قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (^١) الآية.
فنهى عنها، ونفر منها بما ذكر بعد، وحذر ورغب في التوبة.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (^٢).
نهى عن اقتفاء ما لا علم له بