قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١) فأمر بذلك.
وقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية (^٢).
ففيها أن ذلك على التشديد والمقاربة، والنهي عن كل ميل.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا" (^٣).
وفي رواية لهما: "المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها" (^٤).
قوله: "على عوج" هو بفتح العين والواو فيه تكرار الوصية التي لا تُرَدّ، وإقامة العذر بأن الاعوجاج ضروري فيهن، وذاتي لهن، والإياس من واحدة منهن مستقيمة، وأن محاولة الإقامة مجرد عناء، ولا تفضي إلا إلى الكسر، وأن الاستمتاع بهنَّ متأت
_________________
(١) سورة النساء [١٩]. أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيآتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله.
(٢) سورة النساء [١٢٩]. أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك. "تفسير ابن كثير [١/ ٥٦٤] ".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٥١٨٦] كتاب النكاح، [٨١] باب الوصاة بالنساء، ومسلم في صحيحه [٦٠ - (١٤٦٨)] كتاب الرضاع، [١٨] باب الوصية بالنساء، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٢٩٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٢٣٨]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ٣٦٠]، وابن أبي شيبة في مصنفه [٥/ ٢٧٦]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ١٥٦].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٥١٨٤] كتاب النكاح، [٨٠] باب المداراة مع النساء، وقول النبي ﷺ: "إنما المرأة كالضلع"، ومسلم في صحيحه [٦٥ - (١٤٦٨)] كتاب الرضاع، [١٨] باب الوصية بالنساء، وأحمد في مسنده [٦/ ٢٧٩، ٢/ ٤٢٨]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٤/ ٣٠٣]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [٢/ ٤٧].
[ ١ / ٢٩٧ ]
مع ذلك أحسن التأتي، فليستسهل غيره.
وروينا في الصحيحين أيضًا من حديث عبد اللَّه بن زمعة ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يقول وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول اللَّه ﷺ: " ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس: ١٢] انبعث لها عزيز رجل عارم منيع في رهطه" (^١)، ثم ذكر النساء فوعظ فيهن فقال: "يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فعلها يضاجعها من آخر يومه" ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال: "إلام يضحك أحدكم مما يفعل". (^٢)
ومعنى انبعث: قام بسرعة، والعارم: بالعين المهملة والراء: الشرير المفسد، وفيه التنبيه على منافاة مضاجعتهن وملاطفتهن لمجافاتهن وجلدهن والإغلاظ عليهن.
وفيه منع العرامة (^٣) والجراءة على إماء اللَّه، والاستهانة بميثاقهنَّ الغليظ، وهو الموقع في الشقاء والتعب.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر" أو قال: "غيره" (^٤) معنى يفرك: يبغض، يقال فرِكت المرأة زوجها وفرِكها زوجها بكسر الراء يفرَكها بفتحها: أبغضها، وفيه أن المؤمن لا بد وأن يجد في المؤمنة ما يرضيه، فيخبر به ما يكرهه ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وإذا المحب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٩٤٢] كتاب تفسير القرآن، من سورة والشمس وضحاها، ومسلم في صحيحه [٤٩ - (٢٨٥٥)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [١٣] باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، والترمذي في سننه [٣٣٤٣] كتاب تفسير القرآن، باب من سورة والشمس وضحاها، والسيوطي في الدر المنثور [٦/ ٣٥٧].
(٢) تقدم تخريجه قبل هذا، وقال النووي: قوله ﷺ: "عزيز عارم" العارم بالعين المهملة والراء، قال أهل اللغة: هو الشرير المفسد الخبيث، وقيل: القوي الشرس، وقد عرُم بضم الراء وفتحها وكسرها عرامة بفتح العين وعرامًا بضمها فهو عارم وعرم، وفي هذا الحديث النهي عن ضرب النساء لغير ضرورة التأديب، وفيه النهي عن الضحك من الضرطة يسمعها من غيره بل ينبغي أن يتغافل عنها ويستمر على حديثه واشتغاله بما كان فيه من غير التفات ولا غيره، ويظهر أنه لم يسمع، وفيه حسن الأدب والمعاشرة. "النووي في شرح مسلم [١٧/ ١٥٥] ".
(٣) عرم: فلان عرامة: شرس واشتد.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٦١ - (١٤٦٩)] كتاب الرضاع، [١٨] باب الوصية بالنساء، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٢٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٢٩٥]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٠]، والتبريزي في المشكاة [٣٢٤٠].
[ ١ / ٢٩٨ ]
وروينا في جامع الترمذي من حديث عمرو بن الأحوص (^١) الجشمي: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد اللَّه وأثنى عليه، وذكر ووعظ ثم قال: "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم مَنْ تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". (^٢)
معنى عوان: أسيرات جمع عانية بالعين المهملة وهي الأسيرة، والعاني الأسير، شبه رسول اللَّه ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير، والضرب المبرح هو الشاق الشديد. (^٣)
ومعنى فلا تبغوا عليهن سبيلًا: لا تطلبوا طريقًا تحتجون به عليهن، وتؤذوهنَّ به، فقد اشتمل على بيان أمور: أحدها: إن الذي يملكه الزوج حبسها على طاعته ويجب حكمه.
ثانيها: أنه يؤدب بقدر الحاجة من غير تبريح.
ثالثها: أن الإتيان بالفاحشة المبينة، أي التي لا يحتمل التأويل يؤدبن عليه.
رابعها: أن طاعتهن إذا وجدت انتفى السبيل عليهن.
