قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^١).
أمر اللَّه -تعالى- بذلك، والخير يُفسر بصلة الرحم ومكارم الأخلاق.
وقد روينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "المسلم أخو المسلم" (^٢) إلى آخره، سلف قريبًا في تعظيم حرمات المسلمين.
وروينا في صحيح مسلم (^٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة (^٤) وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بطا به عمله لم يسرع به نسبه" (^٥).
_________________
(١) سورة الحج [٧٧].
(٢) تقدم تخريجه من قبل.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٨ - (٢٦٩٩)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [١١] باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، والترمذي في سننه [١٤٢٥]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٥٢]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٨٣]، والشجري في أماليه [٢/ ١٧٩، ١٨٠]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ٨]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٠٤]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٨/ ١٩٣].
(٤) قيل: المراد بالسكينة هنا الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار وهو أحسن، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره، وتأوله بعض أصحابه، ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة ورباط ونحوهما -إن شاء اللَّه تعالى- ويدل عليه الحديث الذي بعده، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب لاسيما في ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يعمل به. "النووي في شرح مسلم [١٧/ ١٨] طبعة دار الكتب العلمية".
(٥) قوله: "ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" معناه من كان عمله ناقصًا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ومدار الحديثين على مهمين: الترغيب بمضمون تحريهم وصفهم في دفع المكاره عن الإخوان، وجلب المسار إليهم، وذكر أنواع ذلك وأهله ومحله، ففي الحديث الأول التهييج وإثارة الرحمة، وبيان الأهل والمحل بقوله: "المسلم أخو المسلم" (^١).
وفيه الترغيب بان يدان المسلم كما دان، وبيان أنواع من الخير كالسعي في حوائج الإخوان، وبعد تفريج الكرب وستر المسلم، ففي التدريج رفع الألام والستر، ودفع الفضائح وإبقاء الرجاء للممات.
وفي الثاني تقديم التنفيس لأنه أهم في بعض الأشخاص أو بعض الأحوال إذ ضيق الحال لا قرار معه، وأردفه بالتيسير على المعسر؛ لأن الإعسار كربة، ثم أردفه بالستر والمعاونة، وهي السعي في الحاجات، ثم ختم ذلك بطلب العلم والاجتماع على التلاوة والتدارس، وهو أهم الحاجات.
_________________
(١) قال النووي في هذا الحديث: في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته، وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضية إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبى بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها. "النووي في شرح مسلم [١٦/ ١١١] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٢٨٤ ]