وهي مراقبة العبد الرب ﷻ والحذر من السخط منه، وشهود دوام جلاله واطلاعه، وذوق قربه. ويترتب عليه التحفظ والاعتبار وانتظار ما تقتضيه الأوقات والأحوال، لينتهز فرصة البدار، وينجو من دار البوار، وما أحسن من فسرها بمراعاة السرّ، وملاحظة الحق مع كل خطرة.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ (^٢).
وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (^٣) أي يترقب كل قول وفعل.
وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ (^٤).
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٥).
والآيات فيه كثيرة معلومة.
ولنذكر من الأحاديث تسعة:
أحدهما: حديث عمر الثابت في الصحيح في حديث جبريل، وفيه: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (^٦).
_________________
(١) سورة الحديد [٤]. أي رتيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم. تفسير ابن كثير [٤/ ٣٠٤].
(٢) سورة آل عمران [٥].
(٣) سورة الفجر [١٤].
(٤) سورة غافر [١٩]. يخبر ﷿ عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء؛ جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من اللَّه -تعالى- حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، وأنه ﷿ يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. تفسير ابن كثير [٤/ ٧٥].
(٥) سورة المجادلة [٧].
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٠] كتاب الإيمان، [٣٨] باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان =
[ ١ / ٨٤ ]
ثانيها: حديث أبي ذر ومعاذ مرفوعًا: "اتق اللَّه حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". رواه الترمذي (^١) وحسنه.
ثالثها: حديث ابن عباس مرفوعًا: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (^٢) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وفي رواية غير الترمذي، بعد "احفظ اللَّه تجده أمامك": "تعرف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكبن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا".
ومعنى تجده تجاهك: أي يرفع لك أعلام التوحيد، فتستقبله كما تستقبل الأعلام، والنفع الضر بيده، والسؤال إليه، والاستعانة به.
الحديث الرابع: عن أنس قال: "إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات". (^٣) وهي من باب تحسبونه هينًا وهو عند اللَّه عظيم.
الخامس: عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن اللَّه -تعالى- يغار، وغيرة اللَّه أن يأتي المرء ما حرم اللَّه عليه" (^٤) متفق عليه.
_________________
(١) = والإسلام والإحسان، ومسلم في صحيحه [١ - (٨)] كتاب الإيمان، [١] باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، والترمذي في سننه [٢٦١٠] كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام، والنسائي [٨/ ٩٩، ١٠٢ - المجتبى]، وابن ماجه [٦٣]، وأحمد في مسنده [١/ ٥١، ٥٣٠، ٢/ ٤٢٦].
(٢) أخرجه الترمذي [١٩٨٧] كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، وأحمد في مسنده [٥/ ١٥٣]، والحاكم في المستدرك [١/ ٥٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٤/ ٣٧٨]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ٥١٢، ٨/ ٥١٨]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ٧٦]، والدارمي في سننه [٢/ ٣٢٣].
(٣) أخرجه الترمذي [٢٥١٦] كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، والحاكم في المستدرك [٣/ ٥٤١]، وأحمد في مسنده [١/ ٢٩٣، ٣٠٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٣١٤]، والطبراني في المعجم الكبير [١٢/ ٢٣٨]، والشجري في أماليه [٢/ ١٩٤، ١٩٨]، والآجري في الشريعة [١٩٨ - ١٩٩].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٩٢] كتاب الرقاق، [٣٢] باب ما يتقى من محقرات الذنوب، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٣٥٥]، والهيثمي في مجمع الزوائد [١٠/ ٢٣١].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٢٢٣] كتاب النكاح، [١٠٨] باب الغيرة، ومسلم في صحيحه =
[ ١ / ٨٥ ]
السادس: عن أبي هريرة مرفوعًا: في قصة الأبرص والأقرع والأعمى: الطويل في الصحيحين. (^١) فمراقبته في كل حال متعينة.
السابع: عن شداد بن أوس مرفوعًا: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللَّه الأماني" (^٢) رواه الترمذي وقال: حسن.
ومعنى دان: حاسب، وفعل غير ذلك صارف عن المراقبة.
الثامن: عن أبي هريرة مرفوعًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (^٣) رواه الترمذي، وهو حسن؛ ففيه تنفير عن الشواغل بما لا يفيد، فالفضول من أكبر الصوارف عن المراقبة: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ (^٤).
التاسع: عن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته" (^٥) رواه أبو داود وسره دوام حسن الظن والمراقبة بالإعراض عن الاعتراض.
ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك فنقول:
سُئل حاتم الأصم، فيما أفنيت عمرك؟ فقال: في أربعة أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر اللَّه طرفة عين فاستحييت أن أعصيه، وعلمت أن لي رزقًا لا يجاوزني
_________________
(١) = [٣٦] كتاب التوبة، والترمذي في سننه [١١٦٨] كتاب الرضاع، باب ما جاء في الغيرة، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٨٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٢٤٢].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٤٦٤] كتاب أحاديث الأنبياء، [٥٣] باب حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل، ومسلم في صحيحه [١٠ - (٢٩٦٤)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [٢٤٥٩] كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وابن ماجه في سننه: كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٦٩]، والحاكم في المستدرك [١/ ٥٧، ٤/ ٢٥١]، والطبراني في المعجم الكبير [٧/ ٣٣٨]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٤٤، ٨/ ٤٢٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٢٦٧، ٨/ ١٧٤]، والعجلوني في كشف الخفا [٢/ ١٩٦]، والطبراني في المعجم الصغير [٢/ ٣٦]، وابن المبارك في الزهد [٥٦]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٥٢].
(٤) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣١٨] كتاب الزهد، باب منه [١١] فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس، وابن ماجه في الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، وأحمد في مسنده [١/ ٢٠]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١٠/ ١٧١]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٨/ ١٨]، وعبد الرزاق في مصنفه [٢٠٦١٧].
(٥) سورة المؤمنون [٦٣].
(٦) أخرجه أبو داود في سننه [٢١٤٧] كتاب النكاح، باب ضرب النساء، وابن ماجه في سننه [١٩٨٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٢٦٨]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ١٥٦]، والعجلوني في كشف الخفا [٢/ ٥٢١]، والألباني في إرواء الغليل [٧/ ٩٨].
[ ١ / ٨٦ ]
وقد ضمنه اللَّه لي فوثقت به وقعدت عن طلبه، وعلمت أن لي فرضًا لا يؤديه غيري فاشتغلت به، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته.
وقال ابن عباس: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عافبتك، وضحكك أعظم من ذنبك، وكذا فرحك به وحزنك عليه إذا فات، وكذا خوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت مقبل عليه.
وروي أن عمر ﵄ كان يعسّ (^١) المدينة، فمشى حتى أعيي، فاتكأ إلى جدار، فإذا امرأة تقول لابنة لها صغيرة: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فقالت: يا أماه أوما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى أن لا يشاب اللبن، فقالت: امذقيه، فإنك بمكان لا يراك فيه عمر، ولا مناديه، فقالت: فإن اللَّه -تعالى- يراني، واللَّه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، فزوجها عمر أحد أولاده (^٢)، ومن ذريتها عمر بن عبد العزيز (^٣).
وعن ذي النون قال: حججت سنة فضللت عن الطريق، ولم يكن معي ماء ولا زاد، فأشرفت على الهلكة، فلاحت لي أشجار كثيرة ومحراب، فطرحت نفسي في فيء شجرة، فلما غربت الشمس إذا شاب متغير اللون، نحيل الجسم يؤم ذلك المحراب، فوكز برجله ربوة من الأرض، فظهرت عين تنض ماء عذبًا، فشرب وتوضأ وقام إلى محرابه، فقمت إلى العين فشربت ماء عذبا، وتوضأت وقمت أصلي بصلاته حتى برق عمود الفجر، فلما رأى الصبح وثب قائمًا على قدميه، ونادى بأعلى صوته: ذهب الليل بما فيه، وأقبل النهار بدواميه، ولم أقض من خدمتك وطرأ، خسر من أتعب لغيرك بدنه، وألجأ إلى سواك همه، فلما أراد أن ينصرف ناديته بالذي منجك لذيذ الرغب، وأذهب عنك ملال التعب إلا خفضت لي جناح الرحمة، فإني غريب أريد بيت اللَّه الحرام، وقد ضللت عن الطريق، فقال: يا بطال تحت أرجلنا، حتى رأيت المحجة، وسمعت ضجة، فقال: هؤلاء رفقتك، ثم أنشأ يقول:
من عامل اللَّه بتقواه … وكان في الخلوة يرعاه
_________________
(١) عسَّ فلان عسًّا: طاف بالليل يكشف عن أهل الريبة، فهو عاس، جمعها: عسس وعساس.
(٢) زوجها عمر ﵄ بابنه عاصم بن عمر بن الخطاب، فأنجب بنتًا تزوجها عبد العزيز بن مروان، فأنجبت الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أشج بني أمية.
(٣) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أمير المؤمنين أبو حفص القرشي الأموي ﵄، ولد بالمدينة سنة ستين، وأمه هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وتوفي سنة إحدى ومائة.
[ ١ / ٨٧ ]
سقاه كأسا من صفاء حبه … سلبه عن لذة مرآه
وأبعد الخلق وأقصا منهم … وانفرد العبد بمولاه
وعن العباس بن أحمد قال: قال لي أبو سعيد: كان لي معلم يختلف إليّ يعلمني الخوف، ثم ينصرف، فقال لي يومًا: إني معلمك خوفًا يجمع لك كل شيء، قلت: ما هو؟ قال: مراقبة اللَّه. (^١)
وعن عبد اللَّه بن الأحنف قال: خرجت من مصر أريد الرملة لزيارة الروزباري، فرآني عيسى بن يونس المصري، فقال لي: هل أدلك؟ قلت: نعم، قال: عليك بصور فإن بها شيخًا وشابًا قد اجتمعا على حال المراقبة للَّه، فلو نظرت إليهما نظرة لأغنتك باقي عمرك، قال: فدخلت عليهما، وأنا جائع عطشان، وليس عليّ ما يسترني من الشمس، فوجدتهما مستقبلي القبلة، فسلمت عليهما، وكلمتهما، فلم يكلماني، فقلت: أقسمت عليكما باللَّه إلا كلمتماني، فرفع الشيخ رأسه وقال: يا ابن الأحنف، ما أقل شغلك، حتى تفرغ لنا، فأقمت بين يديهما حتى صليا الظهر والعصر فذهب عني الجوع والعطش، فقلت للشاب: عظني بشيء أنتفع به، فقال: تحب المصائب ليس لنا لسان العظة، فاْقمت عندهما ثلاثة أيام بلياليها لم نأكل فيها ولم نشرب، فلما كان في الثالثة قلت: لا بد من سؤالهما في وصية أنتفع باقي عمري بها، فرفع الشاب رأسه وقال: عليك بصحبة من يذكر اللَّه، تنظره يعطك بلسان فعله لا بلسان قوله، ثم التفت فلم أرهما.
وعن الجنيد قال: رأيت إبليس في المنام وهو عريان، فقلت له: أما تستحي من الناس؟!! فقال: أهؤلاء عندك من الناس؟ قلت: نعم، قال: لو كانوا منهم ما تلاعبت بهم تلاعب الأكرة، ولكن الناس قوم في مسجد (الشونيرية) (^٢) قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي، كلما هممت بهم أشاروا إليَّ، فأكاد أحترق، فلما استيقظت، أتيت ذلك المسجد، فإذا أنا بثلاثة رجال رؤوسهم في مرقعاتهم، فلما أحسوا بي أخرج أحدهم رأسه وقال: يا أبا القاسم لا يغرنك حديث الخبيث، وأنشدوا:
_________________
(١) قوله ﷺ: "الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" قال النووي: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، فقال ﷺ: "اعبد اللَّه في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان". النووي في شرح مسلم [١/ ١٤١]، طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) كذا بالأصل.
[ ١ / ٨٨ ]
عبيد لمولاهم تعالى وغرهم … عبيد الهوى بين الفريقين كالثرى
وعلو الثرايا في ارتفاع مقامهم … بهم يرفع اللَّه البلايا عن الورى
وعن بعضهم قال: كنت في جبل (لكام) (^١) أطلب الزهاد والعباد، فرأيت رجلا عليه مرقعة جالسًا على حجر مطرفًا إلى الأرض، فقلت له: يا شيخ، ما تصنع هاهنا؟ قال: أنظر وأرعى، فقلت له: ما أرى بين يديك إلا الحجارة، فتغير لونه، ثم نظر إليّ مغضبًا وفال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي، فبحق الذي أظهرك عليّ إلا رحت عني، فقلت له: كلمني بشيء أنتفع به حتى أمضي، فقال: من لزم الباب أثبت من الخدم، ومن أكثر الذنوب أعقبه الندم، ومن استعنى باللَّه أمن من العدم، ثم تركني ومضى.
وعن بعضهم قال: خرجت في بعض حوائجي، فبينما أنا في فلاة من الأرض، إذا برجل يدور بشجرة شوك، ويأكل من رطبها، فسلمت عليه، فقال: وعليكم السلام، تقدم وكل، فنزلت عن ناقتي، وتقدمت إلى الشجرة، فكلما أخذت منها رطبًا عاد شوكا، فتبسم الرجل وقال: هيهات، لو أطعت اللَّه في الخلوات، أطعمك الرطب في الفلوات.