_________________
(١) عمرو بن الأحوص أبو سليمان الجشمي الكيلاني الأزدي، صحابي له حديث في حجة الوداع، أخرج له أصحاب السنن الأربعة. ترجمته: تهذيب التهذيب [٨/ ٢]، تقريب التهذيب [٢/ ٦٥]، الكاشف [٢/ ٣٢٣]، تاريخ البخاري الكبير [٦/ ١٦٩]، الجرح والتعديل [٦/ ٦٤٠]، ميزان الاعتدال [٣/ ٢١٠]، المغني [٤٤٩٩]، تراجم الأحبار [٢/ ٥٥٤]، الوافي بالوفيات [٢٢/ ٥٠٢].
(٢) أخرجه الترمذي في سننه [١١٦٣] كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على الزوج، ورقم [٣٠٨٧] كتاب تفسير القرآن، من سورة التوبة، وابن ماجه في سننه [١٨٥١] كتاب النكاح، [٣] باب حق المرأة على الزوج، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ١٥٦]، والقرطبي في تفسيره [٥/ ١٨٣]، والألباني في إرواء الغليل [٧/ ٩٦].
(٣) قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، وقال الحسن البصري: يعني غير مؤثر، قال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا ولا يؤثر فيها شيئًا. "تفسير ابن كثير [١/ ٤٩٢] ".
[ ١ / ٢٩٩ ]
خامسها: أن الحق المتوجه إليهن هو العفة والصيانة وحفظ الغيب.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث معاوية بن حيدة (^١) قال: "قلت: يا رسول اللَّه، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت "أو اكتسيت" ولا تضرب الوجه ولا تُقبِّح ولا تهجر إلا في البيت" (^٢).
ومعنى لا تقبح: لا تقول قَبَّحَكَ اللَّه، وفيه بيان ما يجب من حقوقهن، ومجامعه الكفاية وكف الأذى بيد أو لسان أو جفاء، فيواسيها بما يسوغ شرعًا ومروءة. وروينا في جامع الترمذي مصححًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم". (^٣)
قلت: وهذا بيان منه ﵇ على الدرجات.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث إياس بن عبد اللَّه بن أبي ذباب قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا تضربوا إماء اللَّه" فجاء عمر إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول اللَّه ﷺ نساء كثيرون يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ: "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم". (^٤)
_________________
(١) معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري، جد بهز بن حكيم، الليثي، صحابي نزل البصرة ومات بخراسان، أخرج له البخاري تعليقًا وأصحاب السنن. ترجمته: تهذيب التهذيب [١٠/ ٢٠٥]، تقريب التهذيب [٢/ ٢٥٩]، الكاشف [٣/ ١٥٦]، تاريخ البخاري الكبير [٧/ ٣٢٩]، الجرح والتعديل [٨/ ٣٧٦]، الثقات [٣/ ٣٧٤]، أسد الغابة [٥/ ٢٠٨، ٢١٤]، الاستيعاب [٣/ ٤١٥، ٤٢٥]، أسماء الصحابة [٧٥]، طبقات ابن سعد [٧/ ٣٥].
(٢) أخرجه أبو داود في سننه [٢١٤٢] كتاب النكاح، باب في حق المرأة على زوجها، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٣٠٥]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥١]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ٢٧٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٢٥٩].
(٣) أخرجه الترمذي [١١٦٢] كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، وأبو داود في سننه [٤٦٨٢] كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٥٠، ٤٧٢]، والحاكم في المستدرك [١/ ٣]، والطبراني في الصغير [١/ ٢١٨]، وابن حبان في صحيحه [١٣١١، ١٩٢٦ - الموارد]، والهيثمي في المجمع [٤/ ٣٠٣]، والمنذري في التركيب والترهيب [٣/ ٤١١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٩/ ٢٤٨].
(٤) أخرجه أبو داود في سننه [٢١٤٦] كتاب النكاح، باب في ضرب النساء، وابن ماجه في سننه [١٩٨٥] كتاب النكاح، [٥١] باب ضرب النساء، والدارمي في سننه [٢/ ١٤٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٣٠٤، ٣٠٥]، والحاكم في المستدرك [٢/ ١٨٨، ١٩١]، وعبد الرزاق في =
[ ١ / ٣٠٠ ]
معنى ذئرن: اجترأن، وأطاف: أحاط، فالذائرات يحتملن ويسامحن، ولا يؤذيهن خيار الناس وأشرافهم، بل شرارهم وأطرافهم.
وروينا في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة". (^١)
قلت: وهذا حسن بالغ، أعنى الخيرية، وتعميم الدنيا بما فيها، ومدار هذه الأحاديث إلى بيان العناية الربانية بهن مع استحالة استقامتهن واستفتاح إهانتهن، وبيان الغرض المثالي والقدر المستفاد بالزواج وما تدعو الضرورة إليه من التأديب، وبيان العدل الواجب لهن، ومرتبة الفضل معهن وإن ذئرن، وبيان النعمة بهن وأشباه ذلك.
_________________
(١) = مصنفه [١٧٩٤٥]، وابن حبان في صحيحه [١٣١٦ - الموارد]، وابن حجر في تلخيص الحبير [٣/ ٢٠٣].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٦٤ - (١٤٦٧)] كتاب الرضاع، [١٧] باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة. والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٤١]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [٤/ ١٠١]، وابن كثير في تفسيره [٧/ ٣٧].
[ ١ / ٣٠١ ]