وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول إذا أعلمه قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^١) إلى آخر السورة.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٢).
وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يقذف في النار" (^٣).
وروينا فيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سبعة يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله (^٤): إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه معلق بالمساجد،
_________________
(١) سورة الفتح [٢٩]. قال ابن كثير: هذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن. "تفسير ابن كثير [٤/ ٢٠٤] ".
(٢) سورة الحشر [٩].
(٣) اخرجه البخاري في صحيحه [١٦] كتاب الإيمان، [٩] باب حلاوة الإيمان، ورقم [٢١] في الإيمان، [١٤] باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان، ورقم [٦٠٤١] في كتاب الأدب، [٤٢] باب الحب في اللَّه، ورقم [٦٩٤١] في كتاب الإكراه، [١] باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، ومسلم في صحيحه [٦٧ - (٤٣)] كتاب الإيمان، [١٥] باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، والنسائي [٨/ ٩٤ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٣/ ١٠٣، ١٧٤]، وابن حبان في صحيحه [٢٨٥ - الموارد]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ١٤]، وعبد الرزاق في مصنفه [٢٠٣٢٠].
(٤) قال القاضي: إضافة الظل إلى اللَّه -تعالى- إضافة ملك، وكل ظل فهو للَّه وملكه وخلقه وسلطانه، والمراد هنا ظل العرش، وقد يراد به هنا ظل الجنة، وهو نعيمها كما قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، قال القاضي: قال ابن دينار: المراد بالظل هنا الكرامة والكنف والكف عن المكاره في ذلك الموقف، قال: وليس المراد ظل الشمس، قال القاضي: وما قاله معلوم في اللسان؛ يقال: فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته، ثم قال النووي: وقوله: "ورجلان تحابا في اللَّه اجتمعا عليه وتفرقا عليه" معناه اجتمعا على حب اللَّه، وافترقا =
[ ١ / ١٩٨ ]
ورجلان تحابَّا في اللَّه؛ اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه" (^١).
وروينا في صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "أن اللَّه تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؛ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (^٢).
وروينا عنه مرفوعًا: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (^٣).
وروينا عنه مرفوعًا: "أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد اللَّه له على مدرجته ملكًا" وذكر الحديث إلى قوله: "إن اللَّه قد أحبك كما أحببته فيه" (^٤) وقد سلف.
وروينا في الصحيحين من حديث البراء مرفوعًا في الأنصار: "لا يحبهم إلا
_________________
(١) = على حب اللَّه، أي كان سبب اجتماعهما حب اللَّه، واستَمَرَّا على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما صاحبه للَّه -تعالى- حال اجتماعهما وافتراقهما. "النووي في شرح مسلم [٧/ ١٠٨] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٦٠] كتاب الأذان، [٣٦] باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، ورقم [١٤٢٣] في الزكاة، [١٨] باب الصدقة باليمين، ورقم [٦٨٠٦] كتاب المحاربين، [٥] باب فضل من ترك الفواحش، ومسلم في صحيحه [٩١ - (١٠٣١)] كتاب الزكاة، [٣٠] باب فضل إخفاء الصدقة، والترمذي [٢٣٩١]، في الزهد، باب ما جاء في الحب في اللَّه، والنسائي [٨/ ٢٢٢ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٢/ ٤٣٩].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٧ - (٢٥٦٦)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٢] باب في فضل الحب في اللَّه، قال النووي: قوله تعالى: "المتحابون بجلالي" أي بعظمتي وطاعتي لا للدنيا، وقوله تعالى: "يوم لا ظل إلا ظلي" أي أنه لا يكون من له ظل مجازًا كما في الدنيا، وجاء في غير مسلم: "ظل عرشي" قال القاضي: ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلق، قال: وهذا قول الأكثرين، وقال عيسى بن دينار: معناه كفاه من المكاره وأكرمه وجعله في كنفه وستره، ومنه قولهم السلطان ظل اللَّه في الأرض، وقيل يحتمل أن الظل هنا عبارة عن الراحة والنعيم. "النووي في شرح مسلم [١٦/ ١٠١] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٩٣ - (٥٤)]، ورقم [٩٤ - (٥٤)] كتاب الإيمان، [٢٢] باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها، والترمذي [٢٦٨٨] وابن ماجه [٦٨، ٣٦٩٢]، وأحمد في مسنده [١/ ١٦٧، ٢/ ٤٧٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٢٣٢]، وابن أبي شيبة في مصنفه [٨/ ٤٣٧]، والهيثمي في مجمع الزوائد [١/ ٩٦، ٨/ ٣٠].
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٨ - (٢٥٦٧)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٢] باب فضل الحب في اللَّه.
[ ١ / ١٩٩ ]
مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه اللَّه، ومن أبغضهم أبغضه اللَّه" (^١).
وروينا في الترمذي مصححًا من حديث معاذ مرفوعًا: "قال اللَّه ﷿: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء" (^٢).
ورواه مالك بلفظ: "قال اللَّه: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ" (^٣).
وروينا في جامع الترمذي مصححًا، وسنن أبي داود من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: "إذا أحب الرجل أخاه، فليخبره أنه يحبه" (^٤).
وروينا في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح من حديث معاذ: "أنه ﷺ أخذ بيده وقال: "يا معاذ واللَّه إني لأُحبك" فقال: "أوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (^٥).
وروينا في سنن أبي داود من حديث أنس: "أن رجلا كان عند النبي ﷺ فمر رجل فقال: يا رسول اللَّه ﷺ إني لأحب هذا، فقال له: "أعلمته؟ " قاله: لا، قال: "أعلمه" فلحقه فقال: إني أحبك في اللَّه، فقال: أحبك الذي أحببتني له" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٧٨٣] كتاب مناقب الأنصار، [٤] باب حب الأنصار من الإيمان، ومسلم في صحيحه [١٢٩ - (٧٥)] كتاب الإيمان، [٣٣] باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان، وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق، والترمذي [٣٩٠٠] كتاب المناقب، باب في فضل الأنصار وقريش.
(٢) أخرجه الترمذي [٢٣٩٠] كتاب الزهد، باب ما جاء في الحب في اللَّه، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٣٩]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٩]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٢/ ١٣١]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ١٧٤].
(٣) أخرجه مالك في الموطأ [٩٥٤]، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٣٣]، وابن حبان في صحيحه [٢٥١٠ - الموارد]، والتبريزي في المشكاة [٥٠١١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ١٢٨].
(٤) أخرجه أبو داود في سننه [٥١٢٤] كتاب الأدب، باب إخبار الرجل بمحبته إليه، والترمذي [٢٣٩٢] كتاب الزهد، باب ما جاء في إعلام الحب.
(٥) أخرجه أبو داود [١٥٢٢] كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، والحاكم في المستدرك [١/ ٢٧٣، ٣/ ٢٧٣]، وابن حبان في صحيحه [٢٣٤٥ - الموارد]، وابن خزيمة في صحيحه [٧٥١]، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٤٥]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٢٤١]، والشجري في أماليه [١/ ٢٣٩].
(٦) أخرجه أبو داود في سننه [٥١٢٥] كتاب الأدب، باب إخبار الرجل الرجل بمحبته إياه، والحاكم في المستدرك [٤/ ١٧١]، وعبد الرزاق في مصنفه [٦٩٠٧]، والهيثمي في مجمع الزوائد [١٠/ ١٨٢]، وابن أبي عاصم في السنة [٢/ ٥٤٦، ٥٥٨]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥١٧].
[ ١ / ٢٠٠ ]