قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (^١) الآية ففضله عليهن بما قام به من الكمال، وبما يكون منه من النوال، وأنه بذلك يستحق القوامية بالأمر المطاع والتدبير المرجوع إليه، ونحو هذا، كما يقدم الولاة على الرعايا والقنوت (^٢) ملازمة الطاعة والتذلل (والغيب) (^٣) النفس والمنزل والعيال وذات اليد.
والأحاديث في الباب كثيرة منها: حديث عمرو بن الأحوص السالف المجلس قبله.
ومنها: حديث أبي هريرة المرفوع: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" (^٤) أخرجاه.
وفي رواية لهما: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" (^٥)، وفي رواية: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" (^٦).
_________________
(١) سورة النساء [٣٤]. أي الرجل قيم على المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] أي لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكلذلك الملك الأعظم، لقوله ﷺ: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري. "تفسير ابن كثير [١/ ٤٩١] ".
(٢) القنوت: الطاعة.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٥١٩٣] كتاب النكاح، [٨٦] باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، ومسلم في صحيحه [١٢٢ - (١٤٣٦)] كتاب النكاح، [٢٠] باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، وأبو داود في سننه [٢١٤١]، وأحمد في مسنده [٢/ ٨٦، ٣/ ٥١٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٢٩٢]، والدارمي في سننه [٢/ ١٥٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٢٤٦].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٥١٩٤] كتاب النكاح، [٨٦] باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، ومسلم في صحيحه [١٢٠ - (١٤٣٦)] كتاب النكاح، [٢٠] باب تحريم امتناعها من فراش زوجها.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه [١٢١ - (١٤٣٦)] كتاب النكاح، [٢٠] باب تحريم امتناعها من فراش زوجها.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قلت: وأي منفِّر أو محذر مثل هذا.
ومنها حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه" (^١) أخرجاه، واللفظ للبخاري، ووجهه أن الصوم يمنع الجماع شرعًا، وهذا في التطوعات.
ومنها: حديث ابن عمر مرفوعًا: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" (^٢) أخرجاه أيضًا، فليحذر من أن يضيع شيئًا من حقه أو تنتهك شيئًا من حرمته.
ومنها حديث أبي علي طلق بن علي مرفوعًا: "إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور" (^٣) أخرجه النسائي والترمذي وحَسَّنَهُ، وأي مبادرة وتأكيد طاعة كهذا.
ومنها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (^٤) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وفيه أن الزوج له
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٥١٩٥] كتاب النكاح، [٨٧] باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ١٣١، ٣/ ٥٧].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٨٩٣] كتاب الجمعة، [١١] باب الجمعة في القرى والمدن، ورقم [٢٤٠٩] كتاب الاستقراض وأداء الديون، [٢٠] باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه، ورقم [٢٥٥٤] كتاب العتق، [١٧] باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي أو أمتي، ورقم [٢٥٥٨] في العتق، [١٩] باب العبد راع في مال سيده، ونسب النبي ﷺ المال إلى السيد، ورقم [٢٧٥١] كتاب الوصايا، [٩] باب تأويل قول اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، ورقم [٥١٨٨] كتاب النكاح، [٨٢] باب ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ورقم [٥٢٠٠] كتاب النكاح، [٩١] باب المرأة راعية في بيت زوجها، ومسلم في صحيحه [٢٠ - (١٨٢٩)] كتاب الإمارة، [٥] باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، وأبو داود في سننه [٢٩٢٨] كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما يلزم الامام من حق الرعية، والترمذي [١٧٠٥] كتاب الجهاد، باب ما جاء في الإمام، وأحمد في مسنده [٣/ ٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٨٧، ٧/ ٢٩١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٤٨].
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [١١٦٠] كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، وابن حبان في صحيحه [١٢٩٥ - الموارد]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٤/ ٢٩٥]، والطبراني في المعجم الكبير [٨/ ٣٩٨].
(٤) أخرجه أبو داود في سننه [٢١٤٠] كتاب النكاح، باب في حق الزوج على المرأة، والترمذي في =
[ ١ / ٣٠٣ ]
من المنزلة أن تسجد له المرأة ولولا أنه ممتنع شرعًا لأمرته، وأي تعظيم لأحد من الناس يداني هذا.
ومنها حديث أم سلمة مرفوعًا: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة" (^١) رواه الترمذي وحسنه.
وما أكرم هذا الوعد وأيسر هذا الوعد، وأيسر هذا العمل، وأشرف هذه المنزلة.
ومنها: حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك اللَّه، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا" (^٢) رواه الترمذي وحسنه.
وفيه تحذير المرأة من أن تدعو عليها زوجة زوجها من الحور العين، ويغتم له إذا أوذي، وفي إثارة هذا من الغيرة وخوف استجابة اللَّه -تعالى- ذلك الدعاء أبلغ زجر عن إيذاء المرأة زوجها بأي أمر صغير أو كبير.
ومنها: حديث أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما تركت بعدي فتنة أَضَرَّ على الرجال من النساء" (^٣) أخرجاه.
_________________
(١) = سننه [١١٥٩] كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، وأحمد في مسنده [٤/ ٣٨١، ٦/ ٧٦]، والحاكم في المستدرك، [٢/ ١٨٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٢٩١، ٢٩٢]، وابن أبي شيبة في مصنفه [٤/ ٣٠٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٢٥٥]، والطبراني في المعجم الكبير [٥/ ٢٣٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٥، ٥٦]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٤/ ٣١٠]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ١٥٤].
(٢) أخرجه الترمذي في سننه [١١٦١] كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، وابن ماجه في سننه [١٨٥٤] كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة، وابن أبي شيبة في مصنفه [٤/ ٣٠٣]، والحاكم في المستدرك [٤/ ١٧٣].
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [١١٧٤] كتاب الرضاع، وابن ماجه في السنن [٢٠١٤] كتاب النكاح، باب في المرأة تؤذي زوجها، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٤٢]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ٢٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٢٥٨].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٠٩٦] كتاب النكاح، [١٨] باب ما يتقي من شؤم المرأة، ومسلم في صحيحه [٩٧ - (٢٧٤٠)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢٦] باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، والترمذي [٢٧٨٠] كتاب الأدب، باب ما جاء في تحذير فتنة النساء، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٠٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٩١]، وعبد الرزاق في مصنفه [٢٠٦٠٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٣/ ٣٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٠٨٥]، والطبراني في المعجم الكبير [١/ ١٣٣]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٤٣٣]، والقرطبي في تفسيره [٤/ ٢٩، ١٢/ ٣١١].
[ ١ / ٣٠٤ ]
ففتنة النساء أضرّ على الرجال من كل فتنة، فلتتق اللَّه امرأة كل زوج ولا تفتنه.
فمدار هذه الأحاديث على زجر المرأة أن لا تنتهك حرمة زوجها أو حقه بحسي أو شرعي، وحملها على المبادرة إلى طاعته، وعلى تعظيمه، والحرص على رضا قلبه وتحذيرها من إيذائه وفتنته.
[ ١ / ٣٠٥ ]