ومعناه الحفظ والمراقبة من غير تضيع ولا تعريض له، ولا تغافل عن مضيع ولا تهاون في استرداد ما ضاع.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١) الآية (^٢).
وقال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (^٣).
وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (^٤).
وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (^٥).
في الآية الأولى النهي عن التشبه بأهل القلوب القاسية، وفي الثانية: بالضلال،
_________________
(١) سورة الحديد [١٦]. يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه، أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه، قال ابن المبارك: حدثنا صالح المري عن قتادة عن ابن عباس أنه قال: "إن اللَّه استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. "تفسير ابن كثير [٤/ ٣١٠] ".
(٢) روى مسلم في صحيحه [٢٤ - (٣٠٢٧)] كتاب التفسير، [١] باب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] عن ابن مسعود قال: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللَّه بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلا أربع سنين".
(٣) سورة الحديد [٢٧]. هو الكتاب الذي أوحاه اللَّه إليه ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [الحديد: ٢٧] وهم الحراريون ﴿رَأْفَةً﴾ أي رقة وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق، وقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ أي ابتدعها أمة النصارى وما شرعناها لهم ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي فما قاموا بما التزموه، "تفسير ابن كثير [٤/ ٣١٥] ".
(٤) سورة النحل [٩٢].
(٥) سورة الحجر [٩٩]. روى البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩] قال سالم - وهو سالم بن عبد اللَّه بن عمر: اليقين: الموت، وقال ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا، فيصلي بحسب حاله كما ثبت في الصحيح عن عمران بن حصين أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". "تفسير ابن كثير [٢/ ٥٧٧] ".
[ ١ / ٢٣٣ ]
وفي الثالثة بالحمق، وفي الآخرة الختم بالدوام على العبادة حتى الممات، وهو صفة بعد الانتهاء عما سلف من الملامات.
ونذكر من الأحاديث أربعة:
ومدارها على بيان حكم المحافظة، وإن فاته بعد اجتهاده، وحكم من فوَّت العمل لتهاون أو عذر.
أولها: الحديث السالف في الباب، وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه، فمن قام بالعمل له البشرى بأحب الدين إلى اللَّه ورسوله.
ثانيها: عن عمر مرفوعًا: "من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل" (^١) أخرجه مسلم.
فمن فاته العمل بنوم ونحوه من الأعذار، إذا بادر إليه كتب له كالأداء بفضل الجبار.
ثالثها: عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: "لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فتركه" (^٢) أخرجاه، والتفاوت تهاونًا من النهار، إذ فيه تفويت للأعمال الزكيَّات.
رابعها: عن عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" (^٣) أخرجه مسلم، فَيُتَأَسَى به في ذلك، فإنه النهل العذب لنواله في ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [١٤٢ - (٧٤٧)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [١٨] باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، وأبو داود في سننه [١٣١٣] كتاب الصلاة، باب من نام عن حزبه، والترمذي في سننه [٥٨١] في الصلاة، باب ما ذكر فيمن فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار، والنسائي [٣/ ٢٥٩، ٢٦٠ - المجتبى]، وابن ماجه في سننه [١٣٤٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٤٨٤، ٤٨٥]، والطبراني في المعجم الصغير [٢/ ٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٨/ ٣٢٦]، والشجري في أماليه [١/ ٢٢١].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [١١٥٢] كتاب التهجد، [١٩] باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، ومسلم في صحيحه [١٨٥ - (١١٥٩)] كتاب الصيام، [٣٥] باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقًا أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل يوم وإفطار يوم، والنسائي [٣/ ٢٥٣ - المجتبى]، وابن ماجه في سننه [١٣٣١]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ١٤]، وابن خزيمة في صحيحه [١١٢٩]، والشجري في أماليه [١/ ٦].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٤٠ - (٧٤٦)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [١٨] باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، وأحمد في مسنده [٦/ ٩٥، ٢٥٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٤٨٥].
[ ١ / ٢٣٤ ]