قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (^١).
وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (^٢).
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (^٣).
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (^٤).
وفي هذه الآيات الأمر بالوفاء وإنكار الخَلْف على ذي إيمان، وتشديد الذم له، وتهديد من نكبه بالمقت عند اللَّه، والمقت أشد البغض، وعند اللَّه أبلغ، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (^٥)، وقال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (^٦).
وقال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (^٧).
وقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (^٨).
وقال: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ (^٩).
وقال: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (^١٠).
_________________
(١) سورة الإسراء [٣٤]. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] أي الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] أي عنه. "تفسير ابن كثير [٣/ ٤٠] ".
(٢) سورة النحل [٩١].
(٣) سورة المائدة [١]. قال ابن كثير: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة: ١] قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني بالعقود العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهد ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره.
(٤) سورة الصف [٢، ٣]. استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقًا سواء ترتب عليه عزم للموعود أم لا، واحتجوا أيضًا من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول اللَّه ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان". "تفسير ابن كثير [٤/ ٣٥٧] ".
(٥) سورة آل عمران [٩].
(٦) سورة إبراهيم [٤٧].
(٧) سورة الكهف [٩٨].
(٨) سورة طه [٩٧].
(٩) سورة الأنبياء [٩].
(١٠) سورة الحج [٤٧].
[ ١ / ٢١٧ ]
وقال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (^١).
وقال: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ (^٢).
وقال: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (^٣).
وقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ (^٤).
وقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (^٥).
وقال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (^٦).
وقال: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (^٧).
وقال: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (^٨).
وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^٩).
وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (^١٠).
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^١١).
وقال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (^١٢).
وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (^١٣).
وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (^١٤) الآية.
وقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ (^١٥) الآية.
وقال: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (^١٦).
وقال: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (^١٧).
_________________
(١) سورة الروم [٦].
(٢) سورة الإسراء [٥].
(٣) سورة الإسراء [١٠٨].
(٤) سورة الذاريات [٥].
(٥) سورة الروم [٦٠].
(٦) سورة الأحقاف [١٦].
(٧) سورة غافر [٧٧].
(٨) سورة القصص [١٣].
(٩) سورة النور [٥٥].
(١٠) سورة الأنفال [٧].
(١١) سورة النساء [٥٨]. ذكر كثير من المفسرين ان هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة حاجب الكعبة المعظمة، وكان أسلم في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسرل اللَّه ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه.
(١٢) سورة البقرة [٢٨٣].
(١٣) سورة المؤمنون [٨].
(١٤) سورة الأحزاب [٧٢].
(١٥) سورة آل عمران [٧٥].
(١٦) سورة الأنفال [٢٧].
(١٧) سورة النساء [١٠٥].
[ ١ / ٢١٨ ]
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (^١).
وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (^٢).
وقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ (^٣) الآية.
وقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ (^٤).
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. (^٥)
وقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (^٦).
وأما الأحاديث فكثيرة نذكر منها ستة أحاديث:
مشتملة على التحذير من إخلافه وغدر العهد، وعلى بيان أهل الوفاء من النبيين والصديقين الذين يرغب أن ينتظم في سلكهم كل لبيب.
أولها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "آية المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (^٧) متفق عليه، زاد مسلم: "وإن صام وصلى وزعم أنه
_________________
(١) سورة النساء [١٠٧].
(٢) سورة الأنفال [٥٨]. يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك، وعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾: أي على مهل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضًا. "تفسير ابن كثير [٢/ ٣٢٧] ".
(٣) سورة الأنفال [٧١].
(٤) سورة يوسف [٥٢].
(٥) سورة الحج [٣٨].
(٦) سورة التحريم [١٠]. قال الثوري بسنده عن ابن عباس في هذه الآية ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه، وقال العوفي عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء، وقال الضحاك عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين. "تفسير ابن كثير [٤/ ٣٩٣] ".
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٣] كتاب الإيمان، [٢٥] باب علامة المنافق، ورقم [٢٦٨٢] كتاب الشهادات، [٢٨] باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن، ورقم [٢٧٤٩] في الوصايا، [٨] باب قول اللَّه - تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، ومسلم في صحيحه [١٠٧ - (٥٩)] كتاب الإيمان، [٢٥] باب بيان خصال المنافق، وأحمد في مسنده [٢/ =
[ ١ / ٢١٩ ]
مسلم" (^١).
