وهو فيما قال الجنيد: (^١) استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب.
وقال أبو سليمان الداراني: ترك ما هو أشغل عن اللَّه.
وقال الشبلي: هو غروب النفس عما سوى اللَّه، وثمرته أن لا تفرح بموجود من ذلك، ولا تأسي على مفقود منه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).
فأخبر اللَّه أن سرعة الدنيا وإقبالها وسرعة زوالها كالزرع، ثم ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (^٤) إلى قوله: ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (^٥).
_________________
(١) ومن أقواله: أعلى درجة الكبر أن ترى نفسك وأدناها أن تخطر ببالك يعني نفسك، وقال الجريري: سمعته يقول: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات، وذكر أبو جعفر الفرغاني أنه سمع الجنيد يقول: أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب ﷻ من القلب، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان. "تاريخ الإسلام للذهبي، وفيإت [٣٠١ - ٣٢٠] ".
(٢) سورة يونس [٢٤]. ضرب ﵎ مثلًا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها بالنبات الذي أخرجه اللَّه من الأرض بماء أنزل من السماء مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي زينتها الفانية ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] أي حسنت ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي جذاذها وحصادها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها، وأتلفت ثمارها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ [يونس: ٢٤]. "تفسير ابن كثير [٢/ ٤٢٢] ".
(٣) سورة الحاقة [٨].
(٤) سورة الكهف [٤٥].
(٥) سورة الكهف [٤٦].
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠] إلى قوله: ﴿الْغُرُورِ﴾ (^١).
فالدنيا ليست إلا من محقرات الأمور، فأي جدوى لها.
وقوله: كفيت، كناية عن سرعة زوالها، وفي الآخرة الأمور العظام الذي يعتنى بمثلها أُولوا النهى.
وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] (^٢) إلى قوله: ﴿الْمَآبِ﴾، ففيها بيان الوسائل الموصلة إلى ذلك من نساء وحرث وغير ذلك.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ (^٣)، وفيها النهي عن الافترار والانخداع إما بالدنيا حتى يذهب التمتع بها، والتلذذ بمتاعها عن العمل للآخرة، وطلب ما عند اللَّه.
وإما ما يوسوس به الغَرور من أنه لا يغتر من يموت، ولئن بعثت ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ (^٤)، وأشباه ذلك ما قعد عن سبيل اللَّه، والتزود للقيامة.
وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (^٥) الآية، فعاقبة الإلهاء ومنشؤه الجهل المحض.
_________________
(١) سورة الحديد [٢٠].
(٢) سورة آل عمران [١٤]. يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذِّ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغرب. "تفسير ابن كثير [١/ ٣٥١] ".
(٣) سورة فاطر [٥]. قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر: ٥] أي المعاد كائن لا محالة ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي العيشة الدنينة بالنسبة إلى ما أعد اللَّه لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم فلا تلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] وهو الشيطان، قاله ابن عباس، أي لا يفتنكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل اللَّه وتصديق كلماته؛ فإنه غرار كذاب أفاك. "تفسير ابن كثير [٣/ ٥٦٥] ".
(٤) سورة فصلت [٥٠].
(٥) سورة التكاثر [١١]. يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها، وقال الحسن البصري: ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد. "تفسير ابن كثير [٤/ ٥٤٤] ".
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ (^١) الآية، وفيها ازدراء الدنيا وتصغير أمرها كما يفهمه قوله: هذه، وكيف لا وهي لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة (^٢).
والمعنى وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها غير منتفعين بها بطائل إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون، وأن الآخرة ليس فيها إلا حياة مستمرة (^٣) دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة.
والحيوان مصدر حي، وأصله حييان، وفي بناء حيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في فعلان من معنى الحركة والاضطراب.
والحياة حركة كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة مبالغة في معناه.
وحاصل هذه الآيات البدأة بذكر ما فيه الزائل الفاسد، ثم بما فيه الباقيات الصالحات (^٤)، ثم بما يوضح مقاصد الزائل ووسائله الحقيرة، ثم ما ينهي عن الاغترار به، ثم بيان وبال عاقبة ذلك وهو الاغترار.
والآيات في الباب كثيرة مشهورة، ولنختم بالأحاديث، ومدارها على التحذير من الدنيا، وذكر سبب الانحدار بها، وما يسلي عنها وما ينفر عنها، وتحقير أمرها
_________________
(١) سورة العنكبوت [٦٤].
(٢) روى الترمذي [٢٣٢٠] في الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على اللَّه ﷿ عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها ضربة ماء".
(٣) روى مسلم في صحيحه [٤٠ - (٢٨٤٩)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [١٣] باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت" قال: "فيؤمر به فيذبح" قال: "ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت" قال: ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ: " ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩] " وأشار بيده إلى الدنيا.
(٤) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس، وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس: الباقيات الصالحات: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي؟ فقال: لا إله إلا اللَّه وسبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. "تفسير ابن كثير [٣/ ٨٨] ".
[ ١ / ٣٢٩ ]
وتسهيل الغروب عنها، وكيف ينبغي أن يكون الإنسان فيها وخاصة الزهد.
ومن أهله وما حالهم ومرتبة الدنيا عند اللَّه، وما لولاه لم يخلق وما يسقط الاعتبار منها، وأن الكافي منها قليل، والزائد مذموم مناف لمحبة الشارع، وذم الحرص وطول الأمل، ودلائل منازل الزهد، وذكر فوائده وموجباته ومجاريه.
وجماع ذلك أربعة وثلاثون حديثًا، وإن كانت أكثر من أن تحصى، وهذا الطرف ينبه على ما سواه.
الحديث الأول: حديث عمرو بن عوف الثابت في الصحيحين (^١): "أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فَوَافَوْا صلاة الفجر مع رسول اللَّه ﷺ، فلما صلى انصرف، فتعرضوا له، فتبسم حين رآهم ثم قال: "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ " فقالوا: أجل يا رسول اللَّه، قال: "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم" (^٢) وفيه أن شان الدنيا الإغراء بالتنافس والاتباع في الهلاك الديني والدنيوي بدليل من سلف".
الثاني: من حديث أبي سعيد الخدري الثابت في الصحيحين (^٣) أيضًا قال: جلس رسول اللَّه ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يُفتَحُ عليكم من زهرة الدنيا وزينتها".
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٠١٥] كتاب المغازي، باب [١٢] من شهود الملائكة بدرًا، ورقم [٦٤٢٥] كتاب الرقاق، [٧] باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ورقم [٣١٥٨] كتاب الجزية والموادعة، [١] باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، ومسلم في صحيحه [٦ - (٢٩٦١)] كتاب الزهد والرقائق، في فاتحته، والترمذي في سننه [٢٤٦٢] كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب [٢٨]، وابن ماجه في سننه [٣٩٩٧] كتاب الفتن، باب فتنة المال، وأحمد في مسنده [٤/ ١٣٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٨٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤/ ٨٠]، والطبراني في المعجم الكبير [١٧/ ٢٦]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٨/ ٨٧].
(٢) تقدم تخريجه في أوله.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٢٧] كتاب الرقاق، [٧] باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ومسلم في صحيحه [١٢٣ - (١٠٥٢)] كتاب الزكاة [٤١] باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، وأحمد في مسنده [٣/ ٢١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٨٣]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ٥٣].
[ ١ / ٣٣٠ ]
وفيه إرشاد إلى أن الدنيا جميع سرور العالم، إذ لا محذور ولا مخوف سواها.
الحديث الثالث: حديثه أيضًا الثابت في صحيح مسلم: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الدنيا حلوة خضرة (^١)، وإن اللَّه مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". (^٢)
وفيه تصريح بمقتضى ما قررناه، وفيه وما قبله أبلغ تحذير، وفيه بيان ما ينخدع به أبناء الدنيا، وأن استخلافهم فيها كرامة فيما ظنوه وليس ابتلاء.
الحديث الرابع: حديث أنس الثابت في الصحيحين مرفوعًا: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" (^٣).
وفيه ما يسلي عن الدنيا، ورغد عيشها؛ فإنه ليس بعيش حقيقي، والحقيقي هو الأخروي، وهذه اللفظة قالها ﷺ في أشد حاليه وأشرها تزهيدًا وتصبيرًا.
الخامس: حديثه أيضًا في الصحيحين مرفوعًا: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد؛ يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" (^٤) أخرجاه.
