في دولة الرشيد، ويروي أن البهلول مر به الرشيد فقام وناداه ووعظه، فأمر له بمال فقال: ما كنت لأسود وجه الموعظة. تاريخ الإسلام، وفيات [١٨١ - ١٩٠].
(٢) سورة المؤمنون [١١٥]. أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، وقيل للعبث، أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر اللَّه ﷿ ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أي لا تعودون في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦]. تفسير ابن كثير [٣/ ٢٦٧].
(٣) روى مسلم في صحيحه [٢٩ - (٢٧٥٨)] كتاب التوبة، [٥] باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ قال "أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب =
[ ١ / ١٥٤ ]
عن وجهه بكمي، فلما أفاق قلت له: أي بني ما نزل بك، وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب؟ قال: إليك عني يا بهلول إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار، فلا يوقد إلا بالصغار، وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم، قلت: أي بني، أراك حكيما فعظني، فأنشأ يقول:
أنعم جسمي باللباس ولينه … وليس لجسمي من لباس البلاء يد
كأني به قد مُدّ في برزخ البلاء … ومن فوقه ردم ومن تحته لحد
وقد ذهبت من المحاسن وانمحت … ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد
أرى العمر قد ولى ولم أدرك المنى … وليس معي زاد وفي سفري بعد
وقد كنت جاهرت المهيمن (^١) عاصيًا … وأحدثت أحداثًا وليس بها رد
وأرخيت خوف الناس سترًا من الحيا … وما من سر فيَّ غدا عنده يبدو
بلى خفته لكن وثقت بحلمه … وأن ليس يعفو غيره فله الحمد
فلو لم يكن شيئًا سوى الموت والبلا … ولو لم يكن منه وعيد ولا وعد
لكان لنا في الموت شغل وفي البلا … عن اللهو لكن زال عن رأينا الرشد
عسى غافر الزلات يغفر زلتي … فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد
أنا عبد سوء خنت مولاي عهده … تذلل عن السوء ليس له عهد
فكيف إذا أحرقت بالنار جثتي … ونارك لا يقوى لها الحجر الصلد (^٢)
أنا الفرد عند الموت والفرد في البلا … وأُبعث فردا فارحم الفرد يا فرد (^٣)
_________________
(١) = ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك" قال النووي: وهذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها، وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر، وتاب في كل مرة قبلت توبتة وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته.
(٢) المهيمن: هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وقيامه عليها باطلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مطلع على كنه الأمر مستول عليه، حافظ له، فهو مهيمن عليه. سلاح المؤمن لابن الإمام [ص ٢٥٩].
(٣) قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
(٤) فيما رواه مسلم في صحيحه [٥ - (٢٦٧٧)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢] باب في أسماء اللَّه -تعالى- عن أبي هريرة، وفيه: "إن اللَّه وتر يحب الوتر" قال النووي: الوتر الفرد، ومعناه في حق اللَّه -تعالى- الواحد الذي لا شريك له ولا نظير، ومعنى يحب الوتر: تفضيل الوتر في الأعمال وكثير من الطاعات، فجعل الصلاة خمسًا والطهارة ثلاثًا والطواف سبعًا والسعي سبعًا =
[ ١ / ١٥٥ ]
قال بهلول: فلما فرغ من كلامه وقعت مغشيًا عليّ، وانصرف الصبي، فلما أفقت نظرت إلى الصبيان فلم أره معهم، فقلت لهم: من يكون ذلك الغلام؟ قالوا: وما عرفته؟ قلت: لا، قالوا: ذلك من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب (^١)، قلت: قد عجبت من أين تكون هذه الثمرة إلا من تلك الشجرة!!
الحادية بعد العشرين: عن بعض الصالحات (^٢) وهي شعوانة -رحمها اللَّه- قالت: رزقت ولدًا فربيته أحسن تربية، فلما كبر قال لي: يا أماه سألتك باللَّه إلا ما وهبتيني للَّه -سبحانه- فقلت له: يا بني، لا يصلح أن يهدي للملوك الرؤساء إلا أهل الأدب والتقى، وأنت يا ولدي عر ما تعرف ما يراد بك، ولم يأن لك ذلك، فأمسك عني ولم يقل شيئًا. فلما كان ذات يوم خرج إلى الجبل ليحتطب، ومعه دابة، فلما توسط الجبل نزل عن الدابة وأقبل يحتطب، ويحمل في حبله، حتى جمع حرمة وربطها، وجاء ليطلب الدابة ليحمل عليها، فوجد السبع قد افترسها، فجعل يده في رقبة السبع وقال: يا كلب اللَّه، وحق سيدي لأُحملنَّك الحطب كما تعديت على دابتي، فحمل على ظهره الحطب، وجعل يقوده وهو طائع لأمره، حتى وصل إلى داره، فقرع الباب، فقلت: من بالباب؟ فقال: ولدك الفقير إلى رب الأرباب، ففتحت له الباب، فلما رأيت الحطب على ظهر الأسد قلت: يا بني، ما هذا؟!! فحكى لي القصة فسررت لذلك، وعلمت أن اللَّه ﷻ قد عني به واصطفاه لخدمته
_________________
(١) = ورمي الجمار سبعًا وأيام التشريق ثلاثًا والاستنجاء ثلاثًا وكذا الأكفان، وفي الزكاة خمسة أوسق. . . إلى آخر كلامه، ثم قال: وقيل: إن معناه منصرف إلى صفة من يعبد اللَّه بالوحدانية والتفرد مخلصًا له، واللَّه أعلم. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٦] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد اللَّه الهاشمي ﵄ ريحانة رسول اللَّه ﷺ وابن بنته فاطمة، السعيد الشهيد، استشهد بكربلاء وله ست وخمسون سنة، وقد حفظ عن جده ﷺ، وروى عنه وعن أبويه وخاله هند بن أبي هالة، روى عنه أخوه الحسن وابنه علي وابن ابنه محمد بن علي الباقر وبنته فاطمة بنت الحسين وعكرمة والشعبي والفرزدق همام وطلحة بن عبيد اللَّه العقيلي، قال ابن سعد والزبير بن بكار: مولده في خاص شعبان سنة أربع. تاريخ الإسلام، وفيات [٦١ - ٧٠].
(٣) للصلاح والولاية شروط صنفها الشوكاني فقال في كتاب قطر الولي على حديث الولي [ص ٣٧]: ليس لمنكر أن ينكر على أولياء اللَّه ما يقع منهم من المكاشفات الصادفة الموافقة للواقع، فهذا باب قد فتحه رسول اللَّه ﷺ-كما ثبت في الصحيحين [البخاري (٣٦٨٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣)] عنه ﷺ قال: "قد كان في الأمم قبلكلم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر منهم"، ثم قال الشوكاني: حق على الولي إن بلغ في الولاية إلى أعلى مقام وأرفع مكان أن يكون مقتديا بالكتاب والسنة وازنا لأفعاله وأقواله بميزان هذه الشريعة المطهرة، واقفا على الحد الذي رسم فيها غير زائغ عنها في شيء من أموره.
[ ١ / ١٥٦ ]
وقلت له: أما الآن يا بني، فقد صلحت لخدمة الملوك، اذهب فقد وهبتك للَّه ﷿ وأنت وديعتي إياه، فودعته وودعها، وشيعته بالدعاء، ثم أنشأت تقول:
جعل الرضا لسباقه ميدانًا … فجرى وأطلق من يديه عنانا (^١)
فتقدم السباق في غسق الدجى … يطوي القفار (^٢) ويطلب الأوطانا
هجر الخلائق والعلائق في الرضا … محبوبه وتجنب الإخوانا
شرب الظمأ حتى تعطش قلبه … فغدا وراح من الظمأ ريّانا
الثانية بعد العشرين: عن ذي النون (^٣) المصري -رحمه اللَّه تعالى- قال: كنت في البادية قاصدًا مكة، فغلبني العطش، فملت إلى حي من بني مخزوم، فرأيت جارية صغيرة حسناء، وهي تترنم بالأشعار، فعجبت منها لصدور ذلك عنها، وهي من جملة الصغار، فقلت لها: يا هذه الجارية، أما فيك حياء؟ فقالت: صه يا ذا النون إني شربت البارحة بكأس الحب مسرورة، فأصبحت اليوم من حب المولى مخمورة، فقلت لها: يا جارية، أراك حكيمة فأوصيني بوصية، فقالت: يا ذا النون عليك بالسكوت والرضا في الدنيا بالقوت حتى تزور في الجنة الحيَّ الذي لا يموت. فقلت لها: هل عندك ماء؟ فقالت: أنا أدلك على الماء، فظننت أنها تدلني على بئر أو عين، فقالت: إن الناس يسقون يوم القيامة على أربع مراتب: فرقة تسقيهم الملائكة، قال اللَّه ﷿: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ (^٤).
