قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (^١) والحُرُمات جمع حرمة، وهو ما يجب القيام به، ويحرم انتهاكه، والتفريط فيه من الأوامر والنواهي والحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن، وكل ما يجب احترامه.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (^٢) والشعائر جمع شعيرة، أي ما أشعِرَ وجعل شِعَارًا وعَلَمًا في دين اللَّه من أعمال البر ومواطنها وعلمائها والدعاة إليها والعمال بها، ونحو ذلك من المعالم الشاملة للحج وغيره، وتعظيم الحرمات والشعائر بأنها واجبة المراعاة والحفظ، ثم القيام بمن أعانه وتوفيته حقوقها.
وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) أي النزول بهم والتواضع لهم، ولين الجانب معهم، والجلوس بينهم، ونحو ذلك.
وقال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٤).
_________________
(١) سورة الحج [٣٠]. أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أي فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات واجتناب المحظورات، وقال ابن جريج: قال مجاهد في قوله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] قال: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى اللَّه عنه من معاصيه كلها. "تفسير ابن كثير [٣/ ٢٢٥] ".
(٢) سورة الحج [٣٢]. يقول تعالى هذا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] أي أوامره ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام. "تفسير ابن كثير [٣/ ٢٢٦] ".
(٣) سورة الحجر [٨٨].
(٤) سورة المائدة [٣٢]. =
[ ١ / ٢٧٢ ]
ففيها تنزيل النفس الواحدة منزلة الناس جميعًا في إساءة أو إحسان؛ لأن كل إنسان يُدلي مما يدلي به الآخر من الكرامات على اللَّه وثبوت الحرمة، فإذا قتل بغير حق فقد أهان ما كرَّم اللَّه وهتك حرمته، فإذا قتل بحق فقد عكس فالواحد والجمع إذن واحد، فالآية الأولى مرغِّبة في التعظيم من حيث إنه حرَّمه من حيث إنه شعار، والثالثة تعظيم خفض الجناح، والرابعة: تفخيم ما نوى من إحسان أو إساءة، فخفض الجناح (^١) ذكر بين سبب ومرتبة، والسبب سابق وهي تابعة الموجود، وفي كل آية مُرغِّب يخصها.
ولنذكر أحاديث مدارها على بيان خاصة المؤمنين، وأصول معاملات الناس، وآثار الرحمة وأنواع الإثارة والتحذير من أذية أحد منهم، وأنواع من الأذى المجتنب والحقوق المؤداة ونوعهما اللذان هما نصرة تدفع المضرَّة، وكرامة تجلب بها المسرَّة.
فروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (^٢).
قلت: فذلك نعمة تُشكر، ومصلحة تُنشر وتُحمد، وبذلك تنشط النفوس لتعظيم حرماتهم إذ هم عين الإنسان وعضده وقوة ضعفه وأنصاره في مهماته، ونحو ذلك.
وروينا فيها من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من مرَّ في شئ من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها شيء" (^٣).
_________________
(١) = أي من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن أحياها أي حرم قتلها واعتقد ذلك فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. "تفسير ابن كثير [٢/ ٤٨] ".
(٢) قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ [الحجر: ٨٨، ٨٩].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٤٤٦] كتاب المظالم، [٥] باب نصر المظلوم، ومسلم في صحيحه [٦٥ - (٢٥٨٥)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٧] باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، والترمذي في سننه [١٩٢٨] كتاب البر والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم، والنسائي [٥/ ٧٩ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٤/ ٤٠٤، ٤٠٥]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١١/ ٢٢، ١٣/ ٢٥٢]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٨/ ٧٨، ٨٨].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٥٢] كتاب الصلاة، [٦٧] باب المرور في المسجد، ورقم [٧٠٧٥] كتاب الفتن، [٧] باب قول النبي ﷺ: "من حمل علينا السلاح فليس منا"، ومسلم في صحيحه [١٢٤ - (٢٦١٥)] كتاب البر والصلة والآداب، [٣٤] باب أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ففيه الحذر البليغ من إيذاء أحد منهم ودفع ما يتوقع من أدنى أذية لهم، وقمع كل مؤذ عنهم، وقد نبه على ذلك بما ذكر من القبض.
وروينا فيهما من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" (^١).
ففيه التوجع والتسلية والانقباض والقلق مما يقع بأحدهم مما الإنسان عاجز عن منعه ورفعه كما مثل بالجسد.
وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قبَّل النبي ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس (^٢)، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول اللَّه ﷺ وقال: "لا يُرحم من لا يَرحم" (^٣). وفيه التحنن والتلطف والتأنيث لأطفالهم بالقبلة وغيرها.
وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالت: "قَدِمَ ناس من الأعراب على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: تُقبلون صبيانكم؟ قال: "نعم" قالوا: كلنا واللَّه ما نُقَبِّل، فقال رسول اللَّه ﷺ: "وأملك إن كان اللَّه نزع منكم الرحمة"" (^٤).
وفيه رقَّة القلب ورحمته وتأثره لضعفهم بحيث يكون الباطن أشد من الظاهر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٠١١] كتاب الأدب، [٢٧] باب رحمة الناس بالبهائم، ومسلم في صحيحه [٦٦ - (٢٥٨٦)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٧] باب "تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم"، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٧٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ٣٥٣]، والشجري في أماليه [٢/ ١٣٥، ١٥١]، والزبيدي في الإتحاف [١/ ٣٣٣، ٦/ ٢٥٣].
(٢) الأقرع بن حابس التميمي المجاشعي أحد المؤلفة قلوبهم وأحد الأشراف، أقطعه أبو بكر له ولعيينة بن بدر، فعطل عليهما عمر ومحا الكتاب الذي كتب لهما أبو بكر، وكانا من كبار قومهما، وشهد الأقرع مع خالد حرب أهل العراق وكان على المقدمة، وقيل إن عبد اللَّه بن عامر استعمله على جيش سيره إلى خراسان فأصيب هو والجيش بالجوزجان، وذلك في خلافة عثمان، وقال ابن دريد: اسمه فراس بن حابس بن عقال، ولقب بالأقرع لقرع برأسه. "تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [سنة ٢٣] ".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٩٩٧] كتاب الأدب، [١٨] باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته. ومسلم في صحيحه [٦٥ - (٢٣١٨)] كتاب الفضائل، [١٥] باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٩٩٨] كتاب الأدب، [١٨] باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته. ومسلم في صحيحه [٦٤ - (٢٣١٧)] كتاب الفضائل، [١٥] باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وروينا فيهما من حديث جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: "من لا يرحم الناس لا يرحمه اللَّه" (^١)، وفيه الرحمة الباعثة على المصالح، ولا أبلغ من هذا الترغيب والتهديد، فمن علم أن من لا يرحم لا يُرحم، احتاج إلى أن يرحمهم لاضطراره إلى ربه في كل نَفَسٍ، وعلى كل حال.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا صلَّى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير" وفي لفظ "وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" (^٢).
وفيه نوع من آثار الرحمة وهو تخفيف ما كلفوه، وتسهيل ما تقيدوا به من اقتداء في حال صلاة أو غيرها، فإن فيهم المعذور كما ذكر.
وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالت "إن رسول اللَّه ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم" (^٣).
وفيه الانفكاك عما يتوقع منه مشقة على أحد، كترك فعل يخشى أن يفرض على الناس لو لم يترك.
وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالث: "نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: "إني لست كهيئتكم؛ إني يطعمني ربي ويسقيني"" (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٣٧٦] كتاب التوحيد، [٢] باب قول اللَّه ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ومسلم في صحيحه [٦٦ - (٢٣١٩)] كتاب الفضائل، [١٥] باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، وأحمد في مسنده [٤/ ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٦٢]، والحميدي في مسنده [٨٠٢، ٨٠٣]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٤/ ١٧٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ٣٦٣].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٠٣] كتاب الأذان، [٦٢] باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، ومسلم في صحيحه [١٨٥ - (٤٦٧)] كتاب الصلاة، [٣٧] باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، وأبو داود [٧٩٤]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٧١]، والنسائي [٢/ ٩٤ - المجتبى]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ١١٧]، ومالك في الموطأ [١٣٤].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٢/ ٦٢]، ومسلم في صحيحه [٧٧ - (٧١٨)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [١٣] باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان وأكملها ثمان. وأحمد في مسنده [٦/ ١٧٨].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٩٦٢] كتاب الصوم، [٤٨] باب الوصال، ومسلم في صحيحه [٥٥ - (١١٠٢)] كتاب الصيام، [١١] باب النهي عن الوصال في الصوم، وقال النووي: اتفق أصحابنا على النهي عن الوصال وهو صوم يومين فصاعدًا من غير أكل أو شرب بينهما، ونص الشافعي وأصحابنا على كراهته ولهم في هذه الكراهة وجهان، أصحهما: أنها كراهة تحريم، والثاني: كراهة تنزيه، وبالنهي عنه قال جمهور العلماء وقال القاضي عياض: اختلف العلماء في =
[ ١ / ٢٧٥ ]
أي يجعل فيَّ قوة من غير أكل وشرب، وفيه إخراج من التزم ما يشق عليه التزامه كالوصال ونحوه.
