ومعناها نهي النفس عن الهوى، وحملها على الهدى بتمرينها على قبول الصدق في أمورها في كل ناصح، رهبة ورغبة فيما لديه من مطلوبها، وثمرتها تقوية الأعمال وتصفية الأحوال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (^١)، وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (^٢) أي فإنها غاية للمتقين.
ومن أنكر الأعمال فقد خالف حق اليقين، فربقة الربوبية موجبة لذلك إلى حين.
وقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ (^٣) أي انقطع إليه انقطاعًا كليًا لنريك من آياتنا الكبرى.
وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (^٤) أي فلا يحقر المجاهد القليل، فإنه استدراج لكثير.
وقال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (^٥).
(لقيت) (^٦) الأينية والكيفية والكمية، وهذا غاية الأمنية.
_________________
(١) سورة العنكبوت [٦٩]. أي الرسول ﷺ وأصحبه وأتباعه إلى يوم الدين ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أي لنبصرنهم سبلنا أي طرقنا في الدنيا والآخرة.
(٢) سورة الحجر [٩٩]. روى البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن [٥] باب قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩] قال سالم: اليقين الموت، وقال ابن كثير: وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد وغيره. انظر تفسير ابن كثير [٢/ ٥٧٧].
(٣) سورة المزمل [٨]. أي أكثر من ذكره وانقطع إليه وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ [الشرح: ٧]، وقال ابن عباس ومجاهد وأبو صالح وعطية والضحاك والسدي ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] أي أخلص له العبادة، وقال الحسن: اجتهد وأبتل إليه نفسك، وقال ابن جرير: يقال للعابد متبتل. "تفسير ابن كثير [٤/ ٤٣٧] ".
(٤) سورة الزلزلة [٧].
(٥) سورة المزمل [٢٠] أي جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا. "تفسير ابن كثير [٤/ ٤٣٩] ".
(٦) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٧٧ ]
والآيات في الباب كثيرة معلومة ومنها:
﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١).
ومنها: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (^٢).
ومنها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (^٣).
وقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (^٤) أي فيحصي ولا يهمل وينسى.
وأما الأحاديث فنذكر منها سبعة عشر حديثًا مشتملة على بيان خواص المجاهدة من أنواع الجزاء وتأهل كل عبد لها، وتنوع حكمها وعموم إفادتها واحتياج كل أحد إليها، وأنها محملة للأشخاص والأوقات، فلا رونق إلا بها، ولها من الأوقات ما هو أهم، وما يسهل ملابسها تشجيعًا وتشويقًا وإلذاذًا وموافقة وقرب أمد.
وأنواعها أنها زبدة العمر، وفائدة لتحسين عمل أو صدق عهد أو غير ذلك، وما يربح عذر كل أحد ويدفع الضواري عن إقامتها.
الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعا: "أن اللَّه -تعالى (^٥) - قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" (^٦) رواه البخاري.
_________________
(١) سورة المجادلة [٢٢].
(٢) سورة المائدة [٥٦].
(٣) سورة النازعات [٤٠، ٤١].
(٤) سورة البقرة [٢١٥]. أي مهما صار منكم من فعل معروف فإن اللَّه يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحدًا ثقال ذرة. "تفسير ابن كثير [١/ ٢٥١] ".
(٥) الأحاديث القدسية هي من اللَّه ﷾ تلقاها النبي ﷺ بالإلهام أو المنام دون واسطة جبريل واللفظ من عند النبي ﷺ والمعنى من عند اللَّه، وهو خلاف القرآن الكريم، فالقرآن بلفظه تلقاه النبي ﷺ من أمين الوحي جبريل من قبل اللَّه -تعالى- بترتيبه الذي عليه مما راجعه عليه جبريل قبل موته ﷺ، والحديث القدسي ما أضافه النبي ﷺ إلى رب العزة -جل وعلا- ورواه عنه، والحديث النبوي: ما رواه النبي ﷺ ولم يضفه إلى اللَّه -تعالى- ولم يروه عنه.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٠٢] كتاب الرقاق، [٣٨] باب التواضع، وابن ماجه في سننه [٣٩٨٩] كتاب الفتن [١٦] باب من ترجى له السلامة من الفتن، والبيهقي في دلائل النبوة [١/ ١٣] وفي السنن الكبرى [٣/ ٣٤٦]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١١/ ٤٧٧]، وابن حجر في تلخيص الحبير [٣/ ١١٧]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ١٠٢]، وذكره الألباني في سلسلة =
[ ١ / ١٧٨ ]
وهو دال على أن خاصة التقرب بالعبادات تنويعًا وتكثيرًا وإدامة وإحرازًا، المحبة الكاملة المستيقنة لأحكامها الشريفة، نحو كنت كنت، وإن وإن، وكفى بذلك شرفًا.
كفى شرفًا أني مضاف إليكم … وأني بكم أجي وأرعى وأعرف.
الثاني: عن أنس مرفوعًا يرويه من ربه -تعالى- قال: "إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (^١) رواه البخاري أيضا. وهو أيضا من خواص التقريب.
الثالث: فيه أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (^٢) وهو أيضًا من الخواص، دفع الغير واحتراز هاتين النعمتين.
الرابع: عن عائشة "أنه كان ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، قلت: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا" متفق عليه (^٣) واللفظ للبخاري، ونحوه في الصحيحين من حديث المغيرة (^٤).
_________________
(١) = الأحاديث الصحيحة [١٦٤٠]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٢٨].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٤٠٥] كتاب التوحيد، [١٥] باب قول اللَّه تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقوله جل ذكره ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ومسلم في صحيحه [٢ - (٢٦٧٥)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [١] باب الحث على ذكر اللَّه تعالى، وأحمد في مسنده [٣/ ٢١٠، ٢٧٧]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ٥، ٦، ٧]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ١٤٩، ١٩٥]، والتبريزي في مشكاة المصاببح [٢٢٦٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٩/ ٢٧].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤١٢] كتاب الرقاق، [١] باب الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة، والترمذي [٢٣٠٤] كتاب الزهد، [١] باب الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، والنسائي في الكبرى، كتاب الرقاق، وابن ماجه في سننه [٤١٧٠] كتاب الزهد، باب الحكمة، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٧٠]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٠٦]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٣/ ٢٤٣].
(٤) أخرحه البخاري في صحيحه [٤٨٣٧] كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ٢]، ومسلم في صحيحه [٨١ - (٢٨٢٠)] كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، [١٨] باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، والترمذي في سننه [٤١٢]، والنسائي [٣/ ٢١٩ - المجتبى]، وابن خزيمة في صحيحه [١١٨٢، ١١٨٣، ١١٨٤]، وابن ماجه في سننه [١٤١٩]، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٥١، ٢٥٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٤٩٧].
(٥) حديث المغيرة أخرجه البخاري في صحيحه [١١٣٠] كتاب التهجد، [٦] باب قيام النبي ﷺ =
[ ١ / ١٧٩ ]
وفيه أن حكمة المجاهدة متنوعة، فهي بسبب ذلك مفيدة لكل أحد ويحتاج إليها ولو كان كاملا، فقيام المغفور له تحقق العبودية وبالشكر يحصل المقام المحمود، وغيره من الشيم المرضية، فقيام الليل مظنة النيل، ولهذا حافظ عليها أكابر المقربين، وتفطَّرت فيها قدما سيد الأولين والآخرين.
الخامس: منها أيضًا: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر" (^١) متفق عليه.
والمراد العشر الأواخر من رمضان (^٢).
والمئزر الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء، والتشمير للعبادة، وإنما فعل ذلك لأنه محل التعرض لنفحات الرحمة، فالمجاهدة اسم من غيره فيها إحسانه وجماله وتعظيمه.
السادس: عن أبي هريرة مرفوعًا: "المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر اللَّه وما شاء فعل (^٣)
_________________
(١) = بالليل حتى ترم قدماه، وفي رقم [٤٨٣٦] كتاب تفسير القرآن، [٢٥] باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ٢] وفي رقم [٦٤٧١] كتاب الرقاق، [٢٠] باب الصبر عن محارم اللَّه. ومسلم في صحيحه [٧٩ - (٢٨١٩)] كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، [١٨] باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٠٢٤] كتاب فضل ليلة القدر، [٥] باب العمل في العشر الأواخر من رمضان، ومسلم في صحيحه [٧ - (١١٧٤)] كتاب الاعتكاف، [٣] باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان.
(٣) قال النووي: في هذا الحديث أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات، وأما قول أصحابنا: يكره قيام الليل كله فمعناه الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر. "النووي في شرح مسلم [٨/ ٥٨] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) قال النووي: قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدًا ذلك حتمًا، وأنه لو فعل ذلك لم تصبه قطعًا، فأما من رد ذلك إلى مشيئة اللَّه تعالى بأنه لن يصيبه إلا ما شاء اللَّه فليس من هذا، واستدل بقول أبي بكر الصديق ﵄ في الغار: "لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا". قال القاضي: وهذا لا حجة فيه لأنه إنما أخبر عن مستقبل وليس فيه رد قدر بعد وقوعه، قال: وكذا جميع ما ذكره البخاري في باب ما يجوز من اللو كحديث "لولا حدثان عهد قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم، ولو كنت راجمًا بغير بينة لرجمت هذه. . . الخ" قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه، لكنه نهي تنزيه. "النووي في شرح مسلم [١٦/ ١٧٦] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ١٨٠ ]
فإن لو تفتح عمل الشيطان" (^١). أخرجه مسلم.
وفيه الإشارة إلى تحصيل كل مصلحة مجاهدة أو غيرها بأيسر طريق وأسهله، وهى الحرص والاستعانة وترك العجز؛ فقوة الهمم الإيمانية ترفع أربابها إلى المعالي الأخروية.
السابع: عنه مرفوعًا: "حُجِبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره".
وفي رواية مسلم (^٢) "حُفَّت" بدل "حُجِبت" وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها، وهو دال على أن احتمال المكاره والمشاق بأمر وراءه الجنة سهل يسير.
ما ضرَّ من كانت الفردوس جنته … ماذا تحمل من بؤس وأقتار
وفي حديث علي رفعه: "من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار نهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت ترك اللذات، ومن زهد الدنيا هانت عليه المصيبات" (^٣).
الثامن: عن حذيفة بن اليمان قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة، فقلت: يركع بعد المائة، ثم مضى (^٤) مُترسِّلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، وكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٤ - (٢٦٦٤)] كتاب القدر، [٨] باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة باللَّه، وتفويض المقادير للَّه، وابن ماجه في سننه [٧٩، ٤١٦٨]، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٧٠] والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٨٩]، والتبريزي في المشكاة [٥٢٩٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١٠/ ٢٩٦].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [١ - (٢٨٢٢)]، [٥١] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، في المقدمة، والترمذي في سننه [٢٥٥٩] وأحمد في مسنده [٢/ ٢٦٠، ٣٠٨]، وابن المبارك في الزهد [٣٢٥]، والخطيب في تاريخ بغداد [٨/ ١٨٤]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ٦٢٦]، والآجري في الشريعة [٣٩٠].
(٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ١٠]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٩/ ٣٣٤]، وابن عراق في تنزيه الشريعة [٢/ ٣٤١]، والخطيب في تاريخ بغداد [٦/ ٣٠١]، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات [٣/ ١٨٠].
(٤) كذا بالأصل، ولكن هنا نقص نقلناه من مسلم وهو: "ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا. . . . " الحديث كما ذكره المصنف.
[ ١ / ١٨١ ]
سجوده قريبًا من قيامة" (^١) رواه مسلم.
وفيه تسهيل احتمال المجاهدة وصرف مضضها بتخليل المناجاة والمسامرة والدعاء والثناء، ونحو ذلك في أثنائها مع الترفق والتذلل وإطالة نحو السجود والركوع، وشهود نحو العظمة والكبرياء، فمانع ذوق الحلامة من جلاله.
التاسع: عن أبي مسعود قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه" (^٢) أخرجاه.
وفيه تسهيل المجاهدة بمخالطة أهل الجد والاجتهاد، والاقتداء بهم وبموافقتهم؛ فبتركه ذلك جعل ما همَّ به من أمر سوء عنده، ولم يتجاوز عن الهم إلى الفعل.
العاشر: عن أنس مرفوعًا: "يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله" (^٣) أخرجاه، وفيه تسهيل المجاهدة والترغيب البليغ فيها؛ فإنها الرفيق الدائم الذي لا يرجع إذا رجع غيره، وبها تمام النفع والأنس والراحة عند الشدائد.
الحادي عشر: عن ابن مسعود مرفوعًا: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٠٣ - (٧٧٢)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [٢٧] باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، وقال القاضي: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، وأنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي ﷺ بل وكله إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، قال ابن الباقلاني: هو أصح القولين مع احتمالهما. . . . إلى آخر كلامه. "النووي في شرح مسلم [٦/ ٥٥] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [١١٣٥] كتاب التهجد، [٩] باب طول القيام في صلاة الليل، ومسلم في صحيحه [٢٠٤ - (٧٧٣)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [٢٧] باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، قال النووي: فيه أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار وأن لا يخالفوا بفعل ولا قول ما لم يكن حرامًا، واتفق العلماء على أنه إذا شق على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام وعجز عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود للتأدب مع النبي ﷺ، وفيه جواز الاقتداء في غير المكتوبات، وفيه استحباب تطويل صلاة الليل. "شرح مسلم للنووي [٦/ ٥٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥١٤] كتاب الرقاق، [٤٢] باب سكرات الموت، ومسلم في صحيحه [٥ - (٢٩٦٠)] كتاب الزهد والرقائق في المقدمة، والترمذي في سننه [٢٣٧٩]، وأحمد في مسنده [٣/ ١١٠]، والنسائي [٤/ ٥٣ - المجتبى]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٧١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١٠/ ٤]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥١٦٧]، وابن المبارك في الزهد [٢٢٤].
[ ١ / ١٨٢ ]
نعله، والنار مثل ذلك" (^١) أخرجه البخاري.
وفيه التسهيل بقصر الأمل وذكر العاقبة.
الثاني عشر: عن ربيعة بن كعب الصفي قال: كنت أبيت مع رسول اللَّه ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: "سلني" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: "أو غير ذلك" قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (^٢) رواه مسلم.
الثالث عشر: عن ثوبان مرفوعًا: "عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد للَّه سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" (^٣) أخرجه مسلم.
الرابع عشر: عن عبد اللَّه بن بسر الأسلمي -بالسين المهملة- مرفوعًا: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" (^٤) رواه الترمذي وحسنه.
الخامس عشر: عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول اللَّه، غبت أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني الصحابة- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبل سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٨٨] كتاب الرقاق، [٢٩] باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك، وأحمد في مسنده [١/ ٣٨٧، ٤١٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٦٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٤٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ١٢٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٣٦٨].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٢٦ - (٤٨٩)] كتاب الصلاة، [٤٣] باب فضل السجود والحث عليه، وأبو داود في سننه في التطوع، والنسائي [٢/ ٢٢٨ - في المجتبى]، وأحمد في مسنده [٦/ ٢٠٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٤٨٦]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ١٨٢].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٢٥ - (٤٨٨)] كتاب الصلاة، [٤٣] باب فضل السجود والحث عليه، وابن ماجه في سننه [١٤٢٢]، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٧٦]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٢٤٨]، وابن حجر في تلخيص الحبير [٢/ ١٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٨٩٧].
(٤) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣٢٩] كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، وأحمد في مسنده [٤/ ١٨٨، ٥/ ٤٠، ٤٣، ٤٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٧١]، والحاكم في المستدرك [١/ ٣٣٩]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٣/ ٢٥٤، ٢٥٦]، والطبراني في المعجم الصغير [٢/ ٢٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٥٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٩/ ٥١]، والشجري في أماليه [١/ ٢٥٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٢٨٥].
(٥) قال النووي: قوله: أجده دون أحد، محمول على ظاهره، وأن اللَّه -تعالى- أوجده ريحها من =
[ ١ / ١٨٣ ]
قال سعد: فما استطعت يا رسول اللَّه ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، ومثَّل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.
قال أنس: فكنا نرى ونظن أن هذه الآية نزلت فيه وأشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^١) أخرجاه (^٢)، وفيه الاستدراك عما فات من الخيرات والبذل بالمهج، فيا حسرة من أضاع عمره وأساء عمله.
على نفسه فليبك من ضاع عمره … وليس له فيها نصيب ولا سهم
وفيه الثناء عليهم بصدق المعاهدة إبهاج لا يتمالك في الطرب به أهله.
السادس عشر: عن عقبة بن عمرو (^٣) وقال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مُرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن اللَّه لغني عن صالح هذا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٧٩] الآية، أخرجاه (^٤).
ومعنى نحامل: يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ونتصدق بها، وفيه أن ذا الفاقة يوسع الهمة والجبلة، ويتسبب ويدخل كل مدخل، ويأخذ بالحظ الوافر من أنواع
_________________
(١) = موضع المعركة، وقد ثبتت الأحاديث أن ريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام. "النووي في شرح مسلم [١٣/ ٤٣] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) سورة الأحزاب [٢٣].
(٣) أخرجه البخاري [٤٠٤٨] كتاب المغازي، [١٧] باب غزوة أحد، وأيضًا البخاري [٤٧٨٣]، كتاب تفسير القرآن، سورة الأحزاب، [٢] باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ومسلم في صحيحه [١٤٨ - (١٩٠٣)] كتاب الإمارة، [٤١] باب ثبوت الجنة للشهيد. والترمذي في سننه [٣٢٠٠] كتاب تفسير القرآن، باب من سورة الأحزاب، والنسائي في الكبرى، كتاب المناقب.
(٤) عقبة بن عمرو بن عبر بن عمر بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودعه بن عدي بن غنم بن ربيعة بن رشدان بن قيس بن جهينة، أبو حامد أبو عامر الجهني، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي قرب الستين، صحابي مشهور اختلف في كنيته على سبعة أقوال أشهرها أبو حماد، وكان فقيهًا فاضلًا. ترجمته: تهذيب التهذيب [٧/ ٢٤٢]، تقريب التهذيب [٢/ ٢٧]، الكاشف [٢/ ٢٧٢]، تاريخ البخاري الكبير [٦/ ٤٣٠]، تاريخ البخاري الصغير [١/ ١٢٣]، الجرح والتعديل [٦/ ٣١٣]، الثقات [٣/ ٢٨٠]، أسد الغابة [٤/ ٥٣]، الإصابة [٤/ ٥٢٠].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٦٦٨] كتاب تفسير القرآن، [١١] باب قوله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٧٩]، ومسلم في صحيحه [٧٢ - (١٠١٨)] كتاب الزكاة، [٢١]، باب الحمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد من تنقيص المتصدق بقليل.
[ ١ / ١٨٤ ]
المجاهدة، ويتأسى بالإخوان ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾.
السابع عشر: عن أبي إدريس (^١)، عن جندب (^٢)، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا مزو هديته فاستهدوني أهدكم (^٣)، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، با عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، إنكم لن تبلغوا ضُري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه" (^٤) أخرجه
_________________
(١) أبو إدريس الخولاني عائذ اللَّه ين عيد اللَّه بن عمرو، أبو إدريس الخولاني العوذي الدمشقي الشامي، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة [٨٠]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٥/ ٨٥]، تقريب التهذيب [١/ ٣٩٠]، الجرح والتعديل [٧/ ٢٠٠]، التاريخ الكبير [٧/ ٨٣]، الثقات [٥/ ٢٧٧]، سير الأعلام [٤/ ٢٧٢]، الوافي بالوفيات [١٦/ ٥٩٥].
(٢) كذا بالأصل وما وجدناه في مسلم "عن أبي ذر".
(٣) قال النووي: قال المازري: ظاهر هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه اللَّه -تعالى-، وفي الحديث المشهور: "كل مولود يولد على الفطرة" قال: فقد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي ﷺ، وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة، وإهمال النظر لضلوا، وهذا الثاني أظهر، وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه اللَّه، وبهدي اللَّه اهتدى، وبإرادة اللَّه -تعالى- ذلك، وأنه ﷾ إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون، ولم يرد هداية الآخرين، ولو أرادها لاهتدوا خلافًا للمعتزلة في قولهم الفاسد أنه ﷾ أراد هداية الجميع، جل اللَّه أن يريد ما لا يقع أو يقع ما لا يريد". النووي في شرح مسلم [١٦/ ١٠٨] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٥٥ - (٢٥٧٧)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٥] باب تحريم الظلم، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٩٣]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٢٤١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ١٢٥]، والبخاري في الأدب المفرد [٤٩٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب =
[ ١ / ١٨٥ ]
مسلم من حديث سعيد بن عبد العزيز عن أبي إدريس الخولاني، عن جندب، قال سعيد، وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبته، وقال أحمد: ليس لأهل الشام حديث أشرف منه، وفيه (ما يريح) (^١) عمله عن الأعذار الصارفة لكثير ممن حُرِم عن المجاهدة.
منها ترك الظلم لما ثارت عليه حميَّة نفسه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ (^٢).
ومنها الاستهداء: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾ (^٣).
ومنها الاستطعام والاستكساء لمن يتعلل بمعاشه.
ومنها الاستغفار لمن يتوهم عدم قبول عمله من كثرة ذنوبه وإساءته.
ومنها نفي أن توهم عمله كتاب الموجود كرعايا الملوك، وأن عطاياه لا تنفذ، وقد عمل العاملون ما لا يكثر وصفه.
ومنها: إنما هي أعمالكم لمن يتعلل بالأماني البارعة: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ (^٤).
وأما الحكايات: فالأولى: بعد إيراد حديث زيد بن أرقم (^٥) ﵄ قال: كان
_________________
(١) = [٢/ ٤٧٥]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ٦٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٣٢٦].
(٢) كذا بالأصل.
(٣) سورة الزمر [٥٦]. أي يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويَوَدُّ لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين للَّه ﷿. "تفسير ابن كثير [٤/ ٦٠] ".
(٤) سورة الزمر [٥٧].
(٥) سورة الزمر [٥٨]. أي توَدُّ لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أخبر اللَّه ﷾ ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه، ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا وتحسروا على تصديق آيات اللَّه واتباع رسله، قال اللَّه ﷾: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ [الزمر: ٥٩]. "تفسير ابن كثير [٤/ ٦٠] ".
(٦) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة، أبو عمرو، أبو عمارة، ويقال: أبو حمزة أبو سعد الأنصاري الخزرجي المدني، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل اللَّه تصديقه في سورة المنافقين، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة [٦٦، ٦٨]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٣/ ٣٩٤]، تقريب التهذيب [١/ ٢٧٢]، تاريخ البخاري الكبير [٣/ ٣٨٥] تاريخ البخاري الصغير [١/ ١٢٠، ١٦١]، الجرح والتعديل [٣/ ٥٥٤]، أسد الغابة [٢/ =
[ ١ / ١٨٦ ]
لأبي بكر الصديق مملوك يغل عليه، فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟ قال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم (^١) فوعدوني، فلما كان اليوم مررت بهم فإذا عُرس لهم، فأعطوني، فقال: لا أب لك، كدت تهلكني، فأدخل يده في حلقه وجعل يتقيأ، فجعلت لا تخرج، فقيل له: أن هذا لا يخرج إلا بالماء، فدعا بعس من ماء، فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها. فقيل له: رحمك اللَّه، كل هذا من أجل هذه اللقمة؟! فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها؛ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به" (^٢) فخشيت أن ينبت شئ من جسدي من هذه اللقمة.