وفرقة يسقيهم رضوان خازن الجنة، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ (^٥).
وفرقة يسقيهم المولى ﷿ وهم الخواص من عباده، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (^٦) فلا تعطى بترك الدنيا غير مولاك، حتى يسقيك مولاك في عقباك،
_________________
(١) العنان: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، جمعها: أعنة.
(٢) القفر: الخلاء من الأرض لا ماء فيه ولا ناس ولا كلأ، ويقال: دار قفر، وجمعها: قِفار.
(٣) من أقوال ذي النون: الاستغفار اسم جامع لمعان كثيرة، أولهن: الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك الرجوع، والثالث: أداء كل فرض ضيعته فيما بينك وبين اللَّه، والرابع: رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها، والخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام، والسادس: إذاقة البدن ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية.
(٤) سورة الصافات [٤٦].
(٥) سورة المطففين [٢٧].
(٦) سورة الإنسان [٢١]. أي طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄ أنه قال: "إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هنالك عينين فكأنما ألهموا ذلك، فشربوا من إحداهما، فأذهب اللَّه ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم". تفسير ابن كثير [٤/ ٤٥٦].
[ ١ / ١٥٧ ]
ولعل -واللَّه أعلم- بالفرقة الرابعة يسقيهم الولدان، قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ (^١).
الحكاية الثالثة بعد العشرين: روي أنه اجتاز بعض الأمراء على باب الشيخ حاتم الأصم (^٢) -رحمة اللَّه عليه- فاستقى ماء، فلما شرب رمى إليهم شيئًا من المال، ووافقه أصحابه، ففرح أهل الدار سوى بنت صغيرة لحاتم فإنها بكت، فقيل لها: ما يبكيك؟ فقالت: نظر إلينا مخلوق فاستغنينا، فكيف لو نظر إلينا الخالق؟ (^٣)
الحكاية الرابعة بعد العشرين: عن أبي كثير، عن أبي هريرة ﵄ أنه قال: ما خلق اللَّه مؤمنًا يسمع بي ولا رآني إلا أحبني. قلت: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام، فأسمعتني في رسول اللَّه ﷺ ما أكره، فذكرت ذلك له وقلت: ادع اللَّه أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول اللَّه ﷺ: "اللهم اهد أم أبي هريرة" (^٤) فخرجت أبشرها بدعاء رسول اللَّه ﷺ فلما أتيت الباب إذا هو مجاف، فسمعت خضخضة الماء، فسمعت أمي خشخشة رجلي فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب، وقد لبست درعها، وعجلت عن خمارها، فقالت: إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله (^٥)، فخرجت
_________________
(١) سورة الواقعة [١٧، ١٨].
(٢) حاتم الأصم أبو عبد الرحمن البلخي الزاهد الناطق بالحكمة، له كلام عجيب في الزهد والوعظ، وكان يقال له: لقمان هذه الأمة، وكان قد صحب شقيقًا البلخي وتأدب بآدابه، قال السلمي: هو حاتم بن عنوان، ويقال ابن يوسف، ويقال حاتم بن عنوان بن يوسف، روى عن شقيق البلخي وسعيد بن عبد اللَّه الماهاني، روى عنه: عبد اللَّه بن سهل الرازي وأحمد بن خضرويه البلخي الزاهد، ومحمد بن فارس البلخي، توفي سنة سبع وثلاثين ومائتين. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٣١ - ٢٤٠].
(٣) قال أبو تراب: سمعت حاتما الأصم يقول: لي أربع نسوة، وتسعة أولاد، ما طمع شيطان أن يوسوس لي في شيء من أرزاقهم، وقال: المؤمن لا يغيب عن خمسة أشياء: عن اللَّه، والقضاء، والرزق، والموت، والشيطان. انظر تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [٢٣١ - ٢٤٠].
(٤) قال أبو هريرة: "نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، وكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدوا إذا ركبوا، فزوجنيها اللَّه، فالحمد للَّه الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا.
(٥) قال النووي: إذا أراد الكافر الإسلام بادر به ولا يؤخره للاغتسال، ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره بل يبادر به، ثم يغتسل، ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في الشرك، سواء كان اغتسل منها أم لا، وقال بعض أصحابنا: إن كان اغتسل أجزأه وإلا وجب، وقال بعض أصحابنا وبعض المالكية: لا غسل عليه ويسقط حكم الجنابة بالإسلام كما تسقط الذنوب، وضعفوا هذا بالوضوء، فإنه يلزمه بالإجماع ولا يقال يسقط أثر الحدث بالإسلام، هذا كله إذا =
[ ١ / ١٥٨ ]
إلى رسول اللَّه ﷺ فبكيت من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: يا رسول اللَّه أبشرك، فقد استجاب اللَّه دعاءك، وقد هدى أم أبي هريرة فادع اللَّه أن يحببني إلى عباده المؤمنين، فقال: "اللهم حبب عبدك هذا إلى عبادك المؤمنين" فما خلق اللَّه مؤمنًا يسمع بي ولا يراني إلا يحبني (^١).
الحكاية الخامس بعد العشرين: عن ربيعة بن عثمان، وقدامة -رحمهما اللَّه- قالا: لا نعلم قرشية خرجت من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلا أم كلثوم (^٢)؛ قالت: كنت أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي، فأقيم بها الثلاث والأربع، ثم أرجع إلى أهلي فلا ينكرون ذهابي في البادية حتى جمعت في السير، فخرجت يومًا من مكة، كأنني أريد البادية، فلقيت رجلا من خزاعة، فلما ذكر خزاعة (^٣) اطمأننت؛ لدخول خزاعة في عهد رسول اللَّه ﷺ وعقده، فقلت: إني امرأة من قريش، فإني أريد اللحوق برسول اللَّه ﷺ ولا علم لي بالطريق، فقال: أنا صاحبك حتى أدلك على المدينة، ثم جاءني ببعير فركبته، وكان يقود لي البعير فواللَّه ما كلمني بكلمة، فإذا أناخ البعير تنحى عني، فإذا نزلت جاء إلى البعير قيده بالشجرة، ثم تنحى إلى شجرة، حتى إذا
_________________
(١) = كان أجنب في الكفر، أما إذا لم يجنب أصلًا، ثم أسلم فالغسل مستحب له وليس بواجب، هذا مذهبنا ومذهب مالك وآخرين. وقال أحمد وآخرون: يلزمه الغسل. النووي في شرح مسلم [١٢/ ٧٦] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [١٥٨ - (٢٤٩١)]: كتاب فضائل الصحابة [٣٥] باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵄، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢١)، وأحمد في مسنده (٢٠/ ٣٢)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٦٢٠٤)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٠٥).
(٣) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموية، أسلمت قديمًا، وهي أخت عثمان لأمه، صحابية لها أحاديث، ماتت في خلافة علي ﵄، وأخرج لها البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. ترجمتها: تهذيب التهذيب [١٢/ ٤٧٧]، تقريب التهذيب [٢/ ٦٢٤]، تاريخ الإسلام، وفيات [٣١/ ٤٠].
(٤) لما كان صلح الحديبية بين رسول اللَّه ﷺ وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول اللَّه ﷺ وشرط لهم أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول اللَّه ﷺ وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول اللَّه ﷺ مؤمنها وكافرها، فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل أحد بني بكر، وأرادوا أن يصيبوا ثأرًا من خزاعة، وأمدتهم قريش بالسلاح، وخرج نوفل بن معاوية الديلي في قومه إلى خزاعة فاقتتلوا وحازوا خزاعة إلى الحرم، فقال قوم نوفل بن معاوية الديلي: اتق إلهك ولا تستحل الحرم، فقال: لا إله لي اليوم، واللَّه يا بني كنانة إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم؟ فقتلوا رجلا من خزاعة، ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ودار رافع مولى خزاعة، فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة كان ذلك نقضًا للهدنة، وكان ما كان من فتح مكة.
