وحقيقته الاعتماد على اللَّه لشهوده تفرده بالتدبير والتأثير، وأن لا حول ولا قوة إلا به، ويترتب عليه التفويض دون الإضاعة، وخلع الأسباب دون إسقاطها، والثقة باللَّه دون الغرة به عجزًا وحمقًا، والسكون إلى اللَّه دون مساكنة السبب، ومناولة الرضا بالقدر (^١)، والاتصاف بذلك كله حالًا وذوقًا، ودعاء الاستخارة (^٢) جامع لوظائف المتوكل الثلاث، وهي: العلم، والحال، والعمل، فليحتفل به.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ (^٣).
فلما رأوا الوقائع قوي إيمانهم، وأناطت الدوافع.
وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (^٤) الآية.
فلما سمعوا التهويل زادهم، وألهجهم بالحسبلة والتسليم، فعقب ذلك الجميل.
وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (^٥).
_________________
(١) مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن اللَّه ﵎ قدر الأشياء في القدر وعلم -سبحانه- أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾ وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾ وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه ﷾ لم يقدرها ولم يتقدم علمه ﷾ بها، وأنها مستأنفة العلم، أي إنما يعلمها ﷾ بعد وقوعها، وكذبوا على اللَّه ﷾ وجل عن أقوالهم الباطلة علوًا كبيرًا. النووي في شرح مسلم [١/ ١٣٨]. طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) دعاء الاستخارة رواه البخاري [١١٦٢، ٦٣٨٢] وفيه عن جابر قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به" قال: ويسمي حاجته".
(٣) سورة الأحزاب [٢٢].
(٤) سورة آل عمران [١٧٣].
(٥) سورة الفرقان [٥٨].
[ ١ / ١٠٨ ]
وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^١) أي لا يتوكلون على غيره.
وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٣) فأُمر به.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (^٤).
وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٥) أي كافيه.
وقال: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (^٦) فالتوكل شأنهم.
وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٧).
وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ (^٨).
وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^٩).
وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ (^١٠).
وقال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (^١١).
وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (^١٢).
وقال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^١٣).
وقال: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ (^١٤) الآية.
وقال: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (^١٥).
وأما الأحاديث فكثيرة، نذكر منها أحد عشر حديثًا:
أولها: حديث ابن عباس: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب" قيل: ومن هم؟ قال: "الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم
_________________
(١) سورة آل عمران [١٦٠]، المائدة [١١]، التوبة [٥١].
(٢) سورة المائدة [٢٣].
(٣) سورة آل عمران [١٥٩].
(٤) سورة آل عمران [١٥٩].
(٥) سورة الطلاق [٣].
(٦) سورة الأنفال [٢]، النحل [٤٢]، العنكبوت [٥٩].
(٧) سورة الأنفال [٤٩].
(٨) سورة يونس [٨٤، ٨٥].
(٩) سورة يوسف [٦٧].
(١٠) سورة الشعراء [٢١٧].
(١١) سورة النمل [٧٩].
(١٢) سورة الأحزاب [٣].
(١٣) سورة الزمر [٣٨].
(١٤) سورة الممتحنة [٤].
(١٥) سورة المزمل [٩].
[ ١ / ١٠٩ ]
يتوكلون" (^١) أخرجاه.
ثانيها: حديثه أيضًا: أنه ﵇ كان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" (^٢) أخرجاه أيضًا.
ثالثها: حديث جابر في الأعرابي الذي اخترط (^٣) السيف، وقال: من يمنعك مني؟ قال: "اللَّه"، زاد الإسماعيلي في صحيحه: فسقط السيف من يده، فأخذه رسول اللَّه ﷺ فقال: "ومن يمنعك مني؟ " فقال: كن خير آخذ، قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه" فقال: لا، ولكني أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس. (^٤)
رابعها حديث ابن عباس قال: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل. رواه البخاري (^٥).
وفي رواية له: إنها آخر كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار. (^٦).
خامسها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يدخل الجنة من أمتي أقوام أفئدتهم مثل
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٤١] كتاب الرقاق، [٥٠] باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، ومسلم في صحيحه [٣٧١ - (٢١٨)] كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٣٨٥] كتاب التوحيد، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، ومسلم في صحيحه [٦٨ - (٢٧١٧)] كتاب الذكر والدعاء، [١٨] باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، وأحمد في مسنده [٣/ ٣٠٢، ٣٠٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٢]، والطبراني في المعجم الكبير [١١/ ٤٣، ٤٥، ٥١].
(٣) اخترط السيف: استله من غمده.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده [٣/ ٣٦٥]، والحاكم في المستدرك [٣/ ٣٩]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٣٠٥]، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح [٧/ ٤٢٦].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٥٦٣] كتاب تفسير القرآن، [١٣] باب ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية، وأحمد في مسنده [١/ ٣٢٦]، والطبراني في المعجم الكبير [١٢/ ١٢٨]، والسيوطي في الدر المنئور [٢/ ١٠١، ٥/ ٣٣٨]، والخطيب في تاريخ بغداد [١١/ ٨٦]، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة [١٠٧٩].
(٦) أخرجه البخاري [٤٥٦٤] كتاب تفسير القرآن، [١٣] باب ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية.
[ ١ / ١١٠ ]
أفئدة الطير" (^١) رواه مسلم.
قيل معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة، فشبّه فؤاد المتوكل بأفئدة الطير، لخلوها من الاهتمام بالرزق، ومحله القلب.
سادسها: حديث عمر مرفوعًا: "لو أنكم تتوكلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدوا خماصًا (^٢) وتروح بطانا". رواه الترمذي (^٣) وحسنه.
ومعناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع، وتروح بطانًا أي ترجع مليئة البطون.
سابعها: حديث البراء مرفوعًا: "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا" (^٤) أخرجاه، وفي رواية لهما: "واجعلهما آخر ما تقول".
ثامنها: حديث الصديق ﵄: "نظرت إلى أقدام المشركين، ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول اللَّه، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللَّه ثالثهما" أخرجاه (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٧ - (٢٨٤٠)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [١١] باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٣١]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٦٢٥]، والقرطبي في تفسيره [١٣/ ١١٥].
