قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١) ففيه توظيفهما به.
وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (^٢) الآية، وهذا تفسير للمعروف.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (^٣) وفيها تسهيل ذلك على النفوس بوعد اللَّه لا غيره بأنه لا يخلفه ولا بد إما بثواب في الآخرة إما برزق غيره وإما بغير ذلك.
وروينا في صحيح مسلم (^٤) من حديث أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ دينار تنفقه في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا (^٥) الذي أنفقته على أهلك".
وروينا فيه من حديث ثوبان مرفوعًا: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على
_________________
(١) سورة البقرة [٢٣٣]. أي وعلى والد الطفل نفقة الرالدات وكسوتهن بالمعروف أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]. "تفسير ابن كثير [١/ ٢٨٣] ".
(٢) سورة الطلاق [٧].
(٣) سورة سبأ [٣٩].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٩ - (٩٩٥)] كتاب الزكاة، [١٢] باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم، وأحمد في مسنده [٢/ ٤٧٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٤٦٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٦١]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٩٣١]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ٣٦٤].
(٥) قال النووي: مقصود الباب الحث على النفقة على العيال وبيان عظم الثواب فيه؛ لأن منهم من تجب نفقته بالقرابة، ومنهم من تكون مندوبة وتكون صدقة وصلة، ومنهم من تكون واجبة بملك النكاح أو ملك اليمين، وهذا كله فاضل محثوث عليه، وهو أفضل من صدقة التطوع، ولهذا قال ﷺ في رواية ابن أبي شيبة: "أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك" مع أنه ذكر قبله النفقة في سبيل اللَّه وفي العتق، والصدقة ورجح النفقة على العيال على هذا كله. "النووي في شرح مسلم [٧/ ٧١] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٣٠٦ ]
عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل اللَّه، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل اللَّه". (^١)
وروينا في الصحيحين من حديث أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول اللَّه هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم؟ قال: "نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم"". (^٢)
وفيه أن في الأولاد أجر النفقة إن كان الطبع يهوى ذلك.
وروينا فيهما من حديث سعد بن أبي وقاص في حديثه الطويل السالف في أوائل الكتاب في النية: "أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أُجِرْتَ بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك"". (^٣)
وروينا فيهما من حديث أبي مسعود البدري مرفوعًا: "إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة". (^٤)
وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع مَن يقوت". (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٨ - (٩٩٤)] كتاب الزكاة، [١٢] باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عهم، وابن ماجه في سننه [٢٧٦٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ١٧٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٦١]، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٧٧، ٢٧٩].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [١٤٦٧] كتاب الزكاة، [٥٠] باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، ومسلم في صحيحه [٤٧ - (١٠٠١)] كتاب الزكاة، [١٤] باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، وأحمد في مسنده [٦/ ٢٩٣، ٣١٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٤٧٨].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٦] كتاب الإيمان، [٤٢] باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، ورقم [١٢٩٥] كتاب الجنائز، [٣٦] باب رثى النبي ﷺ سعد بن خولة، وانظر أرقام [٢٧٤٢، ٣٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣]، ومسلم في صحيحه [٥ - (١٦٢٨)] كتاب الوصية، [١] باب الوصية بالثلث، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٦٨، ٢٦٩]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٦٥]، والزبيدي في الإتحاف [١٠/ ٣٦].
(٤) أخرجه البخاري [٥٥] كتاب الإيمان، [٤٢] باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ورقم [٤٠٠٦]، [٥٣٥١]، ومسلم [٤٨ - (١٠٠٢)] كتاب الزكاة، [١٤] باب ففل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه [١٦٩٢]، وأحمد في مسنده [٢/ ١٦٠، ١٩٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٤٦٧، ٩/ ٢٥]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٤/ ٣٢٥]، والطبراني في المعجم الكبير [١٢/ ٣٨٢].
[ ١ / ٣٠٧ ]
ولمسلم وغيره معناه: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته" (^١)، قلت: ولا تهديد مثله.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم اعط منفقًا خلفًا، ولقول الآخر: اللهم اعط ممسكًا تلفًا". (^٢)
فهذا دعاء للأول ودعاء على الثاني، فما أشرف السخاء دنيا وأخرى "ما نقص مال من صدقة". (^٣)
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يُعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه". (^٤)
ومرار هذه الأحاديث على بيان رتبة الإنفاق وأرجحيته عند التعارض، وحصول الأجر في الأولاد والزوجة، وأنه صدقة، وتحذير المرء أن يضيع من يقوت أو يحبس عنه قوته، والأمر بالبدأة بمن يعول، فليعتن به اللبيب جهده.
_________________
(١) أخرجه سلم في صحيحه [٤٠ - (٩٩٦)] كتاب الزكاة، [١٢] باب فضل النفقة على اليال والمملوك، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٤/ ١٢٢، ٥/ ٨٧].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [١٤٤٢] كتاب الزكاة، [٢٩] باب قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ الآية، ومسلم في صحيحه [٥٧ - (١٠١٠)] كتاب الزكاة، [١٧] باب في المنفق والممسك، والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ١٨٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٤٨]، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة [٩٢٠].
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير [١/ ٥٤]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٣/ ١٠٥]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٢٥٦، ٨/ ٣٩]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ٣٥٩، ٥/ ٣٥].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٤٢٧] كتاب الزكاة، [٢٠] باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومسلم في صحيحه [٩٥ - (١٠٣٤)] كتاب الزكاة، [٣٢] باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة، وأبر داود في سننه [١٦٤٨]، والترمذي في سننه [٢٣٤٣، ٢٤٦٣]، والنسائي [٥/ ٦١ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٢/ ٤، ٦٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ١٧٧، ١٨٠]، وابن أبي شيبة [٣/ ٢١١، ٢١٢]، وعبد الرزاق في مصنفه [٢٠٠٤١]، وابن أبي شيبة [٣/ ٢١١]، والطبراني في المعجم الكبير [٨/ ١٦٤، ١٢/ ١٤٩]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٥٨١].
[ ١ / ٣٠٨ ]