وعن أُبي بن كعب ﵄ قال: ما من عبد ترك شيئًا للَّه ﷿ إلا أبدله اللَّه به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، وما تهاون به عبد وأخذ من حيث لا يصلح إلا أتاه اللَّه ﷿ بما هو أشد عليه من حيث لا يحتسب.
وقال عبد الواحد بن زيد: قال عبد اللَّه بن مسعود ﵄: الحق ثقيل مريّ، والباطل خفيف وبّي، ورُبَّ شهوة أورثت حزنًا طويلًا.
وقال عبد الواحد بن زيد (^٣): مررت براهب في صومعة فقلت لأصحابي: قفوا،
_________________
(١) = ٢٧٦]، الإصابة [٢/ ٥٩٠]، سير الأعلام [٣/ ١٦٥] والثقات [٣/ ١٣٩]، والوافي بالوفيات [١٥/ ٢٢].
(٢) الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة لا نهي فيه، بل هو سنة، ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين أن المدح في ترك الرقى للأفضلية وبيان التوكل، والذي فعل الرقى وأذن فيها لبيان الجواز مع أن تركها أفضل، وبهذا قال ابن عبد البر، وحكاه عمن حكاه، والمختار الأول، وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بآيات وأذكار اللَّه -تعالى- قال المازري: جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب اللَّه أو بذكره، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه لجواز أن يكون فيه كفر، قال: واختلفوا في رقية أهل الكتاب فجوزها أبو بكر الصديق، وكرهها مالك خوفًا أن يكون مما بدلوه، ومن جوزها قال: الظاهر أنهم لم يبدلوا الرقى فإنهم لهم غرض في ذلك بخلاف غيرها مما بدلوه. "النووي في شرح مسلم [١٤/ ١٤٢] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٣١] والزبيدى في إتحاف السادة المتقين [٥/ ٢٢٦، ٦/ ٨، ١٠] والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ٢٨٤]، والعجلوني في كشف الخفا [٢/ ١٧٦].
(٤) عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة البصري العابد القدوة، شيخ الصوفية بالبصرة، روى عن الحسن وعطاء بن أبي رباح، وعبادة بن نسي، وعبد اللَّه بن راشد وجماعة سواهم، وعنه: وكيع ومحمد بن السماك وزيد بن الحباب وأبو سليمان الداراني ومسلم بن إبراهيم وجماعة، وهو ضعيف الحديث، قال البخاري: عبد الواحد بن زيد تركوه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه العبادة حتى غفل عن الإتقان، فكثرت المناكير في حديثه. "الذهبي في تاريخ الإسلام، وفيات [١٥١ - ١٦٠] ".
[ ١ / ١٨٧ ]
وكلمته وقلت له: يا راهب، فكشف سترًا على باب صومعته فقلت له: ما علم اليقين؟ فقال: يا عبد الواحد إن أحببت أن تعلم علم اليقين، فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطًا من حديد ثم أرخى الستر.
الثانية: قال أحمد بن الفتح: رأيت بشر بن الحارث في منامي وهو قاعد في بستان وبين يديه مائدة يأكل منها، فقلت له: يا أبا نصر ما فعل اللَّه بك؟ قال: رحمني وغفر لي وأباحني الجنة بأسرها، وقال لي: كل من جميع ثمارها، واشرب من أنهارها وتمتع بجميع ما فيها كما كنت تمنع نفسك الشهوات في الدنيا.
الثالثة: حكي أنه لما حضرت أبا موسى الوفاة قال: يا بَنِيّ اذكروا صاحب الرغيف، قالوا: وما صاحب الرغيف؟ قال: كان رجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة لا ينزل إلا في يوم واحد، قال: فتنه (أوشب) (^١) الشيطان في عينيه بامرأة، قال: فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال، قال: ثم كشف عن الرجل غطاؤه فخرج تائبًا (^٢) فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد، فأواه الليل إلى مكان عليه اثنا عشر مسكينًا، فأدركه الإعياء، فرمى بنفسه بين رجلين منهم.
وكان ثمَّ راهب يبعث إليهيم كل ليلة بأرغفة مع رجل فيعطي كل إنسان رغيفًا، ومر على ذلك الرجل الذي خرج تائبًا ظن أنه مسكين، فأعطاه رغيفًا، فقال المتروك لصاحب الأرغفة: ما لك لم تعطني رغيفي؟ قال: تراني أمسكته عنك، هل أعطيت أحدًا منكم رغيفين؟ قالوا: لا، قال: تراني أمسكته عنك، واللَّه لا أعطيك الليلة شيئًا، فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه، فدفعه إلى الرجل الذي تُرِكَ، فأصبح التائب ميتًا، فوزنت السبعون سنة بالسبع ليالي، فرجحت الليالي، فوزن الرغيف بالسبع ليالي فرجح الرغيف، فقال أبو موسى: يا بَنِيَّ اذكروا صاحب الرغيف.
فائدة: قال سعيد بن المسيب (^٣) - رحمه اللَّه تعالى: ما أكرمت العباد أنفسها
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
(٣) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ، أبو محمد القرشي المخزومي العائذي المدني الأعور، قال ابن حجر في التقريب: اتفقوا على أن مراسليه أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وتوفي سنة [٩٤، ٩٣، ١٠٠]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٤/ ٨٤]، تقريب التهذيب [١/ ٣٠٥، =
[ ١ / ١٨٨ ]
بمثل طاعة اللَّه، ولا أماتت أنفسها بمثل معصية اللَّه تعالى.