(٢) خمص الجوع فلانًا خمصًا وخموصًا: أدخل بطنه في جوفه، وخمُصَ بطنُهُ خمصًا: خلا وضمر.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣٤٤] كتاب الزهد، باب التوكل على اللَّه، وأحمد في مسنده [١/ ٣٠]، وابن المبارك في الزهد [١٩٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٢٩٩]، والسيوطي في الدر المنثور [٦/ ٢٣٤]، والزبيدي في الإتحاف [٩/ ٣٨٨]، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة [٣١٠].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٣١٣] كتاب الدعوات، [٧] باب ما يقول إذا نام، ومسلم في صحيحه [٥٦ - (٢٧١٠)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [١٧] باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، وأبو داود في سننه [١٤٤٨]، وابن ماجه في سننه [١٢٤٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ١٩٧، ١٩٨]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٣٩، ٢٥٥]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٤٨٦].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٦٥٣] كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، [٢] باب مناقب المهاجرين وفضلهم، ومسلم في صحيحه [١ - (٢٣٨١)] كتاب فضائل الصحابة، [١] باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵄، وأحمد في مسنده [١/ ٤]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٤/ ٣٣٣]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٦٨].
[ ١ / ١١١ ]
تاسعها: حديث أم سلمة: أنه ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: بسم اللَّه توكلت على اللَّه، اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضَلَّ، أو أذل أو أذل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليَّ" (^١) رواه أبو داود والترمذي وصححه.
عاشرها: حديث أنس مرفوعًا: "من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم اللَّه توكلت على اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، يقال له: كُفيت ووُقيت، وتنحى عنه الشيطان" رواه أبو داود والترمذي وصححه. (^٢).
وفي أبي داود: "فيقول -يعني الشيطان- لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ ".
الحادي عشر: حديثه أيضًا قال: "كان أخوان على عهد رسول اللَّه ﷺ، فكان أحدهما يأتي رسول اللَّه ﷺ، والآخر يحترف، فشكى المحترف أخاه إلى الرسول ﷺ فقال: "لعلك ترزق به" (^٣) رواه الترمذي بإسناد على شرط مسلم.
ولنذكر من الحكايات ما يليق بهذا الموطن:
الأولى: عن عبد الواحد بن زيد قال: كنا في مركب، فطرحتنا الريح إلى جزيرة، وإذا فيها رجل يعبد صنمًا، فقلنا له: من تعبد؟ فأومأ إليه، فقلنا: إن إلهك هذا مصنوع، عندنا من يصنع مثله، ما هذا بإله يُعبد، فقال: أنتم من تعبدون؟ قلنا: نعبد الذي في السماء عرشه، وفي الأرض بطشه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه، تقدست أسماؤه، وجلت عظمته وكبرياؤه، قال: وما علمكم بهذا؟ قلنا: وَجَّه إلينا الملك رسولا كريمًا فأخبرنا بذلك، قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: لما أدى الرسالة قبضه الملك إليه، واختار له ما لديه، قال: فهل ترك عندكم من علامة؟ قلنا: نعم؛ ترك عندنا كتاب الملك، قال: فأروني كتابه، فإنه ينبغي أن تكون كتب الملوك حسانًا، فأتيناه بالمصحف، فقال: ما أعرف هذا، فقرأنا عليه سورة، فلم يزل يبكي حتى ختمناها، فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يُعصى، ثم أسلم وحسن إسلامه، وعلمناه شرائع الدين وسورًا من القرآن، فلما كان الليل صلينا العشاء،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه [٥٠٩٤، ٥٠٩٥]، والترمذي [٣٤٢٧]، وابن ماجه [٣٨٨٥]، وأحمد في مسنده [٦/ ٣٠٦، ٣١٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٢٥١]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٢٨١، ٥١٩].
(٢) أخرجه أبو داود في سننه [٥٠٩٥]، والترمذي [٣٤٢٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٢٥١]، والزبيدي في الإتحاف [٤/ ٣٢٦].
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣٤٥]، والحاكم في المستدرك [١/ ٩٤]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٣٠٨]، وابن حجر في تلخيص الحبير [٢/ ٩٧].
[ ١ / ١١٢ ]
وأخذنا مضاجعنا، فقال: يا قوم هذا الملك الذي دللتموني عليه ينام إذا جنَّهُ الليل؟ قلنا: لا، هو حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، قال: فبئس العبيد أنتم؛ تنامون ومولاكم لا ينام، فأعجبنا كلامه، فلما قدمنا عبادان، قلت لأصحابي: هذا قريب العهد بالإسلام، فجمعنا له دراهم وأعطيناه، فقال: ما هذا، لا إله إلا اللَّه، دللتموني على طريق لم تسلكوها، إذا كنت في جزيرة من جزائر البحر أعبد صنما من دونه، فلم يضيعني، وأنا لا أعرفه، أفيضيعني الآن وأنا أعرفه؟!! فلما كان بعد ثلاثة أيام قيل لي: إنه في الموت فأتيته، فقلت له: هل لك من حاجة؟ قال: قد قضى حوائجي من جاء بكم إلى الجزيرة، فغلبتني عيني، فرأيت روضة خضراء بها قبة، وفي القبة سرير وعليه جارية حسناء لم يُر أحسن منها، وهي تقول: باللَّه إلا ما عجلتم به إليّ، فقد اشتد شوقي إليه، فاستيقظت فإذا به قد فارق الدنيا، فغسلته وكفنته وواريته في التراب، فلما كان الليل رأيته في منامي في تلك القبة، وهو إلى جانب الجارية، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] الآية.