وعن إبراهيم بن أدهم (^٢) قال: أتيت بعض البلاد فنزلت في مسجد، فلما كان العشاء الآخرة وصلينا، أتى إمام المسجد بعد انصراف الناس وقال: قم فاخرج حتى أغلق الباب، فقلت: أنا رجل غريب ههنا، وذكر حكاية الزبال بطولها - وقد ذكرت في طبقات الصوفية فراجعها.
وحكي أن رجلا تعلق بامرأة ببغداد، فأبت تمكينه وكل من جاء ليخلصها منه طعنه بسكين، وكان شديدًا، فمر عليه بشر (^٣) ودنا منه، وحك كتفه بكتفه، فوقع على الأرض وهدأت المرأة، ومضى بشر، فدنا الناس من الرجل، فإذا هو يرشح عرقًا كثيرًا، فسألوه عن حاله، فقال: حكَّ كتفي شيخ، وقال: إن اللَّه ناظر إليك، وإلى عملك وما تعمل، فأصغيت لقوله وهبته، ولا أدري من هو، فقيل: إنه بشر
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) قال ابن مسنده بسنده عن يونس بن سليمان البلخي: كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف وكان أبوه شريفا كثير المال والخدم والجنائب والبزاة، بينما إبراهيم يأخذ كلابه وبزاته للصيد وهو على فرسه يركضه، إذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم ما هذا العبث ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] اتق اللَّه وعليك بالزاد ليوم الفاقة، قال: فنزل عن دابته، ورفض الدنيا. تاريخ الإسلام، وفيات [١٦١ - ١٧٠].
(٣) بشر هو الحافي، يأتي الكلام عنه.
[ ١ / ٨٩ ]
الحافي (^١)، فحمَّ وقال: واسوأتاه، كيف ينظر إليَّ بعد اليوم، فحمّ من يومه ومات يوم سابعه.
وعن عبد الواحد بن زيد قال: سألت اللَّه ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فقيل له: رفيقتك فيها ميمونة السوداء، قلت: وأين هي؟ فقيل لي: في بني فلان بالكوفة، فخرجت إليها وسألت عنها، فقالوا: هي مجنونة ترعى غنيمات، فقلت: أريد أن أراها، قالوا: اخرج إلى الجبال، فخرجت، فإذا هي قائمة تصلي، فإذا بين يديها عكاز، وعليها جبة صوف مكتوب عليها: لا تباع ولا تشترى، وإذا الغنم مع الذئاب، فلا الذئاب تأكل الغنم، ولا الغنم تخاف الذئاب، فلما رأتني أوجزت في صلاتها، ثم قالت: ارجع يا ابن زيد، ليس الموعد هاهنا، إنما الموعد ثَمَّ، فقلت لها: من أعلمك بي؟!! فقالت: أما علمت أن "الأرواح جنود مجندة" (^٢) الحديث.
فقلت لها: عظيني، فقالت: واعجبًا لواعظ يوعَظ، إنه بلغني أنه ما من عبد أعطى من الدنيا شيئًا فابتغى إليه ثانيًا إلا سلبه اللَّه حُب الخلوة معه، وأبدله بعد القرب بعدًا، وبعد الأنس وحشة، ثم أنشأت تقول:
يا واعظا قام لاحتساب … يرجو توبا من الذنوب
تنهى وأنت السقيم حقًا … هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا … عيبك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي … موقع صدق من القلوب
تنهى عن الغي والتمادي … وأنت في النهي كالمريب
فقلت لها: إني أرى هذه الذئاب مع الغنم متفقة، فأي شيء هذا؟ قالت: إني أصلحت ما بيني وبينه فأصلحهم.
_________________
(١) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء، أبو نصر المروزي البغدادي الزاهد الكبير المعروف ببشر الحافي، كان عديم النظير، زهدًا وورعًا وصلاحًا، كثير الحديث، إلا أنه كان يكره الرواية ويخاف من شهوة النفس في ذلك، حتى إنه دفن كتبه، وقال أبو بكر المروزي: سمعت بشرًا يقول: الجوع يصفي الفؤاد ويميت الهوى ويورث العلم الدقيق. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٢١ - ٢٣٠].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٤/ ١٦٢]، ومسلم في صحيحه [١٥٩، ١٦٠] في البر والصلة، وأبو داود في سننه [٤٨٣٤]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٩٥، ٥٢٧]، والطبراني في المعجم الكبير [٦/ ٣٢٣]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ١٩٨، ٤/ ١٦٧] والخطيب في تاريخ بغداد [٢/ ٣٢٩، ٤/ ٣٥١]، والبخاري في الأدب المفرد [٩٠٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٠٠٣، ٥٠٠٤]، والزبيدي في الإتحاف [١/ ٧٤، ٦/ ١٨١].
[ ١ / ٩٠ ]