الرابعة: عن وهيب بن الورد (^١) ﵀ قال: يقول اللَّه ﷿: وعزتي وجلالي وعظمتي، ما من عبد آثر هواي على هواه إلا أقللت همومه، وجمعت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، وتجرت له من وراء كل تاجر.
وعزتي وجلالي وعظمتي، ما من عبد آثر هواه على هواي إلا أكثرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي في أي أوديتها هلك.
فائدة: قال علي بن أبي طالب ﵄: إن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فَيُنْسي الآخرة.
نادرة: قال أبو محمد الحريري: من استولت عليه النفس صار أسيرًا في حكم الشهوات محصورًا في سجن الهوى، فحرم اللَّه على قلبه الفوائد، فلا يستلذ بكلامه ولا يستحليه وإن كثر ترداده على لسانه.
الخامسة: عن بعضهم قال: انكسرت بنا السفينة وبقيت أنا وامرأتي على لوح، وقد ولدت في تلك الحال صبية فصاحت بي وقالت: قتلني العطش، فقلت: هو ذا يرى حالنا (^٢) فرفعت رأسي، فإذا رجل في الهواء جالس وفي يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر وقال: هاك اشربا، فأخذنا الكوز وشربنا منه، فإذا هو أطيب من المسك وأبرد من الثلج وأحلى من العسل، فقلت له: من أنت يرحمك اللَّه؟ فقال: عبد لمولاك، فقلت: بما وصلت إلى هذا؟ فقال: تركت الهوى لمرضاته فأجلسني على الهواء، ثم غاب عني فلم أره.
_________________
(١) = ٣٠٦]، تاريخ البخاري الكبير [٣/ ٥١٠]، الكاشف [١/ ٣٧٢]، سير الأعلام [٤/ ٢١٧].
(٢) وهيب بن الورد بن أبي الورد، أبو عثمان أبو أمية القرشي مولاهم المكي، ثقة عابد، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، توفي سنة [١٥٣]. ترجمته: تهذيب التهذيب [١/ ١٧٠]، تقريب التهذيب [٢/ ٣٣٩]، الكاشف [٣/ ٢٤٦]، تاريخ البخاري الكبير [٨/ ١٧٧] الجرح والتعديل [٩/ ١٥٧]، سير الأعلام [٧/ ١٩٨]، الثقات [٧/ ٥٥٩].
(٣) قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] قال ابن كثير، ينبه تعالى أنه هو المدعوُّ عند الشدائد، المرجوَّ عند النوازل كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهكذا قال ههنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه. "تفسير ابن كثير [٣/ ٣٨٣] ".
[ ١ / ١٨٩ ]
وأنشدوا:
بحق الهوى يا أهل وُدِّي تفهموا … لسان جواد (^١) بالوجود غريب
حرام على قلب تعرض للهوى … يكون لغير الحق فيه نصيب
السادسة: عن إبراهيم الخواص ﵀ قال: كنت في جبل لكام فرأيت رمَّانًا فاشتهيته، فدنوت وأخذت منه واحدًا، فشققته فوجدته حامضًا، فمضيت وتركته.
فرأيت رجلا مطروحًا وقد اجتمعت عليه الزنابير (^٢) فقلت: السلام عليك، فقال لي: وعليكم السلام يا إبراهيم، فقلت له: أراك حالًّا مع اللَّه -تعالى- فلو سألته أن يحميك ويقيك من هذه الزنابير، قال: وإذا لك حالا مع اللَّه -تعالى- فالوسيلة أن يقيك شهوة الرمان، فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة، ولدغ الزنابير لا يجد ألمه إلا في الدنيا، فتركته ومشيت.
السابعة: حكي أن سبب قطع يد أبي الخير أنه كان في جبال أنطاكية وحواليها يطلب المباح وينام بين الجبال، وأنه عاهد اللَّه ﵎ أن لا يأكل من ثمار الجبال شيئًا إلا ما طرحته الريح، فبقي أيامًا لم تطرح الريح شيئًا، فرأى يومًا شجرة كمثرى فاشتهى منها، فلم يفعل، فأمالتها الريح إليه، فأخذ واحدة، واتفق أن لصوصًا قطعوا هناك الطريق وجلسوا يقتسمون، فوقع عليهم السلطان، فأخذهم فقطع أيديهم وقطعت يده في جملتهم، فلما هم بقطع رجله عرفه رجل فقال للأمير: أهلكت نفسك؛ هذا أبو الخير، فبكى الأمير وسأله أن يجعله في حل ففعل، وقال: أنا أعرف ذنبي، فلذلك سمي الأقطع، وأنشدوا:
نون الهوان من الهوى مسروقة … فأسير كل هوى أسير هوان
الثامنة: عن شيبان بن إبراهيم ﵀ قال: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة -شرَّفها اللَّه تعالى- في سوق الليل عند مولد النبي ﷺ وهو يبكي ناحية من الطريق، فسلمت عليه وصليت عنده وقلت له: يا أبا إسحاق ما هذا البكاء؟ قال: خير، فعاودته مرة ثانية وثالثة، فلما أطلت عليه السؤال قال لي: يا شيبان إن أنا أخبرتك تبح به أو تستر عليَّ؟ فقلت له: يا أخي قل ما شئت.
فقال: اشتهت نفسي سكباجًا منذ ثلاثين سنة، وأنا أمنعها جهدي، فلما كان البارحة غلبني النوم، وإذا أنا بإنسان من أحسن الناس وجهًا وبيده قدح أخضر يعلو
_________________
(١) أجاد: أتى بالجيد من قولٍ أو عملٍ، ويقال: أجاد الشيء وفيه: صيره جيدًا.
(٢) الزنبار: حشرة أليمة اللسع من الفصيلة الزنبورية، واحدته زنبارة، جمعها: زنابير.