[ ١ / ١٥٩ ]
كان الرواح خرج بالبعير فقرَّبه إليّ وولى عني، فإذا ركبت أخذ برأسه، ولم يلتفت وراءه حتى أنزل، فلم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة، فجزاه اللَّه من صاحب خيرًا، فدخلت على أم سلمة وأنا متنقبة، فما عرفتني حتى انتسبت، فلما كشفت النقاب التزمتني، وقالت: هاجرت إلى رسول اللَّه ﷺ، قلت: نعم، وإني أخاف أن يردني كما رد أبا جندل (^١) وحال الرجال ليس كحال النساء، وقد طالت غيبتي عن قومي، ولي خمسة أيام منذ فارقتهم، وهم يتحينون قدر ما كنت أغيب، ثم يطلبوني، فإن لم يجدوني رحلوا، فدخل رسول اللَّه ﷺ على أم سلمة فأخبرته خبر أم كلثوم، فرحب بها، فقالت: إني فررت إليك بديني، فامنعني ولا تردني إليهم يفتنوني ويعذبوني، ولا صبر لي على العذاب، إنما أنا امرأة، وضعف النساء إلى ما تعرف، فقال: "إن اللَّه ﷿ قد نقض العهد في النساء، وحكم بحكم رضوه كلهم" (^٢) وكان النبي ﷺ لا يرد النساء، فقدم أخوها الوليد وعمارة من الغد فقالا: أوف لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه، فقال: "قد نقض اللَّه ذلك" فانصرفا، وكانت أم كلثوم عاتقًا حينئذ، فتزوجها زيد بن حارثة، فلما قتل عنها تزوجها الزبير، فولدت له زينب، ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف (^٣) فولدت له إبراهيم وحميدًا، ثم تزوجها عمرو بن العاص، فماتت عنده.
الحكاية السادسة بعد العشرين: عن الحسن البصري -رحم اللَّه تعالى- قال: كانت امرأة بغيّ في زمن بني إسرائيل لها ثلث الحُسن لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، وإنه أبصرها عابد فأعجبته، فذهب يعمل بيده، وعالج حتى جمع مائة دينار،
_________________
(١) أبو جندل بن سهيل بن عمرو، اسمه العاص من خيار الصحابة، وهو الذي جاء يوم صلح الحديبية يرسف في قيوده، وكان أبوه قيده لما أسلم، فقال أبوه للنبي ﷺ: هذا أول ما أقاضيك عيه أن ترده، فرده. له صحبة وجهاد، توفي بطاعون عمواس، وقتل أخوه عبد اللَّه يوم اليمامة، وكان بدريًا. تاريخ الإسلام، وفيات سنة [١٨].
(٢) كان ذلك كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قال ابن عباس: لما سئل على امتحان رسول اللَّه ﷺ النساء، قال: "كان يمتحنهن: باللَّه ما خرجت من بغض زوج؟ وباللَّه ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض؟ وباللَّه ما خرجت التماس دنيا؟ وباللَّه ما خرجت إلا حبًا للَّه ولرسوله؟.
(٣) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، أبو محمد القرشي الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وكان مولده بعد الفيل بعشر سنين، وتوفي سنة [٣٢].
[ ١ / ١٦٠ ]
ثم جاء إليها وقال: إنك أعجبتيني، فانطلقت فعملت بيدي وعالجت (^١) حتى جمعت مائة دينار، فقالت له: ادخل، وكان لها سريرًا من ذهب فجلست على سريرها ثم قالت: هلم، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة، ذكر مقامه بين يدي اللَّه -تعالى- فأخذته رعدة فقال لها: اتركيني أخرج ولك المائة دينار، فقالت: ما بدا لك، وقد زعمت أني أعجبتك، فلم قدمت على فعلك الذي فعلت؟ فقال: فرقا من اللَّه، ومن مقامي بين يديه، وقد بغضك اللَّه إليّ، فأنت أبغض الناس إليَّ (^٢) قالت: إن كنت صادقًا فمالي زوج غيرك، فقال: دعيني أخرج، قالت: لا إلا أن تجعل لي أنك تتزوج بي، قال: فلعل تقنع بتوبة، وخرج إلى بلده فارتحلت نادمة على ما كان منها، حتى قدمت بلده، فسألت عن اسمه ومنزله، فدُلَّت عليه، وكانت تُعرف بالملكة، فقيل له: إن الملكة قد جاءتك، فلما رآها شهق شهقة فمات ﵀ قال: فسقط في يدها وقالت: أما هذا فقد فاتني، فهل له من قريب؟ قالوا: أخوه رجل فقير، قالت: وأنا أتزوج به حبًا لأخيه، فتزوجته، فنسل اللَّه منهما سبعة أبناء.
الحكاية السابعة بعد العشرين: عن رجاء بن عمرو النخعي قال: كان في الكوفة فتى جميل الوجه، شديد التعبد والاجتهاد، وكان أحد الزهاد فنزل في جوار قوم من النخع، فنظر إلى جارية جميلة فهويها، فهام بها عقله، ونزل بها مثل الذي نزل به، فأرسل يخطبها من أبيها، فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عمها، فاشتد عليهما ما يقاسيان من ألم الهوى، فأرسلت إليه: قد بلغني شىرة محبتك لي، وقد اشتد بلائي بك (^٣) فإن شئت زرتك، وإن شئت سهلت لك إلى أن تأتيني إلى منزلي، فقال للرسول: لا واحدة من هاتين الخصلتين ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^٤).
_________________
(١) عالج الشيء معالجة: زاوله ومارسه.
(٢) قال تعالى في قصة يوسف. ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] كذا يفعل اللَّه بعباده الطائعين المجتنبين للمعاصي والمطهرين المختارين المصطفين الأخيار من صفوة خلقه، وعلى رأسهم الأنبياء ثم الأولياء والصالحون.
(٣) في السبعة الذين يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما ورد في صحيح مسلم [٩١ - (١٠٣١)] كتاب الزكاة، [٣٠] باب فضل إخفاء الصدقة، عن أبي هريرة، وفيه عنه ﷺ: "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه".
(٤) سورة الأنعام [١٥]، يونس [١٥]، الزمر [١٣]. وقال النووي في حديث السبعة المتقدم قبل هذا: قال القاضي: يحتمل قوله أخاف اللَّه باللسان، ويحتمل قوله في قلبه ليزجر نفسه، وخص ذات المنصب والجمال لكثرة الرغبة فيها، وعسر حصولها وهي جامعة للمنصب والجمال لا سيما، وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك، قد =
[ ١ / ١٦١ ]
أخاف نارًا لا يخبو سعيرها، ولا يخمد لهبها، فلما انصرف الرسول إليها وأخبرها بما قال قالت: وأراه مع ذلك زاهدًا يخاف اللَّه، فقالت: واللَّه ما أحد أحق بهذا الأمر مني، وإن العباد فيه لمشتركون، ثم انخلعت من الدنيا، وألقت علائقها خلف ظهرها، ولبست المسوح وجعلت تتعبد، وهي مع ذلك تذوب وتنحل وتزداد حبًا للفتى وأسفًا عليه حتى ماتت، فكان الفتى يأتي إلى قبرها، فرآها في منامه، وكأنها في أحسن منظر، فقال: كيف أنت وما لقيتي؟ قالت: المحبة يا أخي محبتك حبًا يقود إلى خير وإحسان، فقال لها: على إثر ذلك إلام صرت؟ قالت: إلى نعيم وعيش لا زوال له في جنة الخلد مُلك ليس بالفاني، فقال لها: أذكرتيني هناك، فإني لست أنساك؟ فقالت: ولا أنا واللَّه أنساك، ولقد سألت ربي مولاي ومولاك فأعني على ذلك بالاجتهاد، ثم ولت مدبرة، فقال لها: متى أراك؟ قالت: ستأتينا عن قريب، ولم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال.
الحكاية الثامنة بعد العشربن: عن بعض السلف -رحمة اللَّه عليه- قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا لرجل جاء به إلى السوق يبيعه، فكان لقمان كلما جاء إنسان يشتريه قال له: ما تصنع بي؟ فإذا قال: أصنع بك كذا وكذا وكذا، قال: حاجتي إليك أن لا تشتريني حتى جاء رجل فقال لقمان: (^١) ما تصنع بي؟ قال: أصيرك بوابًا على بابي، قال: فاشترني، فاشتراه وجاء به إلى داره، وكان له ثلاث بنات يبغين في القرية، فأراد أن يخرج إلى ضيعة له، فقال له: إني أدخلت إليهن طعاما وما يحتجن إليه، فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أجئ، فلما خرج فعل ما أمره به مولاه، فقال له البنات: افتح الباب، فأبى عليهن، فشججنه، فغسل الدم وجلس، فلما قدم سيده لم يخبره بشيء، ثم أراد سيده الخروج أيضًا فقال: إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه، فلا تفتح الباب، فلما خرج سيده خرجن إليه، وقلن له: افتح الباب فأبى، فشججنه، فغسل الدم وجلس، فلما أن جاء مولاه لم يخبره
_________________
(١) = أغنت عن مشاق التوصل إلى مراودة ونحوها، فالصبر عنها لخوف اللَّه -تعالى- وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب والجمال - من أكمل المراتب وأعظم الطاعات. النووي في شرح مسلم [٧/ ١٠٩] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) اختلف السلف في لقمان؛ هل كان نبيًا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة على قولين: الأكثرون على الثاني، وقال سفيان الثوري عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا"، وقال قتادة: عن عبد اللَّه بن الزبير، قلت لجابر بن عبد اللَّه: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس الأنف من النوبة، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر ذو مشافر، أعطاه اللَّه الحكمة ومنعه النبوة. تفسير ابن كثير [٣/ ٤٥٨، ٤٥٩].
[ ١ / ١٦٢ ]
بشيء، فقالت الكبيرة منهن: ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة اللَّه مني، واللَّه لأتوبن، فتابت، فقالت الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشي، وهذه الكبرى أولى بطاعة اللَّه مني، واللَّه لأتوبن (^١) فتابت، فقالت الوسطى: ما بال هذا العبد الحبشي وهاتين أولى بطاعة اللَّه مني، فتابت، فقالت غواة القرية: ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة اللَّه منا، واللَّه لنتوبن، فتاب الجميع وصاروا عبَّاد القرية.
الحكاية التاسعة بعد العشرين: عن بعضهم قال: كنا نمشي على شاطئ الإيلة في الليل والقمر طالع، فمررنا بقصر لجندي، وفيه جارية تضرب بالعود، وإلى جانب القصر فقير عليه خرقتان، فسمع الجارية وهي تقول:
في سبيل اللَّه ود … كان مني إليك يبذل
كل يوم تتلون … غير هذا بك أجمل
فصاح الفقير وقال: اعبديه يا جارية، فهذا حالي مع اللَّه -تعالى- فنظر صاحب الجارية إليه وقال لها: اتركي العود وأقبلي عليه فإنه صوفي، فأخذت تقول والفقير يقول: هذا حالي مع اللَّه -تعالى- والجارية تردد إلى أن صاح الفقير صيحة وخرّ مغشيًا عليه، فحركناه فإذا هو ميت، فنزل صاحب القصر، فأدخله القصر فاغتممنا وقلنا: هذا يكفنه بكفن غير طيب، فصعد الجندي وكسر كل ما كان بين يديه، فقلنا: ما بعد هذا الأخير، ومضينا إلى الإيلة، وأعلمنا الناس.
فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر، فإذا الناس يقبلون من كل وجه إلى الجنازة، كأنما نودي للبصرة حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم، والجندي يمشي خلف الجنازة حافيا حاسرًا حتى دفن، فلما هم الناس بالانصراف، قال الجندي للقاضي والشهود: اشهدوا أن كل جارية لي حرة لوجه اللَّه -تعالى- وكل ضياعي وعقاراتي في سبيل اللَّه، ولي في صندوق كذا وكذا أربعة الآف دينار، وهي في سبيل اللَّه (^٢) ثم
_________________
(١) للتوبة ثلاثة أركان: الإقلاع، والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على أن لا يعود إليها أبدًا، فإن كانت المعصية لحق آدمي فلها ركن رابع وهو: التحلل من صاحب ذلك الحق، وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٥٠] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) الهبة: كل ما من شأنه أن يقرب من قلوب الناس ويغرس فيها المحبة ويؤكد فيها روابط الود، مطلوب في نظر الشريعة الإسلامية، ويتفاوت طلبه بتفاوت حاجة الناس إليه، فما كان لازمًا ضروريًا لحياتهم كان القيام به فرضًا لازمًا على كل فرد من الأفراد كزكاة الأموال التي فرضها اللَّه -تعالى- بقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] لأن مما لا بد =
[ ١ / ١٦٣ ]
نزع الثوب الذي كان عليه فرمى به، وبقي في سراويله، فأعطي ثوبين اتزر بواحد واتشح بالآخر، وهام على وجهه، فكان بكاء الناس عليه أكثر من بكائهم على الميت.
الحكاية الثلاثون: عن أبي هاشم -رحمة اللَّه عليه- قال: أردت البصرة، فجئت إلى سفينة أكتريها (^١) وفيها رجل ومعه جارية، فقال الرجل: ليس هاهنا موضع، فسألته الجارية أن يحملني ففعل، فلما سرنا دعا الرجل بالغداء فوضع، فقال: ادع ذلك المسكين ليتغذى معنا، فجئت على أني مسكين، فلما تغدينا قال: يا جارية، هاتي شرابك، فشرب وأمرها أن تسقيني فقلت: يرحمك اللَّه، إن للضيف حقًا، فتركني، فلما دب فيه النبيذ قال: يا جارية، هاتي عودك، وهاتي ما عندك، فأخذت العود وغنت وهي تقول:
وكنا كغصني بانة (^٢) ليس واحد … تزول على الحالات عن رأي واحد
تبدل بي خلًّا فخاللت غيره … وخليته لما رأيت تباعدي
فلو أن كفي لم تردني أبنتها … فلم تصحبنها بعد ذلك ساعدي
ألا قبح الرحمن كل ممازق … بكون أخا في الخفض لا في الشدائد
فالتفت الرجل إلى وقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: أحسن خيرًا منه، فقرأت ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ (^٣) فجعل الشيخ يبكي، فلما انتهيت إلى قوله تعالى ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ (^٤) قال: يا جارية: اذهبي فأنت حرة لوجه اللَّه، وألقى ما معه من الشراب في الماء، ثم عاد إلى فاعتنقني وقال: يا أخي، أترى أن اللَّه يقبل توبتي؟ (^٥) فقلت له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
_________________
(١) = منه في هذه الحياة الدنيا، أن يوجد أفراد بين الناس عاجزون عن سلوك سبيل الحياة وتحصيل الضروري من القوت، فمن المفروض إنقاذ هؤلاء وإعطاؤهم ما يدفع عنهم غائلة الجوع والعري. الفقه على المذاهب الأربعة [٣/ ٢٦٧].
(٢) اكترى الدار: استأجرها، وأكرى الدار أو الدابة آجرها، والكراء: أجر المستأجر.
(٣) البان: ضرب من الشجر سبط القوام لين ورقه كورق الصفصاف، واحدته: بانة، وتشبه به الحسان في الطول واللين.
(٤) سورة التكوير [١ - ٣].
(٥) سورة التكوير [١٠].
(٦) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] الآية، وقال تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].
[ ١ / ١٦٤ ]
الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (^١) ثم آخيته، فاصطحبنا بعد ذلك أربعين سنة حتى مات، فرأيته في المنام فقلت: إلام صرت؟ قال: إلى الجنة، قلت: بماذا؟ قال: بقرائتك عليّ ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾.
وأنشدوا:
بادر الى التوبة الخلصاء مجتهدًا … فالموت ويحك لم يمدد إليك يدًا
فإنما المرء في الدنيا على خطر … إن لم يكن ميتا اليوم مات غدًا
الحادية بعد الثلاثين: عن إسماعيل بن عبد اللَّه الخزاعي ﵀ قال: قدم رجل من المهابة من البصرة أيام البرامكة (^٢) في حوائج له، فلما فرغ منها انحدر إلى البصرة ومعه غلام له وجارية، فلما صار في دجلة إذا بفتى على ساحل دجلة عليه جبة صوف، وبيده عكاز ومزود، فسأل الملاح أن يحمله إلى البصرة، ويأخذ من الكرى، فأشرف المهلبي، فلما رآه رق له فقال للملاح: قَرِّب واحمله معك على الظلال (^٣)، فحمله فلما كان وقت الغداء، دعا بالسفرة وقال للملاح: قل للفتى يتغدى معنا، فأبى عليه، فلم يزل يطلبه حتى أتى، فأكلوا حتى إذا فرغوا ذهب الفتى ليقوم فمنعه الرجل، ثم دعا بشراب فشرب قدحًا، ثم سقى الجارية، ثم عرض على الفتى فأبى، فسقى الجارية وقال: هاتي ما عندك، فأخرجت جمودًا لها في غشاء فهيأته وأصلحته، ثم غنت، فقال: يا فتى، أتحسبن مثل هذا؟ قال: أُحسن ما هو أحسن من هذا، فافتتح الفتى: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (^٤) (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (^٥) وكان الفتى
_________________
(١) سورة البقرة [٢٢٢].
(٢) كان سبب هلاك البرامكة أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، قال: وكان يحضرها مجلس الشراب فقال: أزوجكها على أن لا تمسها، فكانا يثملان من الشراب وهما شابان ويقوم الرشيد، فوثب جعفر عليها فولدت منه غلامًا، فخافت الرشيد، فوجهت بالطفل مع حواضن إلى مكة واختفى الأمر، ثم ضربت جارية لها، فوشت بها إلى الرشيد، ثم كان ما كان من قتل جعفر وسائر البرامكة. انظر تاريخ الإسلام، وفيات [١٨١ - ١٩٠].
(٣) كذا بالأصل.
(٤) الفتيل: الخيط الذي في شق النواة، يقال: ما أغنى عنه فتيلًا أي شيئًا.
(٥) سورة النساء [٧٧، ٧٨]. أي آخرة المتقي خير من دنياه ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] أي من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء، وهذه تسلية لهم عن الدنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد، وقوله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] أي أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم كما قال تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦] الآية، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، =
[ ١ / ١٦٥ ]
حسن الصوت، فرمى الرجل بالقدح في الماء، وقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت، فهل غير هذا؟ قال: نعم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ (^١).
فوقعت من قلبه موقعًا، فرمى ظرف الشراب بما فيه، وكسر العود، ثم قال: يا فتى ههنا فرج؟ قال: نعم ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ (^٢) فصاح صيحة وخر مغشيا عليه، فنظروا إليه فإذا هو فارق الدنيا، وكان رجلا معروفًا، فحمل إلى منزله واجتمع الناس، فما رأيت جنازة أكثر جمعًا منه.
قال: وبلغني أن الجارية المغنية تدرعت الشعر فوق الصوف، وجعلت تصوم النهار وتقوم الليل، فمكثت أربعين ليلة، ثم مرت بهذه الآية في بعض الليالي (^٣) ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ (^٤) فلما كان الصبح وجدوها ميتة.
الثانية بعد الثلاثين: عن مالك بن دينار -رحمة اللَّه عليه- أنه كان يومًا ماشيًا في أزقة البصرة، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم، فلما رأى
_________________
(١) = وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد فإن له أجلًا محتومًا ومقامًا مقسومًا. تفسير ابن كثير [١/ ٥٢٦].
(٢) سورة الكهف [٢٩].
(٣) سورة الزمر [٥٣]. هذه الآيات دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن اللَّه ﵎ يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. تفسير ابن كثير [٤/ ٥٨].
(٤) يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي أرصدنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ وهم الكافرون باللَّه ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي سورها ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ قال ابن عباس: المهل الماء الغليظ مثل دردي الزيت. تفسير ابن كثير [٣/ ٨٣، ٨٤].
(٥) سورة الكهف [٢٩].
[ ١ / ١٦٦ ]
مالك نادى: أيتها الجارية، أيبيعك مولاك؟ قالت: ولو باعني، كان مثلك يشتريني؟ قال: نعم وخيرًا منك؟ فضحكت، وأمرت به أن يحمل به إلى دارها، فحُمل، فدخلت إلى مولاها فأخبرته، فضحك وأمر أن يدخل به إليه، فأُدخل فأُلقيت له الهيبة في قلب السيد قال: ما حاجتك؟ قال: بعتي جاريتك، قال: أو تطيق ثمنها؟ قال: فثمنها عندي نواتان مسوستان، فضحكوا، قال: كيف ثمنها عندك هذا؟ قال: لكثرة عيوبها، قال: وما عيوبها؟ قال: إن لم تتعطر زفرت، وإن تستك (نجرت) (^١)، وإن لم تمتشط وتدهن قملت وتشعَّثت، وإن تعمد عن قليل هرمت، ذات حيض وبول وأقذار، وحزن وغم وأكدار، ولعلها لا تودك إلا نفسها، ولا تحبك إلا لنعيمهما، لا تفي بعهدك، ولا تصدق في وعدك، ولا تخلف عليها أحد بعدك إلا رأته مثلك، وأنا آخذ بدون ما سألتك في جاريتك من الثمن جارية خلقت من الكافور، ومن المسك والجوهر والنور، لو مزج بريقها أجاج لطاب، ولو دعي بكلامها ميت لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه وكسفت (^٢) ولو بدا في الظلماء لأنارت به وأشرقت، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطرت بها وتزخرفت، نشأت بين رياض المسك والزعفران، وقضبان الياقوت والمرجان، وقصرت في خيام النعيم (^٣) وغُذيت بماء التسنيم، لا يخلف وعدها، ولا يبدل وُدُّها، فأيهما أحق بدفع الثمن؟ قال: التي وصفتَ، قال: فإنها الموجودة الثمن، القريبة الخطب في كل زمن، قال: فما ثمنها - رحمك اللَّه؟
قال: اليسير المبذول، الخطير المأمول، أن تتفرغ ساعة في ليلك، تصلي ركعتين تُخلصهما لربك، وأن يوضع طعامك، فتذكر جائعك فتؤثر اللَّه ﷿ على شهوتك، وأن ترفع حجرًا أو قذرًا عن الطريق (^٤)، وأن تقطع أيامك بالبلغة والقلة،
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) روى البخاري في صحيحه [٢٧٩٦] كتاب الجهاد والسير، [٦] باب الحور العين وصفتهن، عن أنس بن مالك مرفوعًا وفيه: "ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحًا، ولنصيفها -يعني خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها".
(٣) في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]، وقال هناك: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] ولا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصرت وإن كان الجميع مخدرات، وقوله: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]، فروى البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون" تفسير ابن كثير [٤/ ٢٨٠].
(٤) روى مسلم في صحيحه [٥٨ - (٣٥)] كتاب الإيمان، [١٢] باب بيان عدد شعب الإيمان =
[ ١ / ١٦٧ ]
وترفع همك عن دار الغرور والغفلة، فتعيش في الدنيا بعز القناعة، وتأتي إلى موقف الكرامة آمنًا غدًا، وتنزل في الجنة دار النعيم في جوار المولى الكريم مخلدًا (^١) فقال الرجل: يا جارية، أسمعت ما قال شيخنا هذا؟ قال: نعم، قال: أفصدق أم كذب؟ قالت: بل صدق وبرّ ونصح، قال: فأنت إذن حرة للَّه -تعالى- وضيعة كذا وكذا صدقة عليك، وأنتم أيها الخدام أحرار، وضيعة كذا وكذا وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل اللَّه، ثم مدَّ يده إلى ستر خيش كان على بعض أبوابه فاجتذبه، وخلع جميع ما كان عليه، واستتر بالستر، فقال الجارية: لا عيش لي بعدك يا مولاي، فرمت بكسوتها، ولبست ثوبًا خشنًا، وخرجت معه، فودعهما مالك بن دينار ودعا لهما، وأخذا طريقًا غيره، فتعبدا جميعًا حتى جاء الموت، فنقلهما على حال العبادة - رحمة اللَّه عليهما.