الثانية: قال عبد اللَّه بن أبي نوح: لقيت رجلا من العبَّاد في بعض الجزائر منفردًا، فقلت: يا أخي ما تصنع هنا وحدك، أما تستوحش؟ فقال: الوحشة في غير هذا الموضع أعم، قلت: كم أنت هاهنا؟ قال: منذ ثلاثين سنة، قلت: من أين المطعم؟ قال: من عند المنعم، قلت: فما هنا بالقرب منك شيء تعول عليه إذا احتجت إلى المطعم، ورجعت إليه؟ قال: ما همك بما قد كفيته، وضُمن لك؟ قلت: أخبرني بأمرك؟ قال: ما لي أمر غير ما ترى؛ أظل في هذا الليل، وهذا النهار متوكلا على من لا تأخذه سنة ولا نوم، ثم صاح صيحة أفزعتني فوثبت، وسقط مغشيًا عليه، فتركته على تلك الحالة ومضيت، رحمه اللَّه تعالى، ونفعنا به.
وأنشدوا في هذا المعنى:
حقيقة العبد عندي في توكله … سكوت أحشائه عن كل مطلوب
وإن تراه لكل الخلق مُطَّرحًا … يصون أسراره عن كل محبوب
الثالثة: حكى الأصمعي -رحمه اللَّه تعالى- قال: أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة، فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي على قعود متقلدًا سيفه، وبيده قوس، فدنا وسلم، وقال لي: من الرجل؟ قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟! قلت: نعم، قال: اتل عليَّ شيئًا منه، فقلت له: انزل عن قعودك، فنزل، فابتدأت سورة والذاريات، حتى انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ
[ ١ / ١١٣ ]
وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^١) قال: يا أصمعي، هذا كلام الرحمن ﷿؟ قلت: إي والذي بعث محمدا ﷺ للخلق، إنه لكلام الرحمن، أنزله على نبيه محمد ﷺ فقال: حسبك، ثم قام إلى راحلته فنحرها، وقطعها بجلدها، وقال: أعني على تفريقها، ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرها، وجعلهما تحت الرمل، وولى مدبرًا نحو البادية وهو يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^٢) فأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم لا تنتبهي لما انتبه له الأعرابي، فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة، فبينا أنا طائف بالكعبة، إذا هتف بي هاتف بصوت رقيق، فالتفت فإذا بالأعرابي نحيل مصفار، فسلم عليّ، وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام، وقال لي: اتل كلام الرحمن، فأخذت في سورة والذاريات، فلما انتهيت إلى قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] صاح الأعرابي، وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، ثم قال: وغير هذا، قلت: نعم؛ يقول اللَّه ﷿: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (^٣) فصاح الأعرابي: من أغضب الجليل حتى حلف، ألم يصدقوه حتى ألجأوه إلى اليمين؟!! قالها ثلاثا، فخرجت نفسه - رحمه اللَّه تعالى.
الرابعة: عن بشر الحافي ﵀ أنه جاء نفر فسلموا عليه، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن من الشام، جئنا نسلم عليك، ونريد الحج، فقال: شكر اللَّه لكم، فقالوا: نخرج معك لنحج في صحبتك، فأبى، فألحوا عليه، فقال: إذا عزمتم على ذلك فيكون بثلاثة شروط، قالوا: وما تلك الشروط؟ قال: لا نحمل معنا شيئًا، ولا نسأل أحدًا شيئًا، وإن أعطينا لا نقبل، قالوا: لا نستطيع ذلك، فقال: كأنكم خرجتم من بيوتكم متوكلين على مزاود الحجاج، لا متوكلين على اللَّه، دعوني وحالي، وروحوا إلى أشغالكم، ثم قال: أحسن الفقر ثلاثة: فقير لا يسأل، وإن أعطي لا يأخذ، فذاك من الروحانيين، أو قال: مع الروحانيين، وفقير يسأل وإن أعطي لا يأخذ، قيل قدر الكفاية، فكفايته صدقة، وفقير لا يسأل، وإن أعطي قبل فذاك من الذين يوضع لهم موائد في حضرة القدس.
فائدة: قيل: دخل جماعة على أبي القاسم الجنيد (^٤) -رحمه اللَّه تعالى- فقالوا
_________________
(١) سورة الذاريات [٢٢].
(٢) سورة الذاريات [٢٢].
(٣) سورة الذاريات [٢٣].
(٤) الجنيد بن محمد بن الجنيد، أبو القاسم النهاوندي الأصل البغدادي القواريري الخزاز، وقيل كان أبوه قواريريًا يعني زجاجًا، وكان هو خزازًا، كان شيخ العارفين وقدوة السائرين وعلم الأولياء في زمانه -رحمة اللَّه عليه- ولد ببغداد بعد [٢٢٠] فيما أحسب أو قبلها، ونفقه على أبي ثور، واختص بصحبة السري السقطي والحرمي وأبي حمزة البغدادي، وأتقن العلم، وتوفي سنة [٢٩٨]. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٩١ - ٣٠٠].
[ ١ / ١١٤ ]
له: نطلب أرزاقنا؟ فقال: إن علمتم أين هي فاطلبوها، فقالوا: نسأل اللَّه ذلك، فقال: إن علمتم أنه ينساكم فاذكروه، فقالوا ندخل بيوتنا ونتوكل، فقال: التجربة مع اللَّه شك، قالوا: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة.
الخامسة: عن بعضهم قال: رأيت فتى في طريق مكة يتبختر في مشيته، كأنه في صحن داره، فقلت له: ما هذه المشية؟ فقال: مشية الفتيان؛ خُدَّام الرحمن.
وأنشدوا:
أتيه بك افتخارًا غير أني … أتيه من المهابة عند ذكرك
ولو أني قدر لمُت شوقًا … وإجلالا لأجل عظيم قدرك
فقلت: أين زادك وراحلتك؟ فنظر إليَّ منكرًا لقولي، ثم قال: يا هذا رأيت عبدًا ضعيفًا قصد مولى كريمًا، ثم حمل إلى بيته طعاما، أيجمل به ذلك لو فعل ذلك لأمر الخدَّام بطرده عن بابه؛ إن المولى -جلّت قدرته- لما دعاني إلى المقصد إليه، رزقني حُسن التوكل عليه، ثم غاب عني، فما رأيته بعد ذلك رحمة اللَّه عليه.
السادسة: حكي أن عابدًا اعتكف في مسجد، ولم يكن له معلوم، فقال له الإمام: لو اكتسبت لكان خيرًا لك وأفضل، فلم يجبه حتى أعاد عليه القول ثلاثًا، فقال له في الرابعة: بجوار المسجد رجل يهودي قد ضمن لي في كل يوم رغيفين، فقال: إن كان صادقًا في ضمانه فقعودك في المسجد خير لك، فقال: يا هذا، لو لم تكن إماما بين اللَّه -تعالى- وبين عباده مع هذا النقص في التوحيد لكان خيرًا لك؛ تفضل ضمان اليهودي على ضمان اللَّه ﷿ وأنشدوا في هذا المعنى لعلي بن أبي طالب ﵄:
لتطلب رزق اللَّه من عند غيره … وتصبح من خوف العواقب آمنًا
وترضى بصراف وإن كان مشركا … ضمينا ولا ترضى بربك ضامنا
السابعة: عن علي بن عبدان ﵀ قال: كان عندنا مجنون يُجنُّ بالنهار، ويفيق بالليل، ويصلي وينادي ربه إلى الصباح، فقلت له يومًا: منذ كم جننت؟ قال: مذ عرفته، ثم أنشد يقول:
أنا الذي ألبسني سيدي … لما تعريت لباس الوداد
فصرت لا آوي إلى مؤنس … إلا إلى ممالك رزق العباد
قال: فخرجت فإذا به ذاهب العقل، فدخل وقال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (^١)، فقلت: إنه جائع، فقدمت له طعاما، فأكل ثم شرب، فأنشأ يقول:
_________________
(١) سورة الكهف [٦٢].
[ ١ / ١١٥ ]
عليك اتكالي لا على الناس كلهم … وأنت بحالي عالم ليس تعلم
وأقسمت أني كلما جعت سيدي … ستفتح لي بابًا فأُسقى وأطعم
فقلت له: أوصني بوصية، فأنشأ يقول:
الزم الخوف مع الحزن … وتقوى اللَّه تربح
واترك الدنيا جميعًا … إن تقوى اللَّه أرجح
واجتهد في ظلمة الليل (^١) … إذا ما الليل أجنح
واقرع الباب إليه … فلعل الباب يفتح
الثامنة: قال بنان الحمال -رحمه اللَّه تعالى-: كنت في طريق مكة ومعي زاد، فجاءتني امرأة وقالت: يا بنان أنت حمال تحمل على ظهرك، وتظن أنه لا يرزقك؟ قال: فرميت بزادي، ثم أتى عليّ ثلاثة أيام لم آكل، فوجدت خلخالا في الطريق، فقلت في نفسي: أحمله حتى تأتي صاحبته، فربما تعطيني شيئًا، فإذا بتلك المرأة فقالت: أنت تاجر تقول: حتى تجيء صاحبته، وآخذ منها شيئًا، ثم رمت إليّ بشيء من الدراهم وقالت: انفقها، فاكتفيت بها إلى قريب مصر.
وأنشدوا:
كم من قوي قوى في تقلبه … مميز الرأي عنه الرزق منحرف
وكم ضعيف ضعيف في تقلبه … كأنه من ملح البحر يغترف
هذا دليل على أن الإله له … في الخلق سرٌّ خفي ليس ينكشف
التاسعة: حكي عن الشيخ أبي يعقوب البصري -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: جُعت مرة في الحرم عشرة أيام، فوجدت ضعفًا، فحدثتني نفسي أن أخرج إلى الوادي، لعلي أجد شيئًا يسكن به ضعفي، فخرجت فإذا سلجمة مطروحة فأخذتها، فوجدت منها في قلبي وحشة، وكأن قائلا يقول لي: جعت عشرة أيام فآخره يكون حظك سلجمة (^٢) مطروحة متغيرة، فرميت بها ودخلت المسجد، فقعدت فإذا برجل جاء فجلس بين يدي، فوضع قمطرة وقال: هذا لك، فقلت: كيف خصصتني بها؟ قال: اعلم أنا كنا في البحر منذ عشرة أيام، فاشرفت السفينة على الغرق، فنذر كل
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه [١٦٦ - (٧٥٧)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [٢٣] باب في الليل ساعة متجاب فيها الدعاء، عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن في الليل لساعة لا يرافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه، إياه وذلك كل ليلة".
(٢) السَّلجم: اللّفت، واحدته سلجمة.
[ ١ / ١١٦ ]
واحد منا نذرًا إن خلصنا اللَّه أن نتصدق بها أول من يقع بصري عليه من المجاورين، وأنت أول من لقيته، قلت: افتحها، فإذا فيها كعك من سميد (^١) مصر، وقلب لوز وسكر، فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا، وقلت: رد الباقي إلى صبيانك هدية مني إليهم، وقد قبلتها، ثم قلت في نفسي: رزقك يسير إليك منذ عشرة أيام، وأنت تطلبه من الوادي؟!!
وأنشدوا:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي … إن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلبه … ولو قعدت أتاني لا يعنيني
العاشرة: حكي أن عابدا من عباد الحرم كان يأتيه رجل كل ليلة بقرصين يفطر عليهما ولا يشتغل بغير اللَّه ﷿ فقالت له نفسه: سكنت في القوت إلى هذا المخلوق، ونسيت رازق المخلوقين، ما هذه الغفلة!! فلما أتاه الرجل بالقرصين ردهما عليه، وانصرف عنه، وبقي الفقير ثلاثة أيام لم يفتح عليه بشيء من القوت، فشكى ذلك إلى ربه ﷿ فرأى تلك الليلة في النوم أنه واقف بين يدي اللَّه تعالى، فقال: يا عبدي، لم رددت ما أرسلت به إليك مع عبدي؟ فقال: يا رب، لما قام في نفسي من السكون إلى غيرك، فقال: يا عبدي، فمن أرسله إليك؟ قال: أنت يا رب، قال: وكنت تأخذ من مَنْ؟ قال: منك، قال: خذ ولا تعد، ثم رأى الرجل المتصدق كأنه واقف بين يدي اللَّه ﷾ فقال له: يا عبدي، لم منعت عبدي قوته؟ قال: يا رب قد علمت ذلك، قال: يا عبدي، أنت لمن تعطي؟ قال: لك يا رب، قال: فأجري الفقير على عادته وأبقه على عادتك، وثوابك الجنة.