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي قتادة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إني لأقوم في الصلاة وأريد أن أُطول فيها، فأسمع بكاء الصبي أتجوِّزُ في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" (^١).
وفيه رعاية القلوب، وإن أدى إلى ترك مصالح جليلة، فَيُجَوِّز مريد التطويل كما ذكر.
وروينا في صحيح مسلم (^٢) من حديث جندب بن عبد اللَّه مرفوعًا: "من صلَّى صلاة الصبح فهو في ذمة اللَّه، فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يَكُبُّه على وجهه في نار جهنم".
وفيه التهديد الأبلغ والتحذير الأشد من الإقدام على ترك الذمة والجوار والإقدام على الجراءة على إخفار ذمة الجليل مالك الملك خطير لا يرجى معه حلم.
وروينا في الصحيحين (^٣) من حديث ابن عمرو مرفوعًا: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فَرَّج عن
_________________
(١) = أحاديث الوصال؛ فقيل النهي عنه رحمة وتخفيف، فمن قدر فلا حرج، وقال الخطابي وغيره من أصحابنا: الوصال من الخصائص التي أبيحت لرسول اللَّه وحرمت على الأمة. "النووي في شرح مسلم [٧/ ١٨٤] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٠٧] كتاب الأذان، [٦٥] باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، والبخاري أيضًا رقم [٨٦٨] كتاب الأذان، [١٦٣] باب انتظار الناس قيام الإمام العالم، وأبو داود في سننه [٧٨٩] كتاب الصلاة، باب تخفيف الصلاة للأمر يحدث، والنسائي [٢/ ٥٩]، وأحمد في مسنده [٥/ ٣٠٥].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٦٢ - (٦٥٧)] كتاب المساجد ومواضع الصلاة، [٤٦] باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، وأحمد في مسنده [٤/ ٣١٣]، والطبراني في المعجم الكبير [٢/ ١٧٩]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٦٢٧]، والخطيب في تاريخ بغداد [١١/ ٣٠٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ٢٥٠]، قال النووي: قوله ﷺ: "من صلى الصبح فهو في ذمة اللَّه" قيل: الذمة هي الضمان، وقيل: الأمان.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٤٤٢] كتاب المظالم، [٣] باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ورقم [٦٩٥١] كتاب الإكراه، [٧] باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه، ومسلم في صحيحه [٥٨ - (٢٥٨٠)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٥] باب تحريم الظلم، وأبو داود في سننه [٤٨٩٣]، والترمذي في سننه [١٤٢٦]، وابن ماجه [٢١١٩، ٢٢٤٦]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٧٧، ٣١١]، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٣٢٠، ٦/ ٩٢، ٩٤].
[ ١ / ٢٧٦ ]
مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة".
وقد اشتمل على بيان أنواع من الأذى كالظلم والمسلم المتقاعد عن حاجة يسهل قضاؤها وتفريج كربة وستر مسلم. (^١)
وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه، التقوى ههنا، بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم". (^٢) وهو مشتمل على بيان أنواع أُخر من الأذى.
وروينا في صحيح مسلم (^٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا". (^٤)
_________________
(١) قال النووي: في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته، وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروف بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم تترتب على ذلك مفسدة. "النووي في شرح مسلم [١٦/ ١١١] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه الترمذي في سننه [١٩٢٧] كتاب البر والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم، والهيثمي في مجمع الزوائد [٦/ ٢٨٣]، وآخره أخرجه أبو داود في سننه [٤٨٨٢] كتاب الأدب، باب في الغيبة.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٢ - (٢٥٦٤)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٠] باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٧٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٩٢، ٩٤، ٨/ ٢٥]، والألباني في إرواء الغليل [٨/ ٩٩]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٢١٩، ٨/ ٥٠].
(٤) قوله ﷺ: "التقوى ههنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات: معنى الرواية أن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة اللَّه -تعالى- وخشيته ومراقبته، ومعنى نظر اللَّه هنا مجازاته ومحاسبته أي إنما يكون ذلك على ما في القلب دون الصور الظاهرة، ونظر اللَّه ورؤيته محيط بكل شيء. ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب وهو من نحو قوله ﷺ: "لا إن في الجسد مضغة. . . . " الحديث، قال المازري: واحتج بعض الناس بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس. "النووي في شرح مسلم [١٦/ ٩٩] =
[ ١ / ٢٧٧ ]
ويشير إلى صدره ثلاث مرات "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". وفيه بيان أنوع أُخر كالتحاسد ونحوها.