الثالثة بعد الثلاثين: عن بعض أهل العلم قال: كانت تختلف إليّ في بعض الأحيان جارية لها وضاءة، وعليها خفارة (^٢) فتسألني عن شرائع الإسىلام وأمور الدين، وأجيبها وألطف بها، وكان حالها يميل إلى السر والكتمان (^٣)، وكان يعجبني
_________________
(١) = وأفضلها وأدناها، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" قال النووي: قوله ﷺ: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" أي تنحيته وإبعاده، والمراد بالأذى كل ما يؤذي من حجر أو مدر أو شوك أو غيره. انظر شرح مسلم [٢/ ٦] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) في حديث مسلم [٤٠ - (٢٨٤٩)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، عن أبي سعيد مرفوعًا: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح. . . . الحديث" إلى أن قال: "فيؤمر به فيذبح" قال: "ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. . . . الحديث"، قال النووي: قال المازري: الموت عند أهل السنة عرض يضاد الحياة، وقال بعض المعتزلة: ليس بعرض بل معناه عدم الحياة، وهذا خطأ لقوله تعالى: "خلق الموت والحياة" فأثبت الموت مخلوقًا، وعلى المذهبين ليس الموت بجسم في صورة كبش أو غيره، فيتأول الحديث على أن اللَّه يخلق هذا الجسم، ثم يذبح مثالًا لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة. النووي في شرح مسلم [١٧/ ١٥٣] طبعة دار الكتب العلمية.
(٣) خفرت المرأة خفرًا: اشتد حياؤها، فهي خفرة.
(٤) فيما روى من حديث: "سبعة يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وفيه "ورجل ذكر اللَّه -تعالى- خاليًا ففاضت عيناه" وفيه فضيلة البكاء من خشية اللَّه -تعالى- وفضل طاعة السر لكمال الإخلاص فيها، انظر الحديث في مسلم [٩١ - (١٠٣١)] كتاب الزكاة، [٣٠] باب فضل إخفاء الصدقة، عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٦٨ ]
سمتها وحالها، فبينما أنا بعد مدة مارًا بالسوق، إذ رأيت الجارية وقد قبض على يدها إنسان وهو ينادي عليها: من يشتري هذه الجارية بعيبها، فقلت لها: ألست التي كنت تسأليني عن أمور وشرائع الإسلام؟ فأطرقت، فبينما أنا أتكلم معها إذا بسيدها قد أقبل، فتقدمت إليه وقلت له: صف صفة جاريتك، واذكر لي ما الذي تكره منها، فقال: أخبر الشيخ أن البعيد مجوسي (^١) يعبد النار والنور، وكنت قد استحسنت هذه الجارية لما رأيت من جمالها وعقلها، فاشتريتها بثمن جزيل، وكنت أراها كثيرة العبادة والتعظيم لمعبودنا، محبة طائعة لآلهتنا، وقد كانت ليلة من الليالي، فمر بنا رجل متن أهل ملتكم، وقرأ شيئًا من كتابكم، فما هو إلا أن سمعت ما قرأه، صاحت صيحة فدهشنا، وأنشدت:
طرق السمع يا أهيل المحلى … خير منكم فزاد اشتياقي
حكم النقل قد روته ثقات … مسند بالدواة والاتفاق
عندما شمت بارقًا من حماكم … حن قلبي إلى لذيذ التلاقي
وكتمت الوشاة ما بي من الوجد … ومن لوعتي واحتراقي
أنا أفنى بكم وتبلى عظامي … ورسل الغرام في القلب باقي
قال: فدهشنا وهي باهتة نسألها، فلا ترد جوابًا، إلا أنها تركت عبادة آلهتنا، وأبت أن تأكل طعامنا، وإذا جن عليها الليل صلَّت إلى قبلتكم، وكم نهيناها فلم تنته، وقد ذهبت نضارتها وغيرت حالتها، ولم يحصل لنا بها انتفاع، ولم نستطع أن نردها عن ما هي عليه، وقد عزمت على بيعها، قال: فقلت لها: الأمر كذلك؟ فأشارت برأسها: نعم، فقلت في نفسي: إنما عابها من جهلها، فأنشدت:
يعيبون ما لو أنهم فطنوا به … لكانوا أشذ الناس جيئًا لما عابوا
فقلت لها: أي آية قرئت عليك؟ قالت: قول ربك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ (^٢) الآية، فمنذ سمعتها عزمت (صبري) (^٣) وظهر لي ما ترى من أمري، وأنشدت:
ما بين منعرج اللوى والوادي … يا صاحبي ضحى عدمت فؤادي
ورجعت ذو وله وكم من عاشق … مقتول عشق ما له من فادي
يا أهل نجد ارحموا ذا لوعة … ما بين أطناب الخيام ينادي
_________________
(١) المجوس: عقيدتهم في تقديس الكواكب والنار.
(٢) سورة الذاريات [٥٠].
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٦٩ ]
ولهان لا يصغي لعذل عوازل … ظمآن من ماء التواصل صادي
ما هبت لي منكم نسيم مخبر … بالوصل فيه منايح الإسعادي
ألا سعيت مبادرًا للقاكم … ومنعت عيني من لذيذ رقاذي
وإذا نطقت بذكر غزلان النقا (^١) … أو زينب أو (علوة) (^٢) وسعادي
فلأنتم قصدي وغاية مطلبي … ولأنتم دون الجميع مرادي
لا شيء يشبهكم تعالى ذكركم … عن قول ذي زيغ وذي إلحاد (^٣)
قال: فقلت لها: لو أسمعتك تمام الآيات؟ فقالت: إن كنت تحسنها فاقرأ عليّ، فقرأت عليها حتى انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (^٤).
فقالت: أحسنت، حسبك ما ضمنه الإله المعبود، ثم قلت لسيدها: هل لك أن تقبض ثمنها مني؟ قال: إن ثمنها جزيل،. ولي ابن عم قد تعلق بها وقصدني فيها يريد أن يرجعها عن ما هي عليه من الخاطر الذي قد اعتراها، وهو مجوسي من الملة، قال: فبينما هو يخاطبني، إذ أقبل ابن عمه، فقال: أنا أردّها عما هي عليه، فدفعها إليه، فلمّا علمت بذلك قالت لي: يا شيخ، ألا تسمع كلامه ليكونن لي وله شأن عظيم يطلعك الملك عليه، فلمّا كان بعد مدة، رأيت سيدها المجوسي ذهب بها يصلي معنا في المسجد، فقلت له: ألست سيد الجارية؟ قال: بلى، قلت: كيف كان الخبر؟ قال: خبر خير، مضيت بها إلى منزلي، وخرجت لحاجتي، فلما رجعت وجدتها قد نصبت كرسيًا وجلست عليه، وجعلت تذكر اللَّه وتوحده، وتُحذّر أهلي
_________________
(١) النّقا: الكثيب من الرمال، ونقي الشيء نقاوة ونقاء: نظف، فهو نقي وهي نقية.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) ألحد فلان: عدل عن الحق وأدخل فيه ما ليس منه، وفي الدين: طعن، وفي القرآن الكريم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠].
(٤) سورة الذاريات [٥٦ - ٥٨]. أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا ليعبدون أي إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا، وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي إلا للعبادة، وأنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. تفسير ابن كثير [٤/ ٢٣٨].