وأنشدوا:
وكل جميل أو جمال فجوده … وصنعته عن حكمة ذات إتقان
فلا نعمة إلا ومن عنده أتت … إليك وإن جاءتك من عند إنسان
الحادية عشر: عن إبراهيم بن بشار (^٢) -رحمه اللَّه تعالى- قال: كنت مع إبراهيم بن أدهم ﵀ في سفره وليس معنا شيء نفطر عليه، ولا لنا حيلة،
_________________
(١) السّميد: السميذ، وهو لباب الدقيق.
(٢) إبراهيم بن بشار الخراساني الصوفي، صاحب إبراهيم بن أدهم طال عمره، وبقي إلى بعد الثلاثين ومائتين، روي عن إبراهيم بن أدهم وحماد بن زيد والفضيل بن عياض، روى عنه: أحمد بن عون البزوري، وإبراهيم بن نصر المنصوري، وأبو العباس السراج، وذكره ابن حبان في الثقات، قال الدارقطني: تأخرت وفاته. انظر تاريخ الإسلام، وفيات [٢٣١ - ٢٤٠].
[ ١ / ١١٧ ]
قال: فرآني الشيخ مغتمًا حزينًا فقال: يا ابن بشار، ماذا أنعم اللَّه على الفقراء والمساكين من النعم والراحة في الدنيا والآخرة؛ لا يسألهم اللَّه يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج، ولا عن صدقة ولا عن صلة رحم ولا عن مواساة، إنما يُسأل ويُحاسب عن هذا هؤلاء المساكين -يعني الأغنياء- قال: إن الأغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة (^١)، أعزة في الدنيا أذلة في الآخرة، لا تغتم ولا تحزن؛ فرزق اللَّه مضمون سيأتيك، نحن واللَّه الملوك والأغنياء؛ تعجلنا الراحة في الدنيا والآخرة، ولا نبالي على أي حال أصبحنا وأمسينا، إذا أطعنا اللَّه تعالى، ثم قام إلى صلاته، وقمت إلى صلاتي، فما لبثنا إلا ساعة، وإذا نحن برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير، فوضعه بين أيدينا وقال: كلوا رحمكم اللَّه. فسلم إبراهيم من صلاته وقال: كل يا مغموم يا حزين، فمر بنا سائل فقال: اْطعموني شيئًا لوجه اللَّه -تعالى- فأعطاه إبراهيم ثلاثة أرغفة وتمرًا، وأعطاني ثلاثة أرغفة وتمرًا، وأكل هو رغيفين وقال: المواساة من أخلاق المؤمنين ﵏.
الثانية عشرة: عن الشيخ أبي الحسن الديلمي ﵀ قال: وصف لي إنسان أسود بأنطاكية يتكلم على القلوب فقصدته، فلما رأيته أبصرت معه شيئا من المباحات يريد بيعه، فساومته وقلت: بكم هذا؟ فنظر إليّ ثم قال: اقعد حتى أبيعه وأعطيك شيئًا من ثمنه؛ فإنك جائع منذ يومين، قال: وكنت جائعا منذ يومين. فتغافلت كأني لم أسمع ما قال، وذهبت عنه وساومت غيره، ثم عدت إليه وقلت: بكم هذا؟ فنظر إليّ وقال: اقعد فإنك جائع منذ يومين، حتى إذا بعنا أعطيناك شيئًا، قال: فوقع في قلبي منه هيبة، فلما باع أعطاني شيئًا، ومضى فمضيت خلفه لعلي أستفيد منه شيئًا بقوله، فالتفت إليّ وقال: إذا عرضت لك حاجة فاتركها للَّه إلا أن يكون لنفسك فيها حظ، فتحجب عن اللَّه، ومن علم أن اللَّه كافيه (^٢) لا يستوحش
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [٦٥٤٦] كتاب الرقاق، [٥١] باب صفة الجنة والنار، عن عمران بن الحصين، عن النبي ﷺ قال: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء"، وروى أحمد في مسنده [٢/ ٢٩٦، ٤٥١]: "يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام".
(٢) روى الترمذي [٢٥١٦] كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، عن ابن عباص قال: "كنت خلف رسول اللَّه ﷺ يوما فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"".
[ ١ / ١١٨ ]
من إعراض الخلق عنه، ولا بإقبال الخلق عليه، ثقة بأن الذي قُسم له لا يفوته، وإن أعرضوا عنه، والذي لم يقسم له لا يصل إليه، وإن أقبلوا عليه.
الثالثة عشر: عن بعض الشيوخ قال: دخلت أنا وعشرة نفر في جبل ركام، فسرنا فيه، فإذا نحن بواد على حافتيه أشجار مثمرة فيها من كل لون من الثمر، فرأينا من بعيد على شاطئ النهر كُركيًّا (^١) قائما، فقربنا منه، فإذا هو مطموس العينين، فبقينا نتعجب من أمره، فبينما نحن قيام إذ أقبلت نحلة سوداء خلفها نحل كثير، فلما وصلت إلى الكركي دنت منه ففتح منقاره، فوضعت النحلة فيه عسلا، فلم يزل النحل يدخل واحدة بعد واحدة، ويصبنّ العسل في فيه حتى لم يبقى منه شيء، فامتلأ فمه عسلًا فأطبق عليه منقاره فسقط منه شيء من العسل وأخذته وأكلته وانصرفنا.
الرابعة عشر: قيل: خرج إنسان من أهل الخير يطلب الرزق في وقت حصاد الزرع، فأصابه المطر فآوى إلى كهف فوجد فيه عقابًا أعمى، فبقي متفكرًا، من أين يأكل ذلك العقاب؟!! وإذا بحمامة دخلت الكهف تستكن من المطر، فوقعت فوق العقاب، فأمسكها العقاب وأكلها، فرجع ذلك الإنسان إلى مكانه، وتوكل على اللَّه ﷿.
الخامسة عشرة: عن بعض الشيوخ قال: خرجت أنا وأبو علي البليدي نريد زيارة أخ من إخواننا، فدخلنا البرية، فأصابنا جوع، فإذا بثعلب يحفر الأرض، ويخرج كمامة منها ويرمي بها إلينا، فأخذنا منها حاجتنا، ثم سرنا، وإذا نحن بسبع عظيم قائم، فلما قربنا منه إذا به أعمى، فوقفنا عليه نتعجب منه، وإذا بغراب معه قطعة لحم كبير، فضرب بجناحه على أذن السبع ففتح فمه فطرح فيه قطعة اللحم، فقال لي أبو علي: هذه الآية لنا ليست للسبع، فسرنا في تلك البرية أياما، فإذا بكوخ فيها فقصدناه، فإذا فيه عجوز كبيرة ليس عندها شيء، وعلى باب الكوخ حجر منقوب، فسلمنا وجلسنا عندها، فإذا هي مشغولة بعبادة ربها، فلما غابت الشمس خرجت من الكوخ بعد أن صلت المغرب، ومعها رغيفان عليهما قطعة تمر، فقالت: ادخلا الكوخ فخذا ما لكما فيه، فدخلنا، فإذا نحن باربعة أرغفة وقطعتين تمرًا، وما في ذلك الموضع نخل ولا تمر فأكلنا، فلما كان بعد ساعة جاءت سحابة فأمطرت على الحجر حتى امتلأ، ولم يسقط خارج منه قطرة واحدة، فقلنا لها: كم لك هاهنا؟
_________________
(١) الكركي: طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم، يأوي إلى الماء أحيانًا، جمعها: كراكيّ.
[ ١ / ١١٩ ]
قالت: سبعون سنة؛ حالي مع مولاي في أكلي وشربي كما ترون، فقلنا: هذا الماء على هذه الحالة كل ليلة؟ قالت: نعم كل ليلة تجيء هذه السحابة في الصيف والشتاء، وهذان الرغيفان والتمر، ثم قالت: أين تريدان؟ قالا: أبا نصر السمرقندي نزوره، فقالت: رجل صالح أبا نصر نقال إلى القوم، فإذا أبو نصر قائم عندنا، فسلم علينا وسلمنا عليه، ثم قالت: إذا أطاع العبد مولاه أطاعه مولاه.
السادسة عشر: عن أبي جعفر الفرغاني -رحمه اللَّه تعالى- قال: كنت عند بعض إخواننا من الصوفية بالديثور، فجاء قوم من الأكراد ليشتري لهم متاعًا، ثم قالوا له: لو علمت لمن نشتري هذا المتاع لسارعت إلى شرائه، فقال لهم: حدثوني، فقالوا: نعم، ثم أومأوا إلى رئيس لهم كانوا معه فقالوا: هذا سيد الحي، وكانت له زوجة فولدت له عدة من البنات، فقال لها وهي حامل: إن ولدت بنتًا فأنت طالق، وقُضي أنا رحلنا رحلة للشتاء نريد نحو المراغة ونواحيها، فبينما نحن نسير ذات يوم، إذ ضرب المرأة الطلق فأخذت ماء كأنها تتوضأ، فولدت جارية، فأخذتها ولفتها في خرقة وتركتها عند كهف جبل، وجاءت وأظهرت أن ذلك الحمل إنما كان ريحا وقد أنفش، ثم غبنا عن ذلك الموضع ستة أشهر، ثم رجعنا فنزلنا بذلك المكان، فأخذت المرأة ماء ومضت نحو الكهف الذي تركت الصبية فيه، فلما قربت منه، إذا غزالة قائمة عند الصبية وهي ترضع، فلما نظرتها الغزالة استوحشت وذهبت، وجاءت الأم إلى الصبية، فأخذتها فبكت وشهقت، فوضعتها وتنحت عنها، فرجعت الغزالة، فلم تزل ترضعها وهي ساكنة، فجاءت المرأة إلى الحي فأخبرتهم بذلك، فجاءوا بأجمعهم إلى الكهف فرأوا الغزالة ترضع الصبية، فلما أحست بهم تنحت، فبكت الصبية، فأخذها النساء، ولم يزلن يرفقن بها حتى سكنت وأنست بهم، وجاءوا بها إلى الحي، وبقيت الغزالة تنظر من بعيد حتى رحلنا، وهذا المتاع الذي نريد نشتريه جهازها، وقد زوجها أبوها.
السابعة عشر: قال بعض الصالحين: رأيت في سياحتي (^١) أعرابية صغيرة السن، فقلت لها: أين تنزلون؟ قالت: بالبادية، قلت لها: أما تستوحشون؟ قالت: يا بطال، وهل يستوحش مع اللَّه من أنس به؟!! فقلت لها: من أين تأكلون؟ قالت: اللَّه يعلم من اْين يرزق عباده؛ هو سبحانه يرزق من جحده، فكيف لا يرزق من وحّده، ثم قلت: قلوب عاشت بمعرفته، فطاشت بوحدانيته، وتلاشت في محبته، غذاؤهم
_________________
(١) ساح فلان في الأرض سياحة: ذهب وسار فهو سائح، وسيّاح، والسائح: المتنقل في البلاد للتنزه أو للاستطلاع والبحث والكشف ونحو ذلك، جمعها: سُيَّاح.
[ ١ / ١٢٠ ]
الأنس باللَّه، والمشاهدة للَّه، ربانيون روحانيون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون (^١) ﵏ جميعا.