والنجش: أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يغر غيره، وهذا حرام.
والتدابر: أن يعرض عن إنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء ظهره ودبره.
وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه". (^١)
وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" قال رجل: يا رسول اللَّه أنصره إذا كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" (^٢).
وفيه ذكر أحد نوعي المصالح المحبوبة، وهي النصرة وتقوية اليد والإعانة والإغاثة سواء كان ظالمًا أو مظلومًا.
وفي قوله: "انصر أخاك ظالمًا" إشعار بأن الأخذ على يده نصر له، وحينئذ سهل الأمر على الآخذ والظالم، وبسط الصدر لهم وأشباه هذا مما يندب لو عبر عنه بغير ذلك.
وروينا في الصحيحين (^٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "حق المسلم على
_________________
(١) = طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [١٣] كتاب الإيمان، [١٧] باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم في صحيحه [٧١ - (٤٥)] كتاب الإيمان، [١٧] باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، والترمذي [٢٥١٥] كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، والنسائي [٨/ ١١٥، ١٢٥ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٣/ ١٧٦، ٢٧٦، ٢٧٨]، وابن ماجه في سننه [٦٦]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٥٧٨].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٤٤٣]، [٢٤٤٤] كتاب المظالم، [٤] باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، ورقم [٦٩٥٢] كتاب الإكراه، [٧] باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه، والترمذي [٢٢٨٢]، وأحمد في مسنده [٣/ ٩٩، ٢٠١]، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٩٤، ١٠/ ٩٠]، وابن حبان في صحيحه [١٨٤٧ - الموارد]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٣/ ٩٤]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ١٩١]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٧/ ٤٦٤]، والطبراني في المعجم الصغير [١/ ٢٠٨].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٢٤٠] كتاب الجنائز، [٢] باب الأمر باتباع الجنائز، ومسلم في صحيحه [٤ - (٢١٦٢)] كتاب السلام، [٣] باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، وأحمد في =
[ ١ / ٢٧٨ ]
المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".
وفي رواية لمسلم: "حق المسلم على المسلم ست" قيل: ما هن يا رسول اللَّه؟ قال: "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمته (^١)، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" (^٢)، وفيه بيان الحقوق الإلزامية السارة تعاطيها.
وروينا من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار المقسم (^٣) ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب وعن شرب بالفضة وعن المياثر الحُمُر وعن القسي وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج" (^٤) وفي رواية: "وإنشاد الضالة" في السبع الأول.
_________________
(١) = مسنده [٢/ ٥٤٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٨٦]، والتبريزي في المشكاة [١٥٢٤].
(٢) قال ثعلب: يقال سمت العاطس وشمته إذا دعوت له بالهدى وقصد السمت المستقيم، قال: والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينًا معجمة، وقال صاحب المحكم: تسميت العاطس معناه هداك اللَّه إلى السمت.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٥ - (٢١٦٢)] كتاب السلام، [٣] باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٧٢]، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٣٤٧، ١٠/ ١٠٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٤٢٦، ٤/ ٣١٧]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٢٥٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٥٢٥].
(٤) إبرار القسم فهو سنة أيضًا مستحبة متأكدة، وإنما يندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة أو خوف ضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يبر قسمه كما ثبت أن أبا بكر ﵄ لما عبر الرؤيا بحضرة النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" فقال: أقسمت عليك يا رسول اللَّه لتخبرني، فقال: "لا تقسم" ولم يخبره، وأما نصر المظلوم فمن فروض الكفاية وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يتوجه الأمر به على من قدر عليه ولم يخف ضررًا. "النووي في شرح مسلم [١٤/ ٢٨] طبعة دار الكتب العلمية".
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [١٢٣٩] كتاب الجنائز، [٢] باب الأمر باتباع الجنائز، وفي أرقام [٢٤٤٥، ٥١٧٥، ٥٦٣٥، ٥٦٥٠، ٥٨٣٨]، ومسلم في صحيحه [٣ - (٢٠٦٦)] كتاب اللباس والزينة، [٢] باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء، وإباحة العَلَم ونحوه للرجال ما لم يزد على أربع أصابع، والترمذي في سننه [٢٨٠٩] كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجل والقسي، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٨٤، ٢٩٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٣٥].
[ ١ / ٢٧٩ ]
المياثر: جمع ميثرة، وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطنًا أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير، يجلس عليه الراكب.
والقَسِّي: بفتح القاف وكسر السين المهملة المشدده، وهي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين، وإنشاد الضالة: تعريفها.
[ ١ / ٢٨٠ ]