[ ١ / ١٧٠ ]
وتنهاهم عن عبادة النار، وتصف لهم الجنة، فخشيت أن تفسد علينا ديننا، فقلت: أخذت هذه الجارية طمعا أن نفسد عليها دينها فإذا هي تفسد علينا ديننا، فقصصت قصتها على صاحب لي وقلت له: ما تشير عليّ أن أفعل؟ قال: أودعها مالًا وخذه من ورائها، واطلبه منها لتثبت عليها الحجة، ثم اضربها، قال: فأودعتها كيسا فيه خمسمائة دينار، فاشتغلت على عادتها في عبادتها، فأخذت الكيس وهي لا تشعر، فطلبته منها، فوثبت إلى الموضع الذي وضعته فيه، فإذا بالكيس في موضعه، فناولتني إياه، فعجبت من ذلك، وقلت في نفسي: أنا أخذت الكيس، وهذا آخر ولا شك بعد العيان، هذا يدل على قدرة إلهها الذي تعبده، فآمنت بإلهها وأسلمت أنا وصاحبي وأهلي كلهم، وأطلقت سبيلها بهما اختارت -رحمها اللَّه تعالى- ما زالت تكتم الغرام حتى أظهر اللَّه حالها للأنام كما أنشد لسان حالها:
كتمت الوشاة (^١) غرامي بكم … وحبكم في حشا أضلعي
وموهت (^٢) عنكم بوادي التقى … وسكان رامة والأجرع
ولولاكم ما ذكرت اللوى … ولا حن قلبي إلى لعلعي (^٣)
الرابعة بعد الثلاثين: عن سبري السقطي (^٤) -رحمه اللَّه تعالى- قال: سهرت ليلة من الليالي، وقلقت قلقًا شديدًا، فلم أطق الغمض، مع ما حرمته من التهجد، فلما صليت الصبح خرجت، لا يقَرّ بي قرار، فوقعت في الجامع أسمع بعض القصص لعلي أجد لقلبي راحة، فوجدت قلبي لا يزداد إلا قساوة، فمضيت، ووقفت ببعض الوعاظ، فوجدت قلبي لا يزداد إلا قساوة، فقلت: أمضي إلى بعض أطباء القلوب، ومن يدل المحبب على المحبوب؟ فمضيت، فوجدت قلبي لا يزداد إلا
_________________
(١) وشى به إلى السلطان: نمَّ به وسعى، فهو واش، وجمعها: وُشَاة.
(٢) موه الشيء: أي طلاه بفضة أو ذهب إذا لم يكن جوهره منهما، وموه الحق: لبسه بالباطل، ويقال موه الحديث زخرفه ومزجه من الحق والباطل، وموه عليه الخبر: أخبره بخلاف ما سأله عنه.
(٣) اللعلعة: بصيص، والسراب: تلألأ، وتلعلع من الجوع والعطش: تضور.
(٤) السري بن المغلس أبو الحسن السقطي البغدادي الزاهد، علم الأولياء في زمانه، صحب معروفًا الكرخي، وحدث عن الفضيل بن عياض وهشيم وأبي بكر بن عياش وعلي بن غراب ويزيد بن هارون. وعنه: أبو العباس بن مسروق والجنيد وغيرهم، قال السلمي: السري أول من أظهر ببغداد لسان التوحيد، وتكلم في علوم الحقائق، وهو إمام البغداديين في الإشارات، وقال الجنيد له في مرض موته: أوصني، قال: لا تصحب الأشرار ولا تشغلن عن اللَّه بمجالسة الأخيار، وقال عنه أيضًا: ما رأيت أعبد للَّه من السري؛ أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رُئي مضطجعًا إلا في علة الموت، توفي سنة [٢٥٧]، وقيل [٥٣]، وقيل [٢٥١]. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٥١ - ٢٦٠].
[ ١ / ١٧١ ]
قساوة، فمضيت إلى الشرطة، لعلي أعتبر بمن يعاقب في الدنيا، فوجدت قلبي لا يزداد إلا قساوة، فقلت: أمضي إلى المارستان لعلي أرتعد وأنزجر بمن ابتلي، فلما ولجت المارستان (^١) وجدت قلبي قد انفسح، وصدري قد انشرح.
وإذا أنا بجارية من أنضر الناس وجهًا، عليها أطمار (^٢) حسنة رفيعة، وشممت منها رائحة عطرة، عفيفة المنظر، وسيمة الخطر (^٣)، وهي مقيدة الرجلين، مغلولة اليدين، فلما رأتني تغرغرت عيناها بالدموع، وأنشأت تقول:
أعندك أن تغل يدي … بغير جريرة سبقت
تغل يدي إلى عنقي … وما خانت وما سرقت
وبين جوانحي كبدًا … حنَّ بها قد احترقت
وحقك يا منى قلبي … يمينا برة صدقت
فلو قطتهما قطعًا … وحقك عنك ما رجعت
قال السري: فلما سمعت كلامها قلت لصاحب المارستان: ما هذه الجارية؟ قال: مملوكة اختل (^٤) عقلها فحبسها مولاها لعلها تنصلح، فلما سمعت كلام القيم تشرَّفت (^٥) بدموعها وجعلت تقول:
معشر الناس ما جننت ولكن … أنا سكرانة وقلبي صاحي
أغللتم يدي ولم آت ذنبا … غير جهدي في حبه وافتضاحي
أنا مفتونة بحب حبيب … لست أبغي من بابه من براحي
فصلاحي الذي زعمتم فسادي … وفسادى الذي زعمتم صلاحي
ما على من أحب مولى الموالي … وارتضاه لنفسه من جناحي
قال: سمعت كلامًا أقلقني وأشجاني (^٦) وأحرفني وأبكاني، فلما رأت دموعي قالت: يا سري هذا بكاؤك على صفته، فكيف لو عرفته حق معرفته؟! ثم أغمي عليها ساعة، فلما أفاقت جعلت تقول:
_________________
(١) المارستان: المصحة أو المستشفى.
(٢) الطمر: الثوب الخلق البالي، جمعها: أطمار.
(٣) الخَطْر: اهتز وتبختر فهو خاطر.
(٤) اختل العقل: تغير واضطرب.
(٥) تشرَّفت: رفعت بصرها تنظر إليه.
(٦) أشجن الأمر فلانًا: أحزنه، والشجن: الهم والحزن، وجمعها: شجون وأشجان.
[ ١ / ١٧٢ ]
ألبستني ثوب وصل طاب ملبسه … فأنت مولى الورى حقًا ومولاي
كانت لقلبي أهواء مفرقة … فاستجمعت مُذْ رأتك العين مولاي
من غصَّ (^١) داوى بشرب الماء غُصَّتَهُ … فكيف يصنع من قد غص بالماء
قلبي حزين على ما فات من زللي … والنفس في جسدي من أعظم الداء
والشوق في خاطري مني وفي كبدي … والحب مني مصون في سويدائي
إليك مني قصدت الباب معتذرًا … فأنت تعلم ما ضمته أحشائي
فقلت لها: يا جارية، قالت: لبيك يا سري، قلت: من أين عرفتيني؟ قالت: ما جهلتك مذ عرفت، ولا فترت مذ خدمت ولا انقطعت مذ وصلت، وأهل الدرجات يعرف بعضهم بعضًا، قلت: أسمعك تذكرين المحبة، فمن تحبين؟ قالت: لمن تعرَّف إلينا بنعمائه، وجاد علينا بجزيل عطائه، فهو قريب إلى القلوب، محب لطلب المحبوب، سميع عليم بديع حكيم، جواد كريم، غقور رحيم، فقلت لها: من حبسك ههنا؟ قالت: يا سيدي حاسدون تعاونوا وتعاقدوا وتراسلوا، ثم شهقت حتى ظننت أنها فارقت الحياة، ثم أفاقت وأنشأت تقول:
قلبي أراه أني إلى الأحباب مرتاحا … سكران في حب من هو بالهوى باحا
يا عين جودي بدمع خوف هجرهم … فربَّ دمع أتى للخير مفتاحًا
ورب عين رآها اللَّه باكية … بالخوف منه تنال الروح والراحا
للَّه عبد جنى ذنبًا فأحزنه … فبات يبكي بدر الدمع سفاحا
مستوحش (^٢) خائف مستيقن فطن … كأن في قلبه للنور مصباحًا
قال السري: فقلت لقيِّم (^٣) المارستان: أطلقها، ففعل، فقلت: اذهبي حيث شئت، قالت: يا سيدي إلى أين أذهب؟ ومالي عنه مذهب، إن حبيب قلبي قد ملَّكني لبعض مماليكه، فإن رضي مالكي ذهبت، وإلا صبرت واحتسبت، فقلت: واللَّه هذه أعقل مني، فبينما هي تخاطبني إذ دخل مولاها فقال للقيم: أين تُحفة؟ فقال: هي داخل المارستان (^٤)، وعندها السري السقطي، قال: ففرح ودخل وسلَّم عليَّ،
_________________
(١) غصَّ: بالماء غصًّا وغصصًا: وقف الماء في حلقه فلم يكد يبتلعه، فهو غاصٌّ وغصَّان، والغُصَّة: ما اعترض في الحلق من طعام أو شراب، جمعها غُصُص.