الثامنة عشر: حكي عن ملك كرمان أنه خطب ابنة الشيخ شاة الكرماني ﵀ فاستمهله ثلاثة أيام، ثم أقبل شاة يطوف المساجد، فرأى غلامًا يحسن صلاته، فلما فرغ قال: يا غلام ألك زوجة؟ قال: لا، قال: فهل لك في زوجة تقرأ القرآن وتصلي وتصوم، وهي جميلة نظيفة؟ قال: ومن يزوجني؟ قال شاة: أنا أزوجك، فخذ بدرهم خبزًا، وبدرهم أدمًا، وبدرهم طيبًا، والأمر مفروغ منه، فعقد عليها، فلما دخلت إلى بيت الغلام رأت رغيفًا يابسًا على رأس جرة، فلما رأت ذلك قالت: ما هذا؟ قال: رغيف بقي معي من أمس، فتركته لأفطر عليه، فلما سمعت ذلك ولَّت راجعة، فقال الشاب: قد علمت أنك بنت شاة لا تقنعي بفقري، ولا ترضى بي لها بعلًا (^٢) فقالت: إن بنت شاة ليس خروجها من منزلك لفقرك، بل لضعف يقينك، ولست أعجب منك؛ إنما أعجب من أبي كيف قال: زوجتك من شاب عفيف؛ كيف وصف بالعفة من لا يعتمد على اللَّه -تعالى- إلا مع ادخار رغيف، فقال الشاب: أنا عن هذا معتذر، فقالت: أما العذر فأنت أعرف بشأنك، وأما أنا فلا أقيم في بيت فيه رغيف ولا معلوم، فإما أن أخرج أنا وإما أن يخرج الرغيف من البيت، فتصدق الشاب بالرغيف.
وأنشدوا:
ولو كان النساء كمن ذكرنا … لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب … ولا التذكير فخر للهلال
التاسعة عشر: روي أن عطاء الأزرق دفعت إليه امرأته درهمين وقالت له: اشتر لنا دقيقًا، فخرج إلى السوق فرأى مملوكًا يبكي فقال: لم تبكي؟ فقال: إن مولاي دفع لي
_________________
(١) قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت].
(٢) روى الترمذي في سننه [١٠٨٤] كتاب النكاح، باب ما جاء "إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه"، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"، وفي رواية عن أبي حاتم المزني رقم [١٠٨٥] " قالوا: يا رسول اللَّه وإن كان فيه؟ قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه" ثلاث مرات" وفي اختيار الزوجة الصالحة روى الترمذي عن جابر [١٠٨٦] أن النبي ﷺ قال: "إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك"، وقال أبو عيسى: حسن صحيح.
[ ١ / ١٢١ ]
درهمين أشتري بهما شيئًا فسقطا مني، وأخاف أن يضربني، فدفع إليه عطاء الدرهمين ومضى يصلي إلى وقت المساء، وانتظر شيئًا يفتح عليه، فلم يفتح له بشيء، فقعد على دكان صديق له نجار، فقال له: خذ من هذه النشارة لعلكم تحتاجون إليها تحمون بها التنور (^١) فليس لي شيء أواسيك به، وأخذ ذلك في جرابه ورجع إلى بيته، وفتح الباب وطرح الجراب في البيت ومضى إلى المسجد فصلى فيه العشاء، وقعد حتى مضى شيء من الليل رجاء أن ينام أهله لئلا يخاصموه، ثم جاء إلى البيت فوجدهم يخبزون الخبز، فقال: من أين لكم الدقيق، قالت: من الذي حملته من المجراب، ولا تعد تشتري لنا إلا من عند الذي اشخريت منه هذا الدقيق، فقال: أفعل إن شاء اللَّه - تعالى.
العشرون: حكي أن حبيبًا العجمي كان له زوجة سيئة الخلق، فقالت له يومًا: إذا لم يفتح عليك بشيء فأجّر نفسك، فخرج إلى الجبّانة وصلى العشاء، ثم أتى بيته خجلا من توبيخها، مشغول القلب من شرها، فقالت: أين أُجرتك؟ فقال لها: الذي استأجرني كريم؛ استحييت من استعجاله، فمكث كذلك أياما يصلي في الجبانة إلى الليل، وتقول له: أين أجرتك، فيقول لها: استأجرني كريم فخفت من استعجاله، فلما طال عليها الحال قالت له: اطلب أجرتك من هذا، أو أخر نفسك من غيره، فوعدها أن يطلب الأجرة، وخرج إلى عادته، فلما أمسى الليل عاد إلى منزله خائفًا منها، فرأى في بيته دخانًا، ومائدة منصوبة وزوجته مستبشرة فرحة، فقالت: لقد بعث لنا الذي استأجرك ما يبعث الكرام، وقال رسوله لي: قل لحبيب يجد في العمل ويعلم أنَّا لم نؤخر أجرته بخلا بها، ولا عدما فيقر عينًا ويطيب قلبًا، ثم أرته أكياسًا مملوءة دنانير، فبكى حبيب وقال لزوجته: هذه الأجرة من كريم، هذه خزائن السماوات والأرض. (^٢)
فلما رأت ذلك تابت إلى اللَّه -تعالى- وأقسمت أنا لا تعود إلى ما تابت عنه.
الحادية بعد العشرين: حكي أن إبراهيم الخواص -رحمه اللَّه تعالى- قال: كان لي وقت، وحرت مرة، فكنت أخرج كل يوم إلى نهر كبير كان حوله خوص، فكنت أقطع شيئا من الخوص وأعمله قفافًا وأطرحه في ذلك النهر وأتسلى بذلك، وكأني كنت مطالبًا به، فجرى وقتي على ذلك أيامًا كثيرة، ففكرت يومًا وقلت: أمضى خلف ما أطرحه من القفاف في الماء لأنظر أين يذهب، فمشيت على شاطئ النهر ساعة ولم
_________________
(١) التَّنور: الفرن يخبز فيه، جمعها تنانير.
(٢) قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧].
[ ١ / ١٢٢ ]
أعمل ذلك اليوم شيئًا، فإذا عجوز قاعدة على شاطئ النهر تبكي، فقلت لها: ما لك تبكين؟ فقالت: لي خمسة من الأيتام، مات أبوهم، وأصابتني فاقة وشدة بعده، فأتيت هذا الماء يومًا، فجاء على رأس الماء قفاف من الخوص، فأخذتها وبعتها وأنفقتها عليهم، وأتيت اليوم الثاني والثالث والقفاف تجئ على رأس الماء، فكنت آخذها وأبيعها، واليوم ما جاءت، قال إبراهيم: فوفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهم لو علمت أن لك خمسة من العيال لزدت في العمل، ثم قلت للعجوز: لا تغتمي، فأنا الذي كنت أعمل ذلك، ثم مضيت معها ورأيت موضعها، وكانت فقيرة، فقمت بأمرها وأمر عيالها سنين، أو كما قال.
الثانية بعد العشرين: حكي عن بعض الفقراء قال: كنت يومًا متفكرًا في نفقة العيال، فاشتغل قلبي ساعة، فنمت لأستريح، فرأيت في منامي كأني في جزيرة في وسط بحر، فقلت: من أين يصل إليّ ما آكل وما أشرب في هذا المكان؟ فهتف بي هاتف وقال لي: يا هذا لو كان رزقك خلف سبعة أبحر لأتاك، فانتبهت مسرورًا، وزال عني ما كنت أجد، وبعد ذلك جاءتني رسالة على يد بعض الأصحاب من رجل لم يخطر لي ببال، فقلت: صدق اللَّه ﷿ في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. (^١)
وحكى سيدي الشيخ الإمام عبد اللَّه اليافعي قال: كنا جماعة في بعض الأسفار، جمعت بيننا في الطريق الأقدار، فمررنا في بعض الأيام بقرية فنزلنا فيها، وأرسل للجماعة حتى دخلوها إلا واحدًا منهم، فاستعار بُرمة فعصدوا فيها عصيدة وأكلوها إلا واحدًا؛ فإنه غاب عنها ولم ينادوه يأكل معهم منها ومعه قليل من الدقيق لم يجد من يصنعه له من معروف أو صديق، فخرج يدور بدقيقه بين البيوت ليجد من يصنع له ذلك القوت، فبينما هو كذلك يدور، وإذا هو بشخص ضعيف مضرور جمعت القدرة بينهما بواسطة اللطف الخفي من غير وعد، ونادى لسان حال الحكمة الإلهية، هذا رزق هذا الضعيف، ورزقك يأتي بعد، فدفع إليه رزقه ورجع إلى رفقته بلا غذاء، فبينما هو غائب عن علم الغيب، وإذا باللطف الخفي قد بدا.
قيض اللَّه إنسانًا دعاه من بين الجماعة فأطعمه ثريدًا ولحمًا وسمنًا في تلك الساعة حتى شبع وقوي على المشي الكثير، فسبحان الكريم اللطيف الخبير، أيتها النفس الهلوعة الضعيفة اليقين، أما تصدقين، ويحك بوعد الحق المبين؟ أما تتيقن، ويلك بضمان خير ضمين؟ أما توقني بقول أصدق القائلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو
_________________
(١) سورة الطلاق [٢، ٣].
[ ١ / ١٢٣ ]
الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (^١).
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٢).
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (^٣).
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^٤).
ثم أتبع ذلك بقسم عظيم، أقسم به رب العالمين، مع أن قوله حق، ووعده صدق، لا يحتاج إلى يمين، فقال عز من قائل: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (^٥).
أما تعلمين أن وعده الوفي، ولطفه الخفي قد ضُمن للعباد في جميع البلاد، بسط أيادي الجود في جميع الموجود، وساق مطايا الأرزاق من خزائن رحمة الرزاق، القدر السابق في القدم بسوط القدرة، وقادها بزمام اللطف والكرم، حتى دخلت في باب الأسماء من بعد ما خرجت من باب العدم، وسارت في الوجود إلى أن وصلت إلى سرادقات عالم التقريب والتمكين، فبركت في مبارك البركات بالمواهب الجليلة من المقامات العلية، فحط عنها تحف الفوائد، وطرف العوائد الجميلة، ثم حمل تلك الطرف والتحف خُذَام القدرة، ودخل بها إلى حضرة أهل الحضرة، فناولوا بتلك المواهب أعز المواهب من المقامات العالية، والمعارف الغالية، خضهم بها المولى الكريم ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (^٦).
وأنشدوا في المعنى:
_________________
(١) سورة الذاريات [٥٨]. معنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم؛ فهو خالقهم ورازقهم. وروي أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ يعني "قال اللَّه تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلًاا ولم أسد فقرك" تفسير ابن كثير [٤/ ٢٣٨].
(٢) سورة هود [٦].
(٣) سورة سبأ [٣٩].
(٤) سورة الذاريات [٢٢].
(٥) سورة الذاريات [٢٣]. يقسم -تعالى- بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكون في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ ﵁ إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك ههنا. تفسير ابن كثير [٤/ ٢٣٥].
(٦) سورة الحديد [٢١]. =
[ ١ / ١٢٤ ]
تبارك من عم الوجود بجوده … ومن منه يفيض الفضل للخلق يغمر
ومن خص أهل القرب صفوة خلقه … بفضل عظيم وصفه ليس يحضر
فللقوم أعلام الولايات أُعلمت … بمحمد وخلعات الكرامات تزهر
وحكي أنه خرج بعض المريدين في طلب الرزق، فسعى حتى تعب، فوجد خربة فجلس يستريح فيها، فبينما هو يتصفح الجدران، فنظر في بعضها لوحًا من رخام أخضر مكتوب فيه بخط أبيض هذه الأبيات:
لما رأيتك جالسا مستقبلا … أيقنت أنك للهموم قرين
ما لا يكون فلا يكون بحيلة … أبدًا وما هو كائن سيكون
سيكون ما هو كائن في وقته … وأخو الجهالة متعب محزون
فلعل ما تخشاه ليس بكائن … ولعل ما ترجوه سوف يكون
يسعى الحريص فلا ينال بحرصه … حظًا ويحظى عاجز ومهين
فارفض لها وتعرَّ من أثوابها … إن كان عندك للقضاء يقين
هون عليك وكن بربك واثقًا … فأخو التوكل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقه … لما تيقن أنه مضمون
قال: فقرأها ورجع إلى منزله، ولم يهتم في الرزق بعدها - رحمه اللَّه تعالى.
_________________
(١) = أي هذا الذي أهلهم اللَّه له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم، وروي في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، قال: "ما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، قال: "أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول اللَّه ﷺ: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء".
[ ١ / ١٢٥ ]