ولا تحذير أبلغ من ذلك، فمن يختار أن يكون في رتبة المنافقين التي هي أسفل الدرجات.
ثانيها: حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (^٢) متفق عليه أيضًا.
ثالثها: حديث جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لو قد جاء مال البحرين لأعطينَّك هكذا وهكذا".
فلم يجئ حتى قُبض رسول اللَّه ﷺ فلما جاء، أمر الصديق من كان له عند رسول اللَّه ﷺ عِدَةٌ أو دين فليأتينا، فأتيته وقلت: إن رسول اللَّه ﷺ قال لي كذا وكذا، فحثى لي حثية فعددتها، فإذا هي خمسمائة، فقال: خذ مثلها (^٣) متفق عليه أيضًا.
_________________
(١) = ٣٥٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٨٥، ٢٨٨]، والخطيب في تاريخ بغداد [١٤/ ٧٠].
(٢) سورة أخرجه مسلم في صحيحه [١٠٩ - (٥٩)] كتاب الإيمان، [٢٥] باب بيان خصال المنافق.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٤] كتاب الإيمان، [٢٥] باب علامة المنافق، ورقم [٢٤٥٩] كتاب المظالم، [١٧] باب إذا خاصم فجر، ورقم [٣١٧٨] كتاب الجزية والموادعة، [١٧] باب إثم من عاهد ثم غدر، ومسلم في صحيحه [١٠٦ - ٥٨] كتاب الإيمان، [٢٥] باب بيان خصال المنافق، والترمذي في سننه [٢٦٣٢]، وأحمد في مسنده [٢/ ١٨٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٢٣٠، ١٠/ ٧٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ٢٤]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٩٣]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ٢٣٩]، وقال النووي: وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه -بحمد اللَّه- إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، والذي قاله المحققون والأكثرون، وهو الصحيح المختار: أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم. "النووي في شرح مسلم [٢/ ٤٠] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أخرجه البخاري [٣/ ١٢٦، ٤/ ١١٠، ١١٩]، ومسلم [٦٠ - (٢٣١٤)] كتاب الفضائل، [١٤] باب ما سئل رسول اللَّه ﷺ شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، وأحمد في مسنده [٣/ ٣٠٧]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٩/ ١٤]، والحميدي في مسنده [١٢٣٣]، وقال النووي: قوله: "فقال: خذ مثليها" يعني خذ معها مثليها فيكون الجميع ألفًا وخمسمائة لأن له ثلاث حثيات، وإنما حتى له أبو بكر بيده لأنه خليفة رسول اللَّه ﷺ فيده قائمة مقام يده، وكان له ثلاث حثيات بيد رسول اللَّه ﷺ، وفيه إنجاز العِدَةِ، قال الشافعي والجمهور: إنجازها والوفاء بها =
[ ١ / ٢٢٠ ]
فالصديق وفَّى موعوده، فإنها تُعادل الدين بالنسبة إلى مقامه الغالي.
رابعها: حديث حذيفة قال: "حدثنا رسول اللَّه ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال (^١)، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة" ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: "ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، تراه منتبرًا، وليس فيه شيء (^٢) -ثم أخذ حصى فدحرجه على رجليه- فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل، ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان".
ولقد أتى عليَّ زمان وما أبالي أيَّكُمْ بايعت، لئن كان مسلما ليَرُدَّنَّهُ عليَّ دينه، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليرُدَّنَّهُ علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت لأبايع (^٣) منكم إلا فلانًا وفلانا" (^٤) متفق عليه.
_________________
(١) = مستحب لا واجب وأوجبه الحسن وبعض المالكية. "النووي في شرح مسلم [١٥/ ٦٠] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) الجذر بفتح الجيم وكسرها لغتان، وبالذال المعجمة فيهما وهو الأصل، قال القاضي عياض ﵀: مذهب الأصمعي في هذا الحديث فتح الجيم، وأبو عمرو يكسرها، وأما الأمانة فالظاهر أن المراد بها التكليف الذي كلف اللَّه -تعالى- به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم، قال الإمام أبو الحسن الواحدي ﵀ في قول اللَّه - تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] قال ابن عباس ﵄: هي الفرائض التي افترضها اللَّه -تعالى- على العباد، وقال الحسن: هو الدين، والدين كله أمانة، وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه، وقال مقاتل: الأمانة الطاعة. "النووي في شرح مسلم [٢/ ١٤٣] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) قوله: "كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء" فالجمر والدحرجة معروفان، ونفط بفتح النون وكسر الفاء، ويقال: تنفط بمعناه، ومنتبرًا: مرتفعًا، وأصل هذه اللفظة الارتفاع، ومنه المنبر لارتفاعه لارتفاع الخطيب عليه، وقوله: "ثم أخذ حصى فدحرجه"، ووقع في أكثر الأصول "ثم أخذ حصاة فدحرجه" بإفراد لفظ الحصاة، وهو صحيح أيضًا، ويكون معناه دحرج ذلك المأخوذ أو الشيء وهو الحصاة، واللَّه أعلم. "النووي في شرح مسلم [٢/ ١٤٥] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) قال القاضي عياض وصاحب التحرير: وحمل بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها من المعاقدة والتحالف في أمر الدين، قالا: وهذا خطأ من قائله، وفي الحديث مواضع تبطل قوله؛ منها قوله: "ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا" ومعلوم أن النصراني واليهودي لا يعاقد على شيء من أمور الدين، واللَّه أعلم. "المرجع السابق [٢/ ١٤٥] ".
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٩٧] كتاب الرقاق، [٣٥] باب رفع الأمانة، ومسلم في صحيحه =
[ ١ / ٢٢١ ]
خامسها: حديث حذيفة أيضًا وأبي هريرة "في إتيان الناس يوم القيامة إلى آدم وغيره، إلى أن يأتوا إلى نبينا -صلوات اللَّه وسلامه عليه- فيُؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق" الحديث (^١) رواه مسلم.
سادسها: حديث عبد اللَّه بن الزيير الطويل في صحيح البخاري، وأن والده كان يستودع المال فيقول: لا ولكن هو سلف فإني أخشى عليه الضيعة، فمات وعليه من الدين ألفا ألف، فوافى وقسم الباقي، ورفع الثلث، وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف (^٢).
ونذكر من الحكايات أيضًا ستة:
الأولى: قال بعضهم: كنت بمكة فجاءني رجل من أهل اليمن فقال: جئتك بهدية، ثم قال لرجل كان معه: حدِّث ما كان منك، قال: خرجت من صنعاء حاجًا فشيعني جماعة وقال لي رجل منهم: إذا زرت رسول اللَّه ﷺ فأقرئه مني السلام وعلى سائر الصحابة، قال: فدخلت المدينة ونسيت ذلك، فخرجنا إلى ذي الحليفة لنُحرم، فتذكرت الأمانة، فرجعت إلى المدينة وفعلت ما استودعني، فأدركني الليل ورحلت القافلة فنمت في المسجد، فرأيت رسول اللَّه ﷺ فقال: هذا أبو الوفا وأخذ بيدي فوُضعت بمكة، فأقمت زمانًا حتى وردت رفقتي.
الثانية: عن إبراهيم بن أدهم أنه حج، فبينما هو في الطواف، وإذا بشاب حسن قد أعجب الناس حسنه وجماله، فجعل إبراهيم ينظر إليه ويبكي، فقال بعض
_________________
(١) = [٢٣٠ - (١٤٣)] كتاب الإيمان، [٦٤] باب رفع الأمانة والإيمان من يحض القلوب، وعرض الفتن على القلوب، والترمذي [٢١٧٩] كتاب الفتن، باب ما جاء في رفع الأمانة، وأحمد في مسنده [٥/ ٣٨٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١٢٢]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٢٧١، ٨/ ٢٥٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٤]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٣٨١]، وأبو عوانة في مسنده [١/ ٥٢]، والحميدي في مسنده [٤٤٦].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٢٩ - ١٩٥] كتاب الإيمان، [٨٤] باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، قوله ﷺ: "وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط قال النووي: وأما إرسال الأمانة والرحم فهو لِعِظَمِ أمرهما وكبير موقعهما، فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها اللَّه -تعالى-، وقال صاحب التحرير: في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما تقومان لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما. "النووي في شرح مسلم [٣/ ٦٠] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) انظر الحديث بطوله في صحيح البخاري [٣١٢٩] كتاب فرض الخمس، [١٣] باب بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًا مع النبي ﷺ وولاة الأمر.