(٢) استوحش: فلان وجد الوحشة، ومنه لم يأنس به.
(٣) القيِّم: من يقوم بالأمر ويسوسه ومن يتولى أمر المحجور عليه، وكتاب قيِّم: ذو قيمة.
(٤) المارستان: المصحة أو المستشفى.
[ ١ / ١٧٣ ]
ورحب بي وعظمني، فقلت له: هي أولى بالتعظيم مني؛ فما الذي تكره منها؟ فقال: أمور كثيرة: لا تأكل ولا تشرب، ذاهلة (^١) العقل مدهوشة اللب، لا تنام ولا تدعنا ننام، كثيرة الفكرة، سريعة الدمعة، ذات زفرة وحنين وبكاء وأنين، وهي بضاعتي اشتريتها بكل مالي؛ بعشرين ألف درهم، وقلت: أنا أربح فيها مثل ثمنها لحسن صنعتها، قلت: وما صنعتها؟ قال: مطربة، قلت: ومنذ كم كان بها هذا الداء؟ قال: منذ سنة، قلت: وما كان بدؤه؟ قال: بينما العود في حجرها وهي تغني وتقول:
وحقك لا نقضت الدهر عهدا … ولا كدَّرت بعد الصفو ودًّا
ملأت جوانحي (^٢) والقلب وجدا … فكيف ألَذُّ وأسلو وأهدى
فيا من ليس لي مولى سواه … تُرَاكَ رضيتني في الناس عبدا
ثم كسرت العود وقامت وبكت، فاتهمتها بمحبة إنسان، فَكَشَفْتُ عن ذلك فلم أجد له أثرًا، فقلت لها: هكذا كان الحديث، فأجابتني بلسان طلق وقلب محزون وهي تقول:
خاطبني الحق من جناني … فكان وعظي على لساني
قربني منه بعد بُعد … وخصني اللَّه واصطفاني
أجيب لما دعيت طوعًا … ملبيا للذي دعاني
وحققت مما جنيت قدما … فوقع الحب بالأماني
قال السري: فقلت له: على الثمن وأزيدك، فصاح وقال: وافقداه من أين لك ثمن هذه وأنت رجل فقير؟!! فقلت له: لا تعجل عليَّ تكون في المارستان حتى آتي بثمنها، ثم ذهبت باكي العين حزين القلب، وواللَّه ما عندي من ثمنها درهم، وبقيت طول الليل أتضرع، فلم أغمض، وأقول: يا رب إنك تعلم سري وجهري، وقد عودتني على فضلك فلا تفضحني، فبينما أنا في المحراب إذا بقارع يقرع الباب، فقلت: من بالباب؟ فقال: حبيب من الأحباب؟ جاء في سبب من الأسباب، بأمر الملك والوهاب، ففتحت الباب، وإذا برجل معه أربعة غلمان وشمعة، فقال: يا أستاذ تأذن لي بالدخول؟ فقلت: ادخل، فدخل، فقلت له: من أنت؟ قال: أحمد بن المثنى قد أعطاني من إذا أعطى لا يبخل بالعطاء، كنت الليلة نائمًا، فهتف بي هاتف
_________________
(١) ذهل الأمر وعنه ذهلًا وذهولًا: نسيه وغفل عنه، وذهل ذهولًا: تدلَّه وغاب عن رشده، وأذهله الأمر: جعله يذهل.
(٢) الجانحة: الضلع القصيرة مما يلي الصدر، وجمعها جوانح.
[ ١ / ١٧٤ ]
وقال لي: خذ خمس بدرات (^١) إلى السري يطيب بها نفسه، ويشتري بها تحفة، فإن لنا بها عناية، فسجدت شكرًا للَّه على ما أولاني من نعمة، وجعلت أتوقع الفجر، فلما صليت الصبح خرجت وأخذت بيد أحمد ومضيت إلى المارستان، فإذا بالموكل بها يتلفت يمينًا وشمالًا، فلما رآني قال: مرحبًا اُدخل فإن لها عند اللَّه عناية؛ هتف بي البارحة هاتف وهو يقول:
إنها منا تنال … ليس تخلو من نوال
ثم ترقَّت وعلت … في كل حال
قال السري: فلما رأتني تحفة تغرغرت عيناها بالدموع وقالت: شهرتني بين المخلوقين، ثم أنشأت تقول:
قد تصبرت حتى … عيل (^٢) في حبك صبري
ضاق من عليَّ وقيدي … وامتهاني فيك صدري
ليسى يخفى عنك أمري … يا مُنَى سُؤْلي وذُخْري
قال: فبينما نحن جلوس إذ دخل مولاها باكي العين حزين القلب متغير اللون، فقلت له: لا تَبْكِ فقد جئناك بما وزنت، وربح خمسة آلاف، قال: لا واللَّه، قلت: وربح عشرة آلاف، قال: لا واللَّه، قلت: وربح المثل، قال لو أعطيتني الدنيا ما قبلت، هي حرة لوجه اللَّه تعالى، فقلت له: ما القصة؟ فقال: وُبِّختُ (^٣) البارحة، أُشهدك أني قد خرجت من جميع مالي، اللهم ركن لي بالسعة كفيلًا، وبالرزق جميلا، فالتفت إلى ابن المثنى، فرأيته يبكي، قلت: ما يبكيك؟ قال: كأن الحق ما رضيني لمَّا ندبني إليه، أشهدك أني قد تصدقت بجميع ما لي لوجه اللَّه - تعالى.
فقامت تحفة ونزعت ما كان عليها ولبست مِدْرَعةً (^٤) من شعر وهي تبكي، فقلنا لها: قد أطلقك اللَّه فما يبكيك؟ فأنشأت تقول:
هربت منه إليه … بكيت فيه عليه
وحقه فهو سُؤلي … لا زلت بين يديه
ومتى أنال وأحظى … بما رجوت لديه؟
قال: ثم خرجنا من الباب، فلما صرنا في بعض الطريق فطلبناها فلم نجدها،
_________________
(١) البدرة: كيس فيه مقدار من المال يتعامل به ويقدم في العطايا، ويختلف باختلاف العهود، وجمعها: بِدَر.
(٢) عِيلَ صبره: نفد: فهو معول.
(٣) وبَّخه: لامه وعذله.
(٤) الدُّرَّاعة: ثوب من صوف.
[ ١ / ١٧٥ ]
ومات ابن المثنى في الطريق، ودخلت أنا ومولاها مكة، فبينما نحن فى الطواف إذ سمعت كلام مجروح من كبد مقروح وهو يقول:
محب اللَّه في الدنيا سقيم … تطاول سقمه فدواه رآه
سقاه من محبته بكأس … فأرواه المهيمن (^١) إذ سقاه
فهام بحبه وسما إليه … فليس يريد محبوبًا سواه
كذاك من ادعى شوقًا إليه … يهيم بحبه حتى يراه
فتقدمت إليها، فلما رأتني قالت: يا سري، قلت: لبيك، من أنت يرحمك اللَّه؟ قالت: لا إله إلا اللَّه، وقع التناكر بعد المعرفة! أنا تحفة، فإذا هي كالخيال، فقلت: يا تحفة ما الذي أفادك الحق بعد انفرادك عن الخلق؟ فقالت: آنسني بقربه، وأوحشني من غيره، قلت لها: مات ابن المثنى، قالت: ﵀، لقد أعطاه مولاه من الكرامة ما لا عين رأت (^٢) وهو بجواري في الجنة، قلت: جاء مولاك الذي أعتقك معي، فلم يكن بأسرع ما عاينتها تلقاء الكعبة ميتة، فلما رآها سيدها لم يتمالك أن سقط على وجهه، فحركته، فإذا هو قد قضى نحبه، فأخذت في جهازهما ودفنتهما.
_________________
(١) المهيمن: هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وقيامه عليها باطلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مطلع على كنه الأمر مسئول عليه حافظ له فهو مهيمن له. "سلاح المؤمن لابن الإمام" [ص ٢٥٩].
(٢) حديث: قال اللَّه ﷿: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وكذلك حديث: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" قال النووي: قال العلماء: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها ﷺ من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب. النووي في شرح مسلم [١٧/ ١٣٦] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ١٧٦ ]