[ ١ / ١٩٠ ]
منه البخاري ورائحة السكباج (^١)، فأجمعت همتي عنه، فقربه مني وقال: يا إبراهيم كل، قلت: ما آكل شيئًا تركته للَّه ﷿ فقال: ولا إن أطعمك اللَّه؟ قال: فما كان لي جواب إلا البكاء، فقال لي: كل يرحمك اللَّه، فقلت: قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلا ما نعلم، فقال لي: كل عافاك اللَّه، فإنما ناولني هذا رضوان وقال لي: يا خضر (^٢) اذهب بهذا الطعام فأطعمه للقس إبراهيم بن أدهم، فقد رحمها اللَّه على طول صبرها على ما يحملها من منعها شهوتها، ثم قال: فاللَّه ﷿ يطعمها وأنت تمنعها يا إبراهيم، إني سمعت الملائكة يقولون: من أعطي ولم يأخذ طلب ولم يعط، فقلت: إن كان كذلك فها أنا بين يديك لم آخذ بالعهد مع اللَّه ﷿ وإذا بفتى آخر قد ناوله شيئًا وقال: يا خضر لَقِّمْه، فلم يزل يطعمني بيده فانتبهت وحلاوة ذلك في فمي، ولون الزعفران في شفتي، فدخلت زمزم فغسلت فمي، فلا الرائحة ذهبت، ولا أثر الزعفران، قال شيبان: فقلت له: أرني، فإذا أثره لم يذهب، فقلت: يا من يُطعِم مناع الشهوات إذا صححوا المنع لأنفسهم، يا من ألزم قلوب أوليائه التصحيح، يا من سقى قلوبهم من شراب محبته، أترى لشيبان ذلك عندك، قال: ثم أخذت يد إبراهيم ورفعتها إلى السماء وقلت: اللهم بقدر هذه الكف وقدر صاحبها وحرمته عندك وبالجود الذي وجده منك يا اللَّه جُد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك برحمتك يا أرحم الراحمين، وإن لم يستحق ذلك منك يا رب العالمين.
التاسعة: عن بعضهم قال: لقيت رجلًا بالبصرة يعرف بالمسكى، وذلك من شدة ما كان يوجد منه من ريح المسك، حتى إنه إذا دخل المسجد الجامع يعرف أنه قد جاء من شدة الرائحة، وإذا مرَّ في الأسواق كذلك، فقصدته وبت عنده وقلت له: ما أشك أنك محتاج إلى مال كثير في ثمن الطيب، فقال: ما اشتريت طيبًا قط ولا تطيبت بطيب قط، وأنا أحدثك بحديثي لعلك إذا متُّ تترحم عليَّ إذا ذكرتني، كان مولدي ببغداد، وكان أبي موسرًا يعلمني كل ما يعلم الناس أولادهم، وكنت من أحسن الناس وجهًا، وكان فيَّ حياء، فقيل لأبي: لو أجلست ابنك في السوق لينشط، فأجلسني في دكان بزاز، وكنت أجلس عنده طرفي النهار، فلما كان في بعض الأيام
_________________
(١) السكباج: طعام يعمل من اللحم والخل مع توابل وأفاويه، القطعة منه: سكباجة.
(٢) جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن يحصر وأشهر من أن يستر، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك، قال: وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين. "النووي في شرح مسلم [١٥/ ١١١] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ١٩١ ]
جاءت عجوز فطلبت منه متاعًا مرتفعًا فأخرج لها ما طلبت، فقالت له: تُوَجهُ معي إنسانًا حتى يأخذ ما نحتاج إليه وندفع له الثمن ونرد الباقي معه، فقال لي: تنشط أن تمضي معها، فقلت: نعم، فمضيت معها حتى أدخلتني إلى قصر عظيم فيه قُبَّة، وعلى بابه خُدَّام وحُجَّاب، فلما وصل إلى صحن الدار إذا أنا ببنيان عظيم؛ قبة عليها شارة، فقالت ادخل القبة واجلس فيها، فدخلت فإذا أنا بجارية على سرير عليه فُرش كلها ذهب لم أر أحسن منها وعليها من كل الحلبي، فنزلت عنه وضربت بيدها فيَّ وأخذتني إليها، فقلت لها: اللَّه اللَّه، فقالت: لا بأس عليك، لك عندى ما تحب، فقلت لها: إني حاقب (^١) فصاحت بالجواري، فإذا بهن أقبلن، فقالت لهن: قدام مولاكن إلى الخلاء، فلما دخلت الخلاء لم أجد لي فيه مسلكا أفر منه، فحللت سراويلي وتغوطت في كفي ومسحت به وجهي وبدني وقلبت عيناي، فدخلت جارية بيدها ماء ومنديل، فصحت في وجهها كالمجنون، فولت هاربة مني وقالت: مجنون، فجاء الجواري ومعهن بساط فأدرجتني وجملتني فطرحتني في بستان، فلما علمت أنهن مضين قمت فغسلت ثيابي ووجهي وسائر بدني، ومضيت إلى منزلي ولم أُحَدِّث به أحدًا، فرأيت تلك الليلة في منامي رجلًا فقال لي: ابن يوسف بن يعقوب (^٢) بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه هل تعرفني؟ قلت: لا، فقال: أنا جبريل، فمسح بيده على وجهي وبدني، فمن ذلك الوقت صار لبدني رائحة المسك يفوح على ثيابي، فهذه الرائحة من يد جبريل ﷺ، وأنشدوا:
إذا خايلتك النفس يومًا بشهوة … وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما … هواها عدو والخلاف صديق
العاشرة: روي أنه كان شاب في بني إسرائيل لم يُرَ في زمانه أحسن منه، وكان يبيع القِفَاف، فبينما هو ذات يوم يطوف بقفافه إذ خرجت امرأة من دار ملك من ملوك
_________________
(١) الحاقب: الذي يخش غائطه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٣٨٢] في كتاب أحاديث الأنبياء، [١٨] باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈" قال النووي: وأصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف ﵇ مكارم الأخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب، وكونه نبيًا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين أحدهم خليل اللَّه ﵇ وانضم إليهم شرت علم الرؤيا وتمكنه فيه ورياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة وحياطته للرعية وعموم نفعه إياهم، وشفقته عليهم وإنقاذه إياهم من تلك السنين واللَّه أعلم. "النووي في شرح مسلم [١٥/ ١١٠] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ١٩٢ ]