[ ١ / ٢٢٢ ]
أصحابه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، غفلة دخلت على الشيخ بلا شك، ثم قال: يا سيدي ما هذا النظر الذي يخالطه البكاء؟ فقال له إبراهيم إني عقدت مع اللَّه عهدًا لا أفسخه، هذا الفتى ولدي تركته صغيرًا فارًّا إلى اللَّه، وإني لأستحي أن أعود إلى شيء خرجت عنه، وأنشدوا:
ولا عرضت لى نظرة مذ عرفته … مدى الدهر إلا كان لي حيث أنظر
أغار على طرفي له فكأنني … إذا رام طرفي غيره لست أبصر
أيا منتهى سؤلي وذخري (^١) وعدتي … ودادك في قلبي إلى يوم أُحشر
ثم قال لي: امض وسلم عليه لعلي أتسلى بسلامك عليه، وأبرد نارًا على كبدي، فأتيته وقلت: بارك اللَّه فيك لأبيك، قال: يا عم وأين أبي؟ إنه خرج فارًا إلى اللَّه، ليتني أراه ولو مرة واحدة، وتخرج نفسي عند ذلك، هيهات، وخنقته العبرة، وقال: واللَّه أود لو أني رأيته وأموت في مكاني، ثم بكى وأنشد:
لقد حكم الزمان عليَّ حتى … يراني في هواك كما تراني
حبيبي إن بعدت فإن قلبي … على مرّ الزمان إليك دابي
وإن بعدت ديارك عن دياري … فشخصك ليس يبرح عن عياني
لقد أسكنت حبك في فؤادي … مكانا ليس يعرفه جناني
كأنك قد ختمت على ضميري … فغيرك لا يمر على لساني
ثم رجعت إلى إبراهيم وهو ساجد وقد بل الحصى بدموعه وهو يتضرع للَّه ويقول:
هجرت الخلق طرًا (^٢) في رضاكا … وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحب إربًا … لما سكن الفؤاد إلى سواكا
قال: فقلت: ادع اللَّه له، فقال: حجبه اللَّه عن معاصيه وأعانه على ما يرضيه.
الثالثة: عن يوسف بن الحسين قال: بلغني أن ذا النون يعلم اسم اللَّه الأعظم (^٣) فخرجت من مكة قاصدًا إليه حتى وافيته في جزيرة مصر، فأول ما بصرني
_________________
(١) ذخر الشيء ذُخرًا وذَخرًا: جمعه وحفظه لوقت الحاجة إليه.
(٢) طرَّ طرًّا وطرورًا: كان طريرًا ذا رواه وجمال، والطرَّة ما تتزين به المرأة من الشعر الموفى على جبهتها بالقص والتصفيف.
(٣) روى أبو داود في سننه [١٤٩٣] عن بريدة أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: "لقد سألت اللَّه باسمه الذي إذا سُئِلَ به أعطى، وإذا دعي به أجاب" وفيه برقم [١٤٩٥] عن أنس أنه =
[ ١ / ٢٢٣ ]
رآني طويل اللحية، وفي يدي ركوة كبيرة متزرًا بمئزر، وعلى كتفي مئزر، وفي رجلي (تاسوتة) (^١)، فاستشنع منظري، فلما سلمت عليه كأنه ازدراني، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة ناظره شخص، فاستظهر عليه، فقمت وقطعته، ثم دققت حتى لم يفهم كلامي، فعجب مني وأكرمني، فصحبته سنة، فطلبت منه تعليمي الاسم الأعظم فلم يجبني، وأوهم أنه ربما علمني، فلما كان بعد ستة أشهر بعث معي حاجة الى شخص في طبق عليه (مكبة) (^٢) مشدود بمنديل، فاستخففته، فكشفته، فإذا فيه فأرة هربت، فغضبت ثم رجعت، فلما رآني تبسم وقال: يا مجنون؛ ائتمنتك على فأرة فخنتني، فكيف أأتمنك على اسمه الأعظم؟ اذهب عني.
الرابعة: عن بعضهم قال: دخلت الخلوة أيام بدايتي، وعاهدت اللَّه أن لا آكل شيئًا إلا بعد أربعين يومًا، فمكثت نيفًا وعشرين، واشتدت بي الفاقة، فخرجت ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في السوق، وإذا بفقير يتمنى رغيف حواري (^٣) -أي أبيض- ورطل شوي، ورطل حلوى، فاستثقلته، فحصل ذلك له فأعطانيه، وأمسك بأذني وقال: من هو الثقيل؟ الذي نقض العهد وخرج من الخلوة لأجل الشهوة، أو الذي يطلب من الطيبات المعاش ما يرد عليه القوة والحواس، ثم قال: إن الذي يريد طي الأربعين يطويها على التدريج وإلا ثار عليه كَلِبَ الجوع وهاج، ثم لا يعود إلى هذا المذهب، وتركني وذهب.
الخامسة: عن بعضهم أنه عقد مع اللَّه عقدًا أن لا ينظر إلى مستحسنات الدنيا، فمر يومًا بسوق الصرف، فنظر إلى منطقة (^٤) معلقة وأطال النظر فرآه صاحبها، ثم التفت فلم يرها، فأمسكه وقال: أنت سرقتها، وأنت صوفي، فحلفت أني لم آخذ شيئًا، فحمل إلى الأمير وقال: هذا فعال الصالحين؟ فحلفت ثانيًا، فقال رجل من الحاضرين: جردوه، فإذا هي في وسطه، فصرخ الأمير وغشي عليه، فلما أفاق أخبره الخبر، ثم ولى وهو يقول:
يا عدتي في شدتي … إن لم تكن أنت فمن
_________________
(١) = كان مع رسول اللَّه ﷺ جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ: "لقد دعا اللَّه ﷿ باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى".
(٢) و(^٢) كذا بالأصل.
(٣) الحواري: الخالص المنقى من كل عيب.
(٤) المنطقة: ما يشد به الوسط، والنطاق: حزام يشد به الوسط، وإزار تلبسه المرأة تشده على وسطها أثناء العمل.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ينقذني من الردى (^١) … يا صاحب الفعل الحسن
طوبى (^٢) لمن بات بكم … مشرَّدًا بلا وطن
السادسة: عن بعضهم قال: كنت بالمصِّيصة، فإذا رجلان يتكلمان في الخلوة مع اللَّه تعالى، فلما أرادا أن ينصرفا قال أحدهما للآخر: تعال نجعل لهذا العلم ثمرة، ولا يكون حجة علينا، فقال: اعزم ما شئت، قال: عزمت على أن لا آكل ما لمخلوق مال فيه صنع، قال: فتبعتهما وقلت: أنا معكما، فقالا: على الشرط؟ قلت: نعم، فصعدا جبل لكام ودلاني على كهف وقالا لي: تعبد فيه، فدخلت فيه وجعل كل واحد يأتي بما قسم اللَّه، وبقيت مدة فقلت: إلى متى أقيم هنا؟ أنا أسير إلى طرسوس وآكل من حلال، وأعلم الناس العلم وأقرأ القرآن، فخرجت ودخلتها، وأقمت بها سنة، فإذا برجل منهما واقف علي يقول: يا فلان خُنت في عهده، ونقضت الميثاق، أما إنك لو صبرت كما صبرنا لوهب لك كما وهب لنا، قلت: ما هو؟ قال: ثلاثة أشياء: طي الأرض من المشرق إلى المغرب بقدم واحد، والمشي على الماء، والحجبة إذا (سا) (^٣) ثم احتجب عني فقلت: بالذي وهب لك هذا الحال إلا ما ظهرت لي فقد شوقت قلبي، فظهر وقال: سل، فقلت: هل لي إلى ذلك الحال عودة، فقال: هيهات، لا يؤتمن الخائن، ثم أنشأ يقول:
من سارروه فأبدى السر مشتهرًا … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وأبعدوه ولم يسعد بقربهم … وأبدلوه ما كان الأسر إحياشا
ومن أتاهم فهم لا يحجبوه به … حاشا ودادهم حاشاهم حاشا
لكن لهم وبهم في كل نابية … إليهم ما بقيت الدهر هشاشا
_________________
(١) الردى: الهلاك.
(٢) الطوبى: الحسنى والخير، وفي القرآن ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد].
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ٢٢٥ ]