_________________
(١) قوله ﷺ: "إن الدنيا خضرة حلوة. . . . " إلى آخره، قال النووي: معناه تجنبوا الافتنان بها وبالنساء، وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزوجات ودوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن، ومعنى الدنيا خضرة حلوة يحتمل أن المراد به شيئان: أحدهما: حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلبًا حثيثًا، فكذا الدنيا، والثاني: سرعة فنائها كالشيء الأخضر في هذين الوصفين، ومعنى مستخلفكم فيها: جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فبنظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم. "النووي في شرح مسلم [١٧/ ٤٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٩٩ - (٢٧٤٢)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢٦] باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، والترمذي [٢١٩١] كتاب الفتن، باب ما جاء ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، وابن ماجه في سننه [٤٠٠٠] كتاب الفتن، باب فتنة النساء، وأحمد في مسنده [٦/ ٣٦٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٦٩]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ٣١١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٨٤].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤١٣] كتاب الرقاق، [١] باب الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة، ومسلم في صحيحه [١٢٦ - (١٨٠٤)] كتاب الجهاد والسير، [٤٤] باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، والترمذي في سننه [٣٨٥٦]، [٣٨٥٧] كتاب المناقب، باب في مناقب أبي موسى الأشعري، وأحمد في مسنده [٣/ ١٧٢، ٢٧٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٤٨، ٩/ ٣٩]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٢/ ٣٠١]، وعبد الرزاق في مصنفه [١٩٩٧٢]، والطبراني في المعجم الكبير [٦/ ٢٣٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٧٩٣].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥١٤] كتاب الرقاق، [٤٢] باب سكرات الموت، ومسلم في =
[ ١ / ٣٣١ ]
وهذا أول المنفرات، وهو أن الدنيا مودِّع مفارق لا صديق ملازم.
أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا ينخدع
كيف السرور بإقبال وآخره … إذا ما تأمله مقلوب إقبال
السادس: حديثه مرفوعًا: "يؤتى بانعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا واللَّه يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة (^١) فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا واللَّه يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط". أخرجه مسلم (^٢).
وهو ثاني التنفيرات، أي أنها توقع في النار، وحينئذ فكأنها لم تكن ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ (^٣).
السابع: حديث المستورد بن شداد ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع" (^٤) أخرجه مسلم.
_________________
(١) = صحيحه [٥ - (٢٩٦٠)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته، والترمذي في سننه [٢٣٧٩] كتاب الزهد، باب ما جاء مثل ابن آدم وأهله وولده وماله وعمله، وأحمد في مسنده [٣/ ١١٠]، والنسائي [٤/ ٥٣ - المجتبى]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٧١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١٠/ ٤]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٣٠٠، ٨/ ١٤٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥١٦٧].
(٢) قوله: "فيصبغ صبغة في الجنة" الصبغة بفتح الصاد أي يُغْمَسُ غمسة، والبؤس بالهمزة هو الشدة، واللَّه أعلم.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٥٥ - (٢٨٠٧)] كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، [١٢] باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، وصبغ أشدهم بؤسًا في الجنة، وأحمد في مسنده [٣/ ٢٠٣]، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة [١١٦٧].
(٤) سورة الشعراء [٢٠٥ - ٢٠٧]. أي لو أخذناهم وأنظرناهم وأمليناهم برهة من الدهر وحينًا من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر اللَّه أيَّ شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم. "تفسير ابن كثير [٣/ ٣٦٠] ".
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [٥٥ - (٢٨٥٨)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [١٨] باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة، والترمذي في سننه [٢٣٢٣] كتاب الزهد، باب منه - ما جاء في هوان الدنيا على اللَّه ﷿ والحاكم في المستدرك [٤/ ٣١٩]، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٢٩]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ٣٢٧، ٣٣٩]، والشجري في أماليه [٢/ ١٦٠]، والمنذري في =
[ ١ / ٣٣٢ ]
وهو ثالث المنفرات، وهو أنها تُفوِّت الآخرة ونسبتها في القلة إليها كبلة إصبع بالنسبة إلى اليم، ليت شعري هل يفهم لها نسبة أو هل يعبر عن قلة وحقارة بأبلغ من ذلك، أو هل يصرف النفس عنها بأحسن من ذلك.
الثامن: حديث جابر ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: "أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: واللَّه لو كان حيًا كان عيبًا فيه، لأنه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فواللَّه للدنيا أهون على اللَّه من هذا عليكم"" (^١) أخرجه مسلم.
قوله: كنفته: أي عن جانبيه، والأسك الصغير الأذن.
وفي هذا البيان المنفر الرابع، وهو أنها أهون عند اللَّه من هوان جدي أسك ميت على من يُعرض عليه بدرهم أو بلا شيء.
التاسع: حديث أبي ذر ﵄ قال: كنت أمشي مع رسول اللَّه ﷺ في حرَّة المدينة فاستقبلنا أُحد، فقال: "يا أبا ذر (^٢) " قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: "ما
_________________
(١) = الترغيب والترهيب [٤/ ١٧٤]. قال النووي: اليم البحر، وقوله بم ترجع ضبطوه بم ترجع بالمثناة فوق والمثناة تحت، والأول أشهر، ومن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى أحدكم، والمثناة فوق أعاده على الأصبع، وهو الأظهر، ومعناه لا يعلق بها كثير شيء من الماء، ومعنى الحديث ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها وفناء لذتها، ودوام الآخرة ودوام لذتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالأصبع إلى باقي البحر. "النووي في شرح مسلم [١٧/ ١٥٩] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٢ - (٢٩٥٧)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته، والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ١٣٩]، والبخاري في الأدب المفرد [٩٦٢].
(٣) قول ﷺ: "يا أبا ذر" فيه مناداة العالم والكبير صاحبه بكنيته إذا كان جليلًا، وقوله: "من مات من أمتك لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟!! قال: وإن زنى وإن سرق" فيه دلالة لمذهب أهل الحق أنه لا يخلد أصحاب الكبائر في النار، خلافًا للمعتزلة والخوارج، وقال النووي في موضع آخر: مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالمًا من المعاصي كالصغير والمجنون والذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار، وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة اللَّه -تعالى- إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة وإن شاء عذبه القدر الذي يريده ﷾ ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد. "النووي في شرح مسلم [١/ ١٩٢، ٧/ ٦٥]، طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٣٣٣ ]
يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا تمضي عليَّ ثالثة وعندي منه دينارًا إلا شيئًا أرصده لِدَيْنٍ إلا أن أقول به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا" عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا -عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم" ثم قال لي: "مكانك لا تبرح حتى آتيك" ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتًا قد ارتفع، فتخوفت أن يكون قد عرض للنبي ﷺ فأردت أن آتيه، فذكرت قوله لي: "لا تبرح حتى آتيك" فلم أبرح حتى أتاني، قلت: يا رسول اللَّه لقد سمعت صوتًا تخوفت فذكرت له، فقال: "وهل سمعته؟ " قلت: نعم، قال: "ذلك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" (^١) أخرجاه والسياق للبخاري.
وهو بيان للمنفر الخامس، وهو أكمل العقلاء عقلًا، ما يسره أن يكون عنده مثل أحد ذهبًا إلى آخر الحديث، ليس ذلك إلا لعلمه بحقائق الأشياء وما فيه منها خير وما لا، ويوضحه قوله: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة" (^٢) وفي الرواية الأخرى: "ليسرني أن لا يمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء" (^٣).
وفرق بين قولك: ما يسرني أن يبقى، ويسرني أن لا يبقى.
العاشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو كان لي مثل أحد ذهبًا لسرَّني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين" (^٤) أخرجاه.
الحادي عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٤٤] كتاب الرقاق، [١٤] باب قول النبي ﷺ: "ما أحب أن لي مثل أحد ذهبًا"، ومسلم في صحيحه [٣٢ - (٩٩١)] كتاب الزكاة، [٩] باب الترغيب في الصدقة، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٩٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١٨٩]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٨٦]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ٦٥، ٧/ ٢٣٤]، والزبيدي في الإتحاف [٤/ ١١، ٨/ ١٤٥]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ١٧٠، ٦/ ١٤٦].
(٢) انظر ما تقدم.
(٣) هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه [٦٤٤٥] كتاب الرقاق، [١٤] باب قول النبي ﷺ: "ما أحب أن لي مثل أحد ذهبًا"، ومسلم في صحيحه [٣١ - (٩٩١)] كتاب الزكاة، [٨] باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٣٥٤]، وابن حجر في تغليق التعليق [٨٢٧]، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة [١١٣٩].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٤٥] كتاب الرقاق، [١٤] باب قول النبي ﷺ: "ما أحب أن لي مثل أحد ذهبًا"، وقد تقدم تخريجه قبل هذا، وهو في مسلم بلفظ: "تأتي عليَّ ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدَيْن عليَّ".