بني إسرائيل، فلما رأته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك: إني رأيت شابًا يبيع القفاف لم أر شابًا قط أحسن منه، فقالت لها: أدخليه، فخرجت إليه وقالت: يا فتى ادخل نشتري منك، فدخل، فأغلقت الباب دونه، ثم دخل بابًا آخر فكذلك، حتى أغلقت ثلاثة أبواب، ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها، فقال: اشتروا حاجتكم، فقالت: إنا لم ندعك لهذا، إنما دعوناك لكذا -يعني تراوده عن نفسه- فقال لها: اتق اللَّه، قالت: إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليَّ تكابدني على نفسي، فوعظها، فأبت، فقال: ضعوا لي وضوءًا، فقالت: أعليَّ يتعلل؟! يا جارية ضعي له وضوءًا فوق الجوسق -مكان لا يستطيع أن يفر منه- قال: وكان من فوق الجوسق (^١) إلى الأرض أربعون ذراعًا، فلما صار في أعلى الجوسق قال: اللهم إني دعيت إلى معصيتك، وإني أختار أن أرمي بنفسي من الجوسق ولا أرتكب المعصية، ثم قال: بسم اللَّه، وألقى بنفسه من أعلى الجوسق، فأهبط اللَّه إليه ملكًا من الملائكة، فأخذ بضبعيه (^٢) فوقع قائمًا على رجليه، فلما صار في الأرض قال: اللهم إن شئت رزقتني رزقًا تقيني به بيع هذه القفاف، فأرسل اللَّه إليه جرادا من ذهب، فأخذ منه حتى ملأ ثوبه، فلما صار في ثوبه قال: اللهم إن كان هذا رزقًا رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه، فإن كان ينقص مما لي عندك فلا حاجة لي فيه، قال: فنودي أن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءًا من أجرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق، فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني عندك في الآخرة، فرفع ذلك منه، وقيل للسلطان: هلا أغريته بارتكاب الفاحشة؟ فقال: كيف أغوي من بذل نفسه للَّه تعالى.
وللَّه در القائل:
وسائل عنهم ماذا يقدمهم … فقلت فعل به عن غيرهم بانوا
صانوا النفوس عن الفحشاء ولو ابتدا … منهن في سبيل العلياء ما صانوا
الحادية عشرة: عن مصعب بن عثمان قال: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجهًا، فدخلت عليه امرأة فسالته نفسه فامتنع عليها، فقالت: إذن أفضحك، فخرج هاربًا من منزله وتركها فيه، قال سليمان: فرأيت بعد ذلك يوسف ﵇ (^٣)
_________________
(١) الجوسق: هو القصر الصغير والحصن، وجمعها: جواسق.
(٢) الضَّبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها، وهما ضبعان.
(٣) لقد فعل كما فعل نبى اللَّه يوسف ﵇ وذلك فيما ورد من قوله - تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ [يوسف: ٢٤ - ٢٥].
[ ١ / ١٩٣ ]
فيما يرى النائم، وكأني أقول له: أنت يوسف البريء، قال: وأنت سليمان البريء.
الثانية عشرة: قال وهيب بن الورد ﵀: بلغنا أن إبليس -لعنه اللَّه- تَبَّدى ليحيى بن زكريا (^١) ﵉ فقال: إني أريد أن أنصحك، قال: كذبت إنك لم تنصحني، فأوحى اللَّه -تعالى- إليه: يا يحيى سله فإنه يَصْدُقُك، فقال: أخبرني عن بني آدم؟ قال: هم عندنا على ثلاثة أصناف: أما صنف منهم فهم أشد الأصناف؛ يقتل حتى نفسه ثم يفزع إلى التوبة والاستغفار ويفسد كل شيء أدركناه منه، ثم يعود إليه فنعود، فلا نحن نيأس منه ولا ننال حاجتنا، فنحن من ذلك في غنى.
وأما الصنف الآخر: فهم بين أيدينا بمنزلة الكرة بين أيدي صبيانكم؛ نلقيهم كيف نشاء، قد كفونا أنفسهم.
وأما الصنف الآخر: فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء.
فقال يحيى عند ذلك: فهل قدرت مني على شيء؟ قال: لا إلا مرة واحدة، فإنك قدمت طعامًا تأكله فلم أزل أشهيه إليك حتى أكلت أكثر مما تريد فنمت تلك الليلة ولم تقم إلى الصلاة كما كنت تقوم إليها، فقال يحيى ﵇: لا أشبع من طعام أبدًا (^٢) قال إبليس: لا جرم، لا أنصح آدميًا بعدك أبدًا، وأنشدوا:
وكم من أكلة منعت أخاها … بأكلة ساعة أكلات دهري
وكم من طالب يسعى لشيء … وفيه هلاكه لو كان يدري
ذكر بعض المصنفين هذين البيتين بعد هذه الحكاية وليس ذلك مناسبًا لحال يحيى ﵇ وإنما يناسب في هذا المعنى:
وكم من أكلة حرمت كثيرًا … من الخيرات في طاعة مولى
ولذَّاتٍ بخلوات تجلى … بها المولى وقد ناجاه ليلًا
_________________
(١) قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ مريم [١٢ - ١٥]. كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما من أحد يلقي اللَّه يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا، قال قتادة: ما أذنب ولا هم بامرأة، وقال محمد بن إسحاق: سنده عن ابن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع النبي ﷺ قال: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا". "تفسير ابن كثير [٣/ ١١٧] ".
(٢) روى الترمذي في سننه [٢٣٨٠] كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، عن مقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول "ما ملا آدمي وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لثرابه وثلث لنفسه"، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ١٩٤ ]