[ ١ / ٣٣٤ ]
إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللَّه" (^١) أخرجاه والسياق لمسلم، وفي البخاري: "إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْق، فلينظر إلى من هو أسفل منه". (^٢)
وهذا أول مسهل للزهد على أهله، وهو المنازلة لا العلو.
الثاني عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي وإن لم يُعط لم يرض" (^٣) أخرجه البخاري.
وهو ثاني مسهل له، وهو دعاء بذلك والإخبار به لمن عبد غير خالقه.
الثالث عشر: عنه أيضًا قال: "لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّة ما منهم من رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته" (^٤) أخرجه البخاري.
وهو ثالث مسهل، وهو حكاية حال الزاهدين وكثرتهم، وفي من ليس مثلهم أُسوة فكيف بهم، وإشارة شديدة لخُلُق المحاكاة.
الرابع عشر: عنه مرفوعًا: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" (^٥) أخرجه مسلم.
وهو رابع مسهل، فما أفرح المؤمن بضيق دنياه، وما أحزنه باتساعها (لا لكاد) (^٦) ذلك.
_________________
(١) انظر تخريج ما يليه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٩٠] كتاب الرقائق، [٣٠] باب لينظر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من هو فوقه، ومسلم في صحيحه [٩ - (٢٩٦٣)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته، والترمذي في سننه [٢٥١٣] كتاب صفة القيامة، والرقائق والورع، وابن ماجه في سننه [٤١٤٢]، وأحمد في مسنده [٢/ ٤٨٢، ٢٥٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ٦٠].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٣٥] كتاب الرقاق، [١٠] باب ما يتقى من فتنة المال، وابن ماجه في سننه [٤١٣٥، ٤١٣٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ١٥٩، ١٠/ ٢٤٥]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٢٤٧].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٤٢] كتاب الصلاة، [٥٨] باب نوم الرجل في المسجد.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [١ - (٢٩٥٦)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته، والترمذي في سننه [٢٣٢٤] كتاب الزهد، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وابن ماجه [٤١١٣] في الزهد، باب مثل الدنيا، وأحمد في مسنده [٢/ ١٩٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ١٣٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٨/ ١٧٧]، وابن حبان في صحيحه [٢٤٨٨ - الموارد].
(٦) كذا بالأصل.
[ ١ / ٣٣٥ ]
الخامس عشر: حديث ابن عمر ﵄ قال: "أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"".
وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" (^١) أخرجه البخاري.
أي لا تركن إليها ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله.
وهذا بيان حال العاقل في دنياه، ولا أجمع من قوله: "كن" إلى آخره، فإن الغريب والمسافر لا يركن إلى غير مستقره، ولا يُعْنَى به، ولا يتخذه وطنًا، ولا يعلق قلبه بشيء منه كما أوضحناه.
السادس عشر: حديث سهل بن ساعد الساعدي قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عمل إذا أنا عملته أحبني اللَّه وأحبني الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ: "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"". (^٢) حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
وفيه ذكر خاصية الزهد ولازمه، وهو محبة اللَّه للزاهد، ومحبة الناس له، وكفى بذلك ترغيبًا فيه ومدحًا له.
السابع عشر: حديث النعمان ﵄ قال "ذكرت لعمر بن الخطاب ما أصاب الناس من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤١٦] كتاب الرقاق، [٣] باب قول النبي ﷺ: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، والترمذي في سننه [٢٣٣٣] كتاب الزهد، باب ما جاء في قصر الأمل، وابن ماجه [٤١١٤] كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، والطبراني في المعجم الكبير [١٢/ ٣٩٩]، والطبراني في الصغير [١/ ٣٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٤٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٢٧٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٣١٣].
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه [٤١٠٢] كتاب الزهد، [١] باب الزهد في الدنيا، وقال في الزوائد: في إسناده خالد بن عمرو، وهو ضعيف متفق على ضعفه، واتهم بالوضع، وأورد له العقيلي هذا الحديث وقال: ليس له أصل من حديث الثوري، لكن قال النووي عقب هذا الحديث: رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة، وأخرجه الحاكم في المستدرك [٤/ ٣١٣]، والطبراني في المعجم الكبير [٦/ ٢٣٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥١٨٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ١٣٦]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٥٦]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ٣٠٩]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ٢٣٨].
[ ١ / ٣٣٦ ]
به بطنه" (^١) أخرجه مسلم.
والدقل بفتح الدال والقاف رديء التمر.
وفيه بيان أهله وحالهم، وأن من الزهاد سيد البرية، بل هو أجَلَّهم، وأنه وصل من زهده إلى هذه الحالة لاسيما في أرض التمر الكثير، فطوبى لمن به تأسى واقتدى واتبع واهتدى.
الثامن عشر: حديث عائشة قالت: "توفي رسول اللَّه ﷺ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ، فكلته ففني" (^٢) أخرجاه.
وشطر الشعير أي شيء منه، كذا فسره الترمذي.
وهذا دال على استمرار هذه ودوامه حتى الممات بعد أن فتحت البلاد، ودانت العباد.
التاسع عشر: حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين قال: "ما ترك رسول اللَّه ﷺ عند موته درهما ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة" (^٣) أخرجه البخاري.
وهو وما قبله دالان على أن اقتناء ما لا بد منه ونحو الأقوات والربط والزواج ونحوه لا ينافي الزهد.
العشرون: حديث خباب بن الأرت قال: "هاجرنا مع رسول اللَّه ﷺ نبتغي وجه
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٦ - (٢٩٧٨)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته. والدقل: هو بفتح الدال والقاف، وهو تمر رديء، "كذا قاله النووي في شرح مسلم [١٨/ ٨٥] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٥١] كتاب الرقائق، [١٦] باب فضل الفقر، ومسلم في صحيحه [٢٧ - (٢٩٧٣)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته. قوله: "شطر شعير في رف" الرف بفتح الراء معروف، والشطر هنا معناه شيء من شعير، كذا فسره الترمذي، وقال القاضي: قال ابن أبي حازم: معناه نصف وسق، قال القاضي: وفي رواية هذا الحديث أن البرك أكثر ما تكون في المجهولات والمبهمات، وأما الحديث الآخر "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه" فقالوا: المراد أن يكيله منه لأجل إخراج النفقة منه بشرط أن يبقى الباقي مجهولا، ويكيل ما يخرجه لئلا يخرج أكثر من الحاجة أو أقل. "شرح مسلم للنووي [١٨/ ٨٤] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٤٦١] كتاب المغازي، [٨٥] باب مرض النبي ﷺ ووفاته، وأبو داود في سننه [٢٨٦٣]، وابن ماجه في سننه [٢٦٩٥]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١١/ ٢٠٧]، وابن عبد البر في التمهيد [٥/ ٢١]، والدارقطني في سننه [٤/ ١٨٥].
[ ١ / ٣٣٧ ]
اللَّه، فوقع أجرنا على اللَّه -تعالى- فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير؛ قتل يوم أحد وترك نمرة، فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجله بدا رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت ثمرته فهو يهدُبُها" (^١) أخرجاه.
والنمرة: كساء ملون من صوف، وأيعت: نضجت وأدركت، ويهدبها: بفتح الياء وضم الدال وكسرها لغتان: يقطعها ويجتنيها، وهذه استعارة لما فتح عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها.
وفيه أن من أهل الزهد اتباعه من السادة المهاجرين قريب مما وصف بهم حالهم، وقوله: "ومنا من أينعت له ثمرته" كالمتحزِّن من خوف تعجيل الأجر ونحو ذلك.
الحديث الحادي بعد العشرين: حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" (^٢) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
وفيه بيان مرتبة الدنيا عند اللَّه، ولا أبلغ من قوله ذلك، وهل مرتبة أحسن من ذلك.
الحديث الثاني بعد العشرين: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه وعالم أو متعلم" (^٣) رواه الترمذي وحسنه، وقد
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٤٨] كتاب الرقاق، [١٦] باب فضل ليلة القدر، ومسلم في صحيحه [٤٤ - (٩٤٠)] كتاب الجنائز، [١٣] باب في كفن الميت. الإذخر: بكسر الهمزة والخاه، وهو حشيش معروف طيب الرائحة، وفيه دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما بلي الرأس، وجعل النقص مما يلي الرجلين، ويستر الرأس، فإن ضاق عن ذلك شر العورة فإن فضل شيء جعل فوقها، فإن ضاق عن العورة سترت السوأتان لأنهما أهم، وهما الأصل في العورة، وقد يستدل بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن. "النووي في شرح مسلم [٧/ ٧] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣٢٠] كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على اللَّه ﷿ والهيثمي في مجمع الزوائد [١٠/ ٢٨٨]، وابن حجر في المطالب العالية [٣١٧٢]، والخطيب في تاريخ بغداد [٤/ ٩٢]، والسيوطي في الدر المنثور [٦/ ١٧]، والقرطبي في تفسيره [٦/ ٤١٥]، ورواه ابن ماجه في سننه [٤١١٠] في الزهد، باب مثل الدنيا، بلفظ "ولو كانت الدنيا تزن عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها قطرة أبدًا".
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣٢٢] كتاب الزهد، باب منه - ما جاء في هوان الدنيا على اللَّه ﷿ =
[ ١ / ٣٣٨ ]
يبق في العلم.
وفيه تقرير الحديث الذي قبله، فلعن الدنيا وما فيها ليس مجرد تحقير واستصغار، بل استرذال واستقذار واستفتاح يوجب الطرد والإبعاد، والمشير يشير إلى أن ذلك هو حكمة اتخاذ الدنيا والتنافس في إبقائها ولذلك تخرب إذا رفع العلم والقرآن والخير، فإذا لم يبق ما يقول: اللَّه اللَّه قامت القيامة.
الحديث الثالث بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا (^١) رواه الترمذي وحَسَّنه.
وفيه النهي عن أسباب ينشأ عنها الرغبة في الدنيا، منها اتخاذ الضيعة التي هي نوع وطن ويتشعب أسباب عمارتها إلى كل ديني ودنيوي.
الحديث الرابع بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: مرَّ علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نعالج خُصًّا لنا، فقال: "ما هذا؟ " فقلنا: قد وَهَى فنحن نُصْلحُه. قال: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (^٢) رواه أبو داود والترمذي بإسناد الشيخين، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الخامس بعد العشرين: حديث كعب بن عياض مرفوعًا: "إنَّ لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال" (^٣) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، فالمال فتنة هذه الأمة المحمدية، فأي لبيب يعتني بالفتنة والبلية؟
السادس بعد العشرين: حديث عثمان بن عفان ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ليس
_________________
(١) = وابن ماجه في سننه [٤١١٢] كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥١٧٦].
(٢) أخرجه الترمذي [٢٣٢٨] كتاب الزهد، باب منه - ما جاء في الهم في الدنيا وحبها، وابن حبان في صحيحه [٢٤٧١ - الموارد]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٣/ ٢٤١]، وأحمد في مسنده [١/ ٣٧٧].
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٥٢٣٦) كتاب الأدب، باب ما جاء في البناء، والترمذي في سننه (٢٣٣٥) كتاب الزهد، باب ما جاء في قصر الأمل، والنسائي (٢/ ٥٧٢. المجتبى)، وابن ماجه في الزهد، باب في البناء والخراب، وابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ٢١٨)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٤٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي في صحيحه (٢٣٣٦) كتاب الزهد، باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، والنسائي في الكبرى، كتاب الرقائق، وأحمد في مسنده (٤/ ١٦٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٨)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٧٨)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٥١٩٤)، والسيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٢٨)، والعجلوني في كشف الخفا (١/ ٢٧٧)، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٩٢).
[ ١ / ٣٣٩ ]
لابن آدم حق فى سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء" (^١) رواه الترمذي وصححه.
الجلف: الخبز ليس معه إدام. قاله النضر. أو غليظ الخبز، أو وعاء الجوالق. والخارج عنه (^٢) أقوال، فهذا هو الكافي وما سواه فضول لا ضرورة إليه.
السابع بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن الشخير ﵄ قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] (^٣) قال: يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (^٤) أخرجه مسلم.
فالتكاثر المذموم ليس إلا لملك موهوم، موضحه قولهم: مال الفضول لحادث أو فارث.
والحديث السالف: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟. . . الحديث" (^٥) وحديث: "وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت" (^٦) الحديث. وهذا القدر لا يلهي، ولا تكاثر فيه.
الثامن بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن المغفل، قال: جاء رجل لرسول اللَّه
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢٣٤١) كتاب الزهد، باب منه. ما جاء في الزهادة في الدنيا، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٢)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٥١٨٦)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٦٤)، والزبيدي في الإتحاف (٩/ ٣٠١)، والقرطبي في تفسيره (٤/ ٢٦، ٧/ ٢٤٠، ١٤/ ٣٠٨).
(٢) غير موجودة بالأصل، ووضعناها ليستقيم الكلام.
(٣) يقول تعالى: أشغلكم حب الديا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها؟ وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت، وزرتم المقابر وصرتم من أهلها؟ وقال الحسن البصري: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] في الأموال والأولاد. [تفسير ابن كثير (٤/ ٥٤٤)].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٣ - (٢٩٥٨)] كتاب الزهد والرقائق، في مقدمته، والترمذي في سننه (٢٣٤٢) كتاب الزهد، باب منه. ما جاء في الزهادة في الدنيا، والنسائي في الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٦١)، وأحمد في مسنده (٤/ ٢٤، ٣٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٣٤، ٤/ ٣٢٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٢١١، ٦/ ٢٨)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٧٢).
(٥) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٤٢) كتاب الرقاق، [١٢] باب ما قدم من ماله فهو له، وأحمد في مسنده (١/ ٣٨٢)، وهو في البخاري بتكملة: "قالوا يا رسول اللَّه ما منا إلا ماله أحب إليه، قال: "فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر".
(٦) انظر ما تقدم قبل هذا.
[ ١ / ٣٤٠ ]
ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه إني لأحبك. فقال: "انظر ما تقول" قال: واللَّه إني لأحبك. فقال: "انظر ما تقول" قال: واللَّه إني لأحبك، ثلاث مرات. فقال: "إن كنت تحبُّني فاعد للفقر تِجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه" (^١) رواه الترمذي وقال: حسن.
التِجفاف: بكسر التاء المثناة فوق، وإسكان الجيم وبالفاء المكررة هو الشيء يلبسه الفرس ليتقي به الأذى، وقد يلبسه الإنسان. وذلك مؤذن بالتنافس بين الدنيا ومحبة الشارع. فإن من خاص محبته زوال رأس كل خطيئة.
التاسع بعد العشرين: من حديث كعب بن مالك مرفوعًا: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" (^٢) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه ذم الحرص على المال والشرف، وهما ركنا الدنيا، ومنافاتهما للدين وإفسادهما له لائح.
الثلاثون: حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: "نام رسول اللَّه ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول اللَّه، لو اتخذنا لك وطاء، فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (^٣) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وهو مشتمل على دلائل الزهد، وهو أن لا يخطر بالبال أدوات الدنيا كنومه على حصير ولم يطلب وطاء، وأن لا تميل النفس إلى قبولها إذا عرضت عليه كما قال: "ما لي وللدنيا"، وأن يكون أمل الزهد قصير كقوله: "إنما أنا في الدنيا" إلى آخره، فلا كان الحرص ولا طول الأمل، لقد أوقعاني في كل رداء وهلكة.
الحادي بعد الثلاثين: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يدخل الفقراء الجنة قبل
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢٣٥٠) كتاب الزهد، باب ما جاء في فضل الفقر، والقاضي عياض في الشفا (٢/ ٦٥)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٩/ ٥٤٨).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٢٣٧٦) كتاب الزهد، باب [٤٣] والنسائي في الكبرى، في الرقائق، وأحمد في مسنده (٣/ ٤٥٦، ٤٥٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ٢٤١)، والزبيدي في الإتحاف (٨/ ١٤٤، ١٤٥)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥٤٠، ٥٤٨)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٥١٨١).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه (٢٣٧٧) كتاب الزهد، باب [٤٤]، وابن ماجه في سننه (٤١٠٩) كتاب الزهد، [٣] باب مثل الدنيا، وأحمد في مسنده (١/ ٣٩١)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٩٨)، والشجري في أماليه (٢/ ٢٠٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ١٠٢). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٣٤١ ]
الأغنياء بخمسمائة عام" (^١) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وفيه من فوائد الزهد، وأثره الذي هو الفقر، ودخولهم الجنة قبلهم بذلك المقدار، وكفى بذلك.
الثاني بعد الثلاثين: حديث ابن عباس، وعمران بن حصين مرفوعًا: "أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" (^٢) أخرجاه من حديث ابن عباس، وللبخاري من حديث عمران. (^٣)
وفيه من فوائده أن أكثر أهل الجنة الفقراء أو عامة من دخلها إذا قام ﷺ على بابها كما سيأتي، وأهل الجد محبوسون، وكفى بذلكم الحبس منفِّرًا.
الثالث بعد الثلاثين: حديث أسامة مرفوعًا: "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمر بهم إلى النار" (^٤) أخرجاه، والجد: الحظ والغنى.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢٣٥٣، ٢٣٥٤) كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، وابن ماجه في سننه (٤١٢٢) كتاب الزهد، باب منزلة الفقراء، وأحمد في مسنده (٢/ ٢٩٦، ٤٥١، ٥/ ٣٣٦)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٣٩)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ٢٤٦)، والزبيدي في الإتحاف (٨/ ٢٢٢، ٩/ ٢٨١)، والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢١٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٤٩) كتاب الرقاق، [١٦] باب فضل الفقر، ومسلم في صحيحه [٩٤ - (٢٧٣٧)] كتاب الرقاق، [٢٦] باب أكثر أهل الجة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، والترمذي (٢٦٠٢) كتاب صفة جهنم، باب ما جاء أن أكثر أهل النار النساء، وأحمد في مسنده (١/ ٢٣٤، ٣٥٩، ١٧٣)، والهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٢٢٣٤)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٦٢، ١٦٣).
(٣) وعن عمران بن حصين أخرجه.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٤٧) كتاب الرقاق، [٥١] باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه [٩٣ - (٢٧٣٦)] كتاب الرقاق، [٢٦] باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، وأحمد في مسنده (٥/ ٢٠٥)، والشجري في أماليه (٢/ ١٥٩، ٢٠٢)، والزبيدي في الإتحاف (٩/ ٢٧٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٢٢). وقال [النووي: قوله: "وإذا أصحاب الجد محبوسون" هو بفتح الجيم، قيل: المراد به أصحاب البخت والحظ في الدنيا والغنى والوجاهة بها، وقيل المراد أصحاب الولايات، ومعناه محبوسون للحساب، ويسبقهم الفقراء بخمسمائة عام كما جاء في الحديث، وقوله: "إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار" معناه من استحق من أهل الغنى النار بكفره أو معاصيه، وفي هذا الحديث تفضيل الفقر على الغنى، وفيه فضيلة الفقراء والضعفاء. [النووي في شرح مسلم (١٧/ ٤٤) طبعة دار الكتب العلمية].
[ ١ / ٣٤٢ ]
الخاتمة: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل" (^١) أخرجاه.
وهو بيان مجاري الزهد ومحتمة، فتأمل ذلك، وكل باطل، فحتم على العاقل عزوب النفس عنه، تواصيًا بالحق، وحفظًا للتوحيد المحض ولا براعة ختم كهذا.
ولنذكر الحكايات المتعلقة بالزهد مع طرف منها:
الأولى: روي أن عيسى ﷺ صحبه رجل وقال: يا نبي اللَّه، أكون معك، فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغذَّيان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين، وبقى رغيف، فقام عيسى ﷺ إلى النهر فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، فانطلق ومعه الرجل فرأى ظبية (^٢) معها ولدان لها، فدعا واحدًا فأتاه فذبحه وشوى منه فأكل هو وذلك الرجل، ثم قال له بعد ما ذبحه وأكلا منه قم بإذن اللَّه ﷿ فقام، فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية، من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، فانطلقا حتى انتهيا إلى مغارة، فجمع عيسى ﷺ ترابًا وكثيبًا ثم قال: كن ذهبًا بإذن اللَّه ﷿ فصار ذهبًا، فقسمه ثلاثة أقسام وقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث للذي أخذ الرغيف، فقال أنا الذي أخذت الرغيف، قال: فكله لك، وفارقه عيسى ﷺ فانتهيا إلى رجلان في المغارة ومعه الذهب، فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه، فقال: هو بيننا أثلاثًا، فقبلا ذلك، فقال: يذهب واحد إلى القرية حتى يشتري لنا طعامًا، فذهب واحد واشترى طعامًا وقال في نفسه: لأي شيء أقاسمهما هذا المال، أنا أجعل في الطعام سما فأقتلهما وآخذ المال جميعه، فجعل فيه السم، وقالا هما فيما بينهما: لأي شيء نجعل لنا ثالثًا، إذا رجع قتلناه، واقتسمنا المال نصفين، فلما رجع إليهما قتلاه، ثم أكلا من الطعام فماتا، فبقي ذلك المال في المغارة وأولئك الثلاثة قتلى عنده، فمر عليهم عيسى ﷺ فرآهم على تلك الحالة فقال لأصحابه: هذه الدنيا فاحذروها.
الحكاية الثانية: روي أن عيسى ﷺ كشفت له الدنيا في صورة عجوز شمطاء عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك، قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى ﵇: بؤسًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٨٩) كتاب الرقاق، [٢٩] باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك، ومسلم في صحيحه [٣ - (٢٢٥٦)] كتاب الشعر في مقدمته، وابن ماجه (٣٧٥٧)، وأحمد في مسنده (٢/ ٣٣٩)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٤٧٨٦).
(٢) الظبي: جنس حيوانات من ذوات الأظلاف والمجوفات القرون، أشهرها الظبي العربي، ويقال له الغزال الأعفر، وهي ظبية، جمعها: ظباء.
[ ١ / ٣٤٣ ]
لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين كيف تهلكينهم واحدًا بعد واحد، فلا يكونون منك على حذر. (^١)
الحكاية الثالثة: قال الفضيل ﵀: بلغني أن رجلًا عرج بروحه في المنام، فرأى امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلي والثياب، وإذا بها لا يمر بها أحد إلا جرحته، فإذا أدبرت كانت أحسن الناس عجوزًا زرقاء شمطاء عمشاء، قال: فقلت لها: نعوذ باللَّه منك، فقالت: لا واللَّه لا يعيذك اللَّه حتى تبغض الدرهم (^٢) قلت: من أنت؟ قالت: أنا الدنيا.
الحكاية الرابعة: روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: أدّ أمانتك فيقول: من أين يا رب؟ قد ذهبت الدنيا، فتمثل له الدنيا على هيأتها يوم أخذها في قعر جهنم، فينزل فيأخذها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها، حتى إذا ظن أنه خرج بها هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين.
الحكاية الخامسة (^٣): قال طلحة بن يحيى: حدثتني جدتي بنت عوف قالت: دخلت على طلحة فرأيته مغمومًا، فقلت: ما شأنك؟ قال: إن المال الذي عندي قد كثر وأكربني، فقلت: ما عليك؛ اقسمه، فقسّمته حتى ما بقي درهم، قال طلحة بن يحيى: فسألت خازن طلحة كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف.
الحكاية السادسة: قال أنس: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتًا رجَّت منه المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا جِمَال قدمت لعبد الرحمن بن عوف، وكانت سبعمائة راحلة فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "رأيت عبد الرحمن بن
_________________
(١) في الزهد في الدنيا: روى البخاري في صحيحه (٦٤١٦) في الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، عن ابن عمر، وفيه: "وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك".
(٢) في فتنة المال: روى البخاري في صحيحه (٦٤٣٥) كتاب الرقاق [١٠] باب ما يتقى من فتنة المال، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض".
(٣) روى هذه القصة بطريق آخر الذهبي في تاريخ الإسلام، وفيات سنة (٣٦) وفيه: "قال أبو إسماعيل الترمذي بسنده عن موسى بن طلحة أن اباه أتاه مال من حضرموت سبعمائة ألف، فبات ليته يتململ، فقالت له زوجته: ما لك؟ فقال تفكرت فقلت: ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته، قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك، فإذا أصبحت فاقسمها، فقال: إنك موفقة. وهي أم كلثوم بنت الصديق - فقسمها بين المهاجرين والأنصار، فبعث إلى علي منها وأعطى زوجته ما فضل، فكان نحو ألف درهم.
[ ١ / ٣٤٤ ]
عوف يدجل الجنة حبوًا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته، قال: فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل اللَّه ﷿. (^١)
الحكاية السابعة: عن المِسْوَر قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضًا من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسَّم المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة بمال من ذلك المال.
فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لن يحنو عليكم بعدي إلا الصالحون" (^٢).
سقى اللَّه ابن عوف من سلسبيل الجنة.
الحكاية الثامنة: وهو حديث عن ابن عمر قال: "كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فدخلها في صدره بخلال (^٣) فقال: "يا جبريل أنفق ماله قبل الفتح" قال: فإن اللَّه يقرأ عليه¬ السلام، ويقول لك: قل له: أراض أنت عني في فقرك أم ساخط، فقال أبو بكر: أسخط على ربي، أنا على ربي راض، قالها أربعًا. (^٤)
الحكاية التاسعة: قال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوِّم بمائة ألف فقسمته بين أزواج النبي ﷺ.
الحكاية العاشرة: قالت أم ذرَّة: (^٥) بعث الزبير إلى عائشة بغرارتي مال فيهما ثمانون ألفًا أو مائة ألف، فدعت بطبق. وهي يومئذ صائمة. فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم. فلما أمست قالت: يا جارية ائتيني بعشائي. فجاءتها بخبز وزيت. فقالت لها أم ذرة ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟ فقالت: لا تعتبيني، لو كنت ذكرتيني لفعلت (*).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ١١٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٩٠، ٦/ ٣٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٩٨)، والزبيدي في الإتحاف (٨/ ٢١٦).
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٩٩)، ورواه أحمد في مسنده (٦/ ١٠٤)، وذكره الحاكم في مستدركه (٣/ ٣١١) عن أم سلمة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ لأزواجه: "إن الذي يحنو عليكن بعدي لهو الصادق البار، اللهم اسق ابن عوف من سلسبيل الجنة".
(٣) الخِلال: منفرج ما بين الشيئين، والعود الذي يتخلل به، والديار: مضى فيها ومشى خلالها، وهنا يقصد عودًا ضم به العباءة نظرًا لما أصابها من التمزق من القدم.
(٤) أخرجه ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٤٨٦) وذكره الهندي في كنز العمال (٣٥٦٥٨).
(٥) أم ذرة المدنية مولاة عائشة، مقبولة، أخرج لها أبو داود. [انظر تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٦٧، رقم ٢٩٤٤)]. (*) ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، وفيات سنة (٥١ - ٦٠) وفيه أيضًا عن عروة، رأيتها تصدق بسبعين ألفًا، وإنها لترفع جانب درعها.
[ ١ / ٣٤٥ ]
الحكاية الحادية عشرة: قال عروة: لقد رأيت عائشة تقسم سبعين ألفًا وهي ترقع درعها (*).
الثانية عشرة: حكي أنه كان لهارون الرشيد (^١) ولد قد بلغ من العمر ست عشرة سنة، وكان قد رافق الزهاد والعباد، وكان يخرج إلى المقابر ويقول: قد كنتم قبلنا، وقد كنتم تملكون الدنيا، فما أراها تنجيكم، وقد صرتم إلى قبوركم، فيا ليت شعري: ما قلتم وما قيل لكم؟ ويبكي بكاء شديدًا، وكان ينشد:
ترف عني الجنائز كل يوم … ويحزنني بكاء النائحات
فلما كان في بعض الأيام مر على أبيه وحوله وزراؤه وكبار دولته وأهل مملكته، وعليه جبة صوت، وعلى رأسه مئزر صوت، فقال بعضهم لبعض: قد فضح هذا الولد أمير المؤمنين بين الملوك، فلو عاتبه لعله يرجع عما هو عليه؟ قال: فكلمه في ذلك، فقال: يا بني لقد فضحتني بما أنت عليه، فنظر إليه ولم يجبه، ثم نظر إلى طائر على شرفة من شراريف القصر، فقال: أيها الطائر بحق الذي خلقك إلا ما جئت على يديّ. فانقض الطائر على كف الغلام، ثم قال: ارجع إلى موضعك، فرجع على موضعه، فقال: بحق من خلقك إلا ما سقطت في كف أمير المؤمنين، فما نزل، فقال له الغلام: أنت الذي فضحتني بحبك الدنيا، وقد عزمت على مفارقتك، ففارقه ولم يتزود منه بشيء إلا مصحفًا، وانحدر إلى البصرة.
وكان قد وقع في جداري حائط، فخرجت أطلب من يعمله، فرأيت غلاما لم أر أحسن منه وجهًا، وبين يديه زنبيل، وهو يقرأ في مصحف، فقلت له: يا غلام أتعمل؟ قال: ولم لا أعمل وللعمل خلقت؟ ولكن أخبرني في أي الأعمال تستعملني؟ قلت: في الطين. قال: بدرهم ودانق، وأصلي صلاتي؟ قال: لك ذلك، ثم مضيت به إلى العمل وتركته يعمل، فلما كان آخر النهار وجدته عمل عمل عشرة رجال. فوزنت له درهمين فأباهما إلا درهمًا ودانقًا.
فلما كان من الغد خرجت إلى السوق فلم أجده، فسألت عنه فقيل لي: إنه لا يعمل إلا يوم السبت، ثم لا نراه إلا يوم السبت الثاني، فأخرت العمل إلى الثاني ثم أتيته، فوجدته، فقال لي مثل الأول، فمضيت به إلى العمل، فوقفت أنظر إليه من بعيد
_________________
(١) (*) ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، وفيات سنة (٥١ - ٦٠) وفيه أيضًا عن عروة، رأيتها تصدق بسبعين ألفًا، وإنها لرفع جانب درعها.
(٢) هارون الرشيد من أشهر أمراء الدولة العباسية، وقد بلغت فيها الدولة الإسلامية أعظم قوتها واتساعها، وكانت تهابه ملوك العجم من الروم والفرنج.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وهو لا يراني، فأخذ كفا من طين وتركه على الحائط وإذا الحجارة تتركب بعضها على بعض، فقلت: هكذا أولياء اللَّه يعانون. فلما أراد أن ينصرف وزنت له ثلاثة دراهم فأبى أن يقبلها، ولم يقبل سوى درهمًا ودانقًا (^١).
فلما كان السبت الثالث جئت على السوق فلم أره، فسألت عنه، فقيل لي: له ثلاثة أيام وجِعٌ يعالج سكرات الموت، فوهبت أجرة لمن يدلني عليه، ومشينا حتى وقفنا عليه في خراب بلا باب، وإذا هو مغشى عليه، فسلَّمت عليه، فإذا تحت رأسه نصف لبنة وهو في حال الموت، فسلمت عليه ثانية فعرفني، فأخذت رأسه فجعلته في حجري فمنعني من ذلك، وأنشأ يقول:
يا صاحبي لا تغترَّ (^٢) بتنعم … فالعمر ينفد والنعيم يزول
وإذا علمت بحال قوم مرة … فاعلم بأنك عنهم مسئول
وإذا حملت إلى القبور جنازة … فاعلم بأنك بعدها محمول
فقلت: يا حبيبي، ولم لا أكفنك في ثياب جديدة؟ فقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت، الثياب تبلى والعمل يبقى، وخذ مئزري وسروالي فادفعهما للحفار، وخذ هذا المصحف والخاتم فادفعهما إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، ولا تدفعهما إلا من يدك إلى يده، وقل له: يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب، وهو يقول لك: لا تموتنَّ على غرَّتك، أو قال على غفلتك، ثم خرجت روحه. ﵀. فعلمت أنه ولد الخليفة، وعملت كل ما أوصاني به، وأخذت المصحف والخاتم ودخلت بغداد، وقصدت هارون الرشيد ووقفت في موضع مشرف، فخرج موكب في تقدير ألف فارس، ثم تبعه عشرة مواكب، كل موكب ألف فارس، وخرج أمير المؤمنين في الموكب العاشر، فناديت: بقرابتك من رسول اللَّه ﷺ يا أمير المؤمنين إلا ما وقفت لي قليلًا، فلما رآني قلت: يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب، ثم دفعت إليه المصحف والخاتم، وقلت له ما أوصاني به.
فنكَّس رأسه وأسال دمعته، وأوصى عليَّ بعض الحجَّاب وقال: ليكن هذا عندك إلى أن أسألك عنه. فلما رجع هو وأصحابه أمر بالستور فرفعت ثم قال للحاجب: هات الرجل، وإن كان يُجدِّد عليَّ أحزاني، فقال لي الحاجب: يا أبا عامر إن أمير المؤمنين مهموم، فإذا أردت أن تكلمه عشر كلمات فاجعلها خمسا، فقلت: نعم.
ودخلت عليه، فإذا مجلسه خالٍ، فلما رآني قال: ادن مني يا أبا عامر، فدنوت
_________________
(١) الدانق: سدس الدرهم، جمعها: دوانق، ودوانيق.
(٢) غرَّ الرجل غرة: جهل الأمور وغفل عنها، واغتر فلان، غفل، وبكذا: خُدع به.
[ ١ / ٣٤٧ ]
منه، فقال: أتعرف ولدي؟ قلت: نعم، قال: في أي شيء كان يعمل؟ قلت: في الطين والحجارة، قال: استعملته أنت؟ قلت: نعم. قال: استعملته وله اتصال برسول اللَّه ﷺ؟ فقلت: المعذرة إلى اللَّه ثم إليك يا أمير المؤمنين؛ فإني ما علمت من هو إلا عند وفاته. قال: أنت غسَّلته بيدك؟ قلت: نعم. قال: هات يدك، فأخذها وتركها على صدره وهو يقول: بأبي كيف كفنت العزيز القريب؟ ثم أنشأ يقول:
يا غريبا عليه قلبي يذوب … ولعيني عليه دمع سَكُوب
يا بعيد المكان حزني قريب … كدَّر الموت كل عيش يطيب
كان نذرًا عليَّ قضيت لحين … فمضى النذر في الثدي (والقضيب) (^١)
قال: ثم تجهز وخرج إلى البصرة وأنا معه، حتى انتهى إلى القبر. فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق أنشد يقول:
يا غائبا لا يؤوب (^٢) من سفره … عاجله موته على صغره
يا قرة العين كنت لي أنسا … في طول ليلي نعم وفي قصره
شربت كأسا أبوك شاربها … لا بد من شربها على كبره
اشربها والأنام كلهم … من كان من بدوه ومن حضره
فالحمد للَّه لا شريك له … قد كان هذا القضاء من قدره
قال أبو عامر: فلما كان تلك الليلة قضيت وردي واضجعت، فإذا (يفتة) (^٣) من نور عليها صحاف من نور، وإذا قد كشف الصحاف، فإذا الغلام ينادي: يا أبا عامر جزاك اللَّه عني خيرا، فقلت: ولدي إلى ماذا صرت؟ قال: إلى رب راض غير غضبان؛ أعطاني ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (^٤) وآلى على نفسه أن لا يخرج عبد من الدنيا مثل خروجي إلا كرمه مثل كرامتي.
فاستيقظت فرحًا به وبما قال لي وبشرني به - رحمه اللَّه تعالى.
الثالثة عشرة: عن عبد الرحمن بن حفصة قال: إنه رأى عمر يبكي، فجلس يبكي لبكائه.
_________________
(١) كذا بالأصل، وأظنها (وانقلب).
(٢) الأوب: الجهة والناحية، يقال: جاءوا من كل أوب.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) حديث "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" أخرجه مسلم في صحيحه [٢ - (٢٨٢٤)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها في مقدمته.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ثم جاء محمد فجلس يبكي لبكائهما، فاشتد بكاؤهم جميعًا، فبكى الرسول (^١) أيضًا لبكائهم، ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك، وأرسل إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن يستعلم عن ذلك البكاء، فجاء ربيعة وذكر ذلك لمحمد، فقال محمد سله؛ فهو أعلم ببكائه، فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير؟ فقال: إني واللَّه حسبت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة فيها نصيب، فذلك الذي أبكاني. وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة.
قال: فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك، فبكى وقال: هكذا واللَّه يكون أهل الجنة.
الرابعة عشرة: عن ذي النون (^٢) قال: بينما أنا أسير في بعض الطرق إذا أنا بفتى حسن الوجه، بين عينيه أثر التهجد، فقلت: حبيبي، من أين قدمت؟ فقال من عنده. فقلت: وإلى أين تريد؟ قال: إلى عنده. قال: فعرضت عليه النقود، فنظر إليَّ مغضبا ثم ولى، وأنشأ يقول:
وكافر باللَّه مولاه … يزداد ضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهم … يزداد إيمانًا على فقره
لا خير في من لم يكن عاقلًا … يمد رجليه على قدره
الخامسة عشرة: قال أبو علي بن جبران: مرَّ أبو تراب بمزيِّن فقال: أتحلق رأسي للَّه تعالى؟ فقال له: اجلس، فجلس، فبينما هو يحلق رأسه إذ مر به أمير من أهل بلده، فسأل حاشيته، فقال: أليس هذا أبو تراب؟ فقالوا نعم. فقال أي شيء معكم من الدنانير؟ فقال له رجل: معي خريطة فيها ألف دينار، قال: إذا قام فأعطه إياها واعتذر إليه، وقل له: لم يكن معنا غير هذه.
فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير. فقال: ادفعها إلى المزين، فقال المزين: أي شيء أعمل بها؟ فقال: خذها. فقال: واللَّه ولو أنها ألف دينار ما أخذتها، فقال الغلام: إنها ألف دينار. قال لا حاجة لي بها، إنما حلقت رأسه لوجه اللَّه. فقال له أبو تراب: ردها
_________________
(١) كذا بالأصل، وأظنه الرسول الذي أرسله الأمير إلى عمر، هذا الذي لم يعرف ما هو، وأظنه أحد الزهاد.
(٢) اسمه ثوبان بن إبراهيم، ويقال: أبو الفيض بن أحمد، ويقال: ابن إبراهيم أبو الفيض، ويقال: أبو الفياض الأخميمي، وأبوه نوبي، وروى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل وسفيان بن عيينة وسلم الخواص، وجماعة، توفي سنة (٢٤٦، ٢٤٨).
[ ١ / ٣٤٩ ]
عليه وقل له إن المزين ما رضي يأخذها، فخذها أنت واصرفها في مهماتك.
السادسة عشرة: قال الشبلي: قال لي خاطري يومًا: أنت بخيل، فقلت: ما أنا بخيل، فقال: بلى أنت بخيل ثلاثا. فنويت أن أول شيء يفتح به علي أعطيه لأول فقير ألقاه، فما تم الخاطر حتى دخل عليَّ إنسان. سماه (^١) بخمسمائة دينار، فأخذتها وخرجت فأول من لقيت فقيرًا ضريرًا أو قال: أكمه (^٢) بين يدي مزين يحلق شعره، فناولته ذلك، قال: أعطها للمزين. فقلت: إنها دنانير، فرفع رأسه إليَّ وقال: أما قلنا لك إنك بخيل؟ فناولتها للمزيِّن فقال: عقدت مع اللَّه عقدًا أن لا آخذ من هذا الفقير شيئًا.
قال: فأخذتها وذهبت بها إلى البحر فرميتها فيه، وقلت: فعل اللَّه بك وفعل؛ ما أحبك أحد إلا أذله اللَّه.
فإن قلت: كيف رماها الشبلي وساغ له ذلك؟ قلت: يجوز أن يكون غائبا أو شهد فيها سما مهلكا، أو كان ذلك بإشارة مؤذية اضطر إلى ذلك.
السابعة عشرة: عن إبراهيم بن شبيب قال: كنا نتجالس في يوم الجمعة، فأتى رجل عليه ثوب واحد ملتحف به فجلس إلينا وألقى مسألة، فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا.
ثم جاءنا في الجمعة فأجبناه وسألناه عن منزله، فأخبرنا به، وسألناه عن كنيته فقال: أبو عبد اللَّه. فرغبنا في مجالسته، فمكثنا كذلك زمنًا، ثم انقطع عنا، واجتمعنا وأتيناه في بيته وسألنا عنه فقال: ذاك أبو عبد اللَّه الصياد ذهب يصطاد والآن يأتي، فقعدنا ننتظره، وإذا هو قد أقبل مؤتزرًا بخرقة، وعلى كتفه أخرى، ومعه أطيار مذبوحة، وأطيار أحياء. فلما رآنا تبسم إلينا، فقلنا: قد كنت عمَّرت مجلسنا فما غيَّبك عنا؟ قال: إذًا أصدقكم، كان لي جار أستعير منه ذلك الثوب الذي كنت آتيكم به، وقد سافر. ثم قال: هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق اللَّه، فدخلنا وقعدنا، فدخل على امرأته وسلم إليها الأطيار المذبوحة، وأخذ الأطيار الأحياء فباعها بالسوق واشترى خبزًا وملحًا، وقد صنعت المرأة ذلك وهيأته، فقدم إلينا خبزًا وطيرًا وملحًا، فأكلنا وخرجنا.
فقال القوم بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى حال هذا الرجل وما هو فيه من الفقر مع فضله وصلاحه، وأنتم قادرون على أن تجمعوا له ما يقوم بحاله. فاتفقوا على أن
_________________
(١) أي سماه باسمه.
(٢) كَمِهَ الرجل كمها: عمي، فهو أكمه، وهي كمهاء.
[ ١ / ٣٥٠ ]
يجمعوا له ما يستغني به، وانصرفنا على عزم أن نأتي بما وعدوه به، وهو خمسة آلاف درهم.
فلما مررنا بالمربد إذا أمير البصرة محمد بن سليمان قاعد في منظرة له، وهو يقول: يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب، قال: فأتيته، فسألنا عن قصتنا، ومن أين أقبلنا، فصدقته الحديث، فقال: أنا أحقكم، فأمر له بعشرة آلاف درهم. ففرحت بذلك وأسرعت، فلما رآها انقلب وتغير لونه وقال: ما لي ولك يا هذا؟ أتريد أن تفتنني؟ فأخبرته الخبر، وأن الأمير أخذ (. . . . .) (^١) فازداد غضبًا وأغلق الباب، فرجعت إلى الأمير فأخبرته، فقال: حروري، وأمر بضرب عنقه، فسكنته وقلت: أنا آتيك به، فسكن غضبه، ثم أتيته فإذا زوجته تبكي، وقالت: ما شأنكم بأبي عبد اللَّه؟ دخل فنزع ما كان عليه وتوضأ ثم صلى، فسمعته يقول: اللهم اقبضني إليك ولا تفتني، فقضى نحبه.
فأخبرت الأمير، فصلى عليه وعامة أهل البصرة.
الثامنة عشرة: عن عمر بن عبد العزيز أنه قيل له لما حضرته الوفاة: تركت أولادك فقراء لا شيء لهم (^٢). فقال: أولادي أحد رجلين: إما رجل يتقي اللَّه فسيجعل اللَّه له مخرجا وهو يتولى الصالحين، وإما رجل منكب على المعاصي، فلا أقويه على معاصي اللَّه.
وكان ﵄ يؤتى بالحلة قبل أن يتولى الخلافة بألف درهم فيقول: ما أحسنها لولا خشونة ما فيها. ويؤتى بالحلة وهو في الخلافة بأربعة دراهم أو ستة فيقول: ما أحسنها لولا نعومة فيها. فقيل له في ذلك، فقال: إن لي نفسا تواقة ذواقة؛ إذا تاقت إلى شيء وذاقت تاقت إلى ما فوقه، فلم تزل تتوق وتذوق إلى أن ذاقت الخلافة فتاقت إلى ما فوقها، فلم تجد شيئًا فوقها إلا ما عند اللَّه تعالى في الدار الآخرة
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) قال مالك بن دينار: الناس يقولون: إني زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. وقال الفسوي بسنده عن عبد العزيز بن عمر، قال دعاني المنصور قال: كم كانت غلة عمر بن عبد العزيز حين أفضت إليه الخلافة؟ قلت: خمسون ألف دينار، فقال: كم كانت غلته يوم مات؟ قلت: ما زال يردها حنى كانت مائتي دينار. وبسنده عن مسلمة بن عبد الملك قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لامرأته فاطمة. وهي أخت مسلمة: اغسلوا قميص أمير المؤمنين، قالت: نفعل، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت لها: فقالت: واللَّه ما له قميص غيره. [تاريخ الإسلام، وفيات [(١٠١ - ١١٠)].
[ ١ / ٣٥١ ]
فتاقت إليه، ولا يمكن الوصول إليه إلا بترك الدنيا.
التاسعة عشرة: سئل حاتم الأصم (^١) فيما أفنيت عمرك؟ فقال: في أربعة أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر اللَّه طرفة عين فاستحييت أن أعصيه. وعلمت أن لي رزقا لا يجاوزني، وقد ضمنه لي فوثقت به عن طلبه، وعلمت أن عليَّ فرضًا لا يؤديه غيري فاشتغلت به، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته. وقد سلف في المراقبة.
العشرون: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (^٢) أنه خرج حاجًا، ولما نظر إلى البيت بكى حتى علا صوته، فقيل له: إن الناس ينظرون إليك، فلو رفقت صوتك قليلًا. فقال: ولم لا أبكي؟ لعل اللَّه ينظر إليَّ برحمة منه فأفوز بها عنده غدًا. ثم طاف وركع خلف المقام ورفع رأسه من السجود فإذا موضع سجوده مبتل بدموع عينيه. فقال لبعض أصحابه: إني لمحزون، وإني مشتغل القلب. فقيل له: لِمَ؟ قال: إنه من دخل قلبه صافي خالص دين اللَّه شغله عما سواه، وما عسى أن تكون الدنيا؟ هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة استحسنتها، أو أكلة أكلتها؟ أو كما قال (^٣).
الحادية بعد العشرين: قال كعب: استخرجت من التوراة خمس عشرة كلمة فجعلتها في قصبة وربطتها في عنقي، فكنت أقرأها كل يوم خمس عشرة مرة.
أولها: يقول اللَّه: يا ابن آدم لا تخف فوت الرزق ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني مملوءة لا ينفد ما فيها أبدًا.
ثانيها: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيًا، وسلطاني باق لا ينفد أبدا.
_________________
(١) حاتم الأصم، أبو عبد الرحمن البلخي الزاهد الناطق بالحكمة، له كلام عجيب في الزهد والوعظ، وكان يقال له لقمان هذه الأمة، وصحب شقيق البلخي وتأدب بآدابه. قال أبو تراب: سمعت حاتم الأصم يقول: لي أربع نسوة، وتسعة أولاد ما طمع شيطان أن يوسوس في شيء من أرزاقهم.
(٢) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر، الهاشمي، الباقر، العلوي الفاطمي المدني القرشي، زين العابدين، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة فاضل. [تهذيب التهذيب (٩/ ٣٥٠)، تقريب التهذيب (٢/ ١٩٢)].
(٣) روى مسلم في صحيحه [٤ - (٢٩٥٩)] كتاب الزهد، في المقدمة، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث؛ ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأبقى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس".
[ ١ / ٣٥٢ ]
ثالثها: يا ابن آدم لو أنني أعطيتك الدنيا كلها ما كان لك منها إلا القوت، فإذا أعطيتكه منها وجعلت حسابها على غيرك فأنا محسن إليك.
رابعها: يا ابن آدم لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط (^١).
خامسها: يا ابن آدم إني خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا يشغلك ما خلقته من أجلك عما خلقتك لأجله.
سادسها: يا ابن آدم ما أنصفتني في المعاملة؛ أنا لعنت إبليس وغضبت عليه وطردته من أجلك، فصالحته وقطعتني.
سابعها: يا ابن آدم كل أحد يريدك له، وأنا أريدك لي، وأنت تفرَّ مني.
ثامنها: يا ابن آدم أنا وحقي لك محب، فبحقي كن أنت لي محبًا.
تاسعها: يا ابن آدم إني خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه إليك من حيث لا تحتسب؟ (^٢).
عاشرها: يا ابن آدم تغضب علي من أجل نفسك؟!
الحادية عشرة: يا ابن آدم كما لا أطالبك بعمل غدٍ لا تطالبني برزق غدٍ.
الثانية عشرة: يا ابن آدم إن لي فرضا، ولك عليّ رزق (^٣) فإن خالفتني في
_________________
(١) فيما روى مسلم في صحيحه [٢٩٩ - (١٨٢)] كتاب الإيمان، [٨١] باب معرفة طريق الرؤية، عن أبي هريرة من حديث طويل، وفيه: "ويضرب الصراط بين ظهري جهنم. . . . " الحديث. قال [النووي: وفي هذا إثبات الصراط ومذهب أهل الحق إثباته، وقد أجمع السلف على إثباته، وهو جسر على متن جهنم، يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون على حسب حالهم، أي منازلهم، والآخرون يسقطون فيها -أعاذنا اللَّه الكريم منها- وأصحابنا المتكلمون وغيرهم من السلف يقولون: إن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف كما ذكره أبو سعيد الخدري ﵄. [النووي في شرح مسلم (٣/ ١٩) طبعة دار الكتب العلمية].
(٢) روى الترمذي في سننه (٢٣٢٠) كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على اللَّه ﷿، عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء".
(٣) قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها. ومعنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم. [تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٨)].
[ ١ / ٣٥٣ ]
فرضي فلا أخالفك في رزقك على ما كان منك.
الثالثة عشرة: يا ابن آدم إن قنعت بما رزقتك أرحت قلبك وبدنك وأنت عندي مشكور، وإلا أتعبت قلبك وبدنك وسلطت عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ولا ينالك منها إلا ما قسمت لك، وأنت عندي مذموم.
الرابعة عشرة: يا ابن آدم لا تأنس بغيري ما وجدتني فمتى طلبتني وجدتني.
الخامسة عشرة: يا ابن آدم ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح عليَّ.
خاتمة: قال أبو جعفر محمد بن علي السالف (^١): إن أهل التقوى أكثر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك.
قوالين بالحق قوامين بأمره، وأنزل الدنيا منك بمنزله منزل نزلت به أو ارتحلت عنه أو كمال أصبته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شيء.
وأنشدوا في معناه:
ألا إنما الدنيا كأحلام نائم … وما خير عيش لا يكون بدائم
تأمل إذا ما نلت بالأمس لذَّة … فأفنيتها أنت إلا كحالم
_________________
(١) كان أحد من جمع العلم والفقه والشرف والديانة والثقة والسؤدد، وكان يصلح للخلافة وولد سنة [٥٦]، وتوفي سنة [١١٤، ١١٧] وله إخوة أشراف: زيد الذي صلب، وعمر، وحسين وعبد اللَّه بنو زين العابدين رحمة اللَّه عليهم. [تاريخ الإسلام وفيات سنة (١١٠ - ١٢٠)].
[ ١ / ٣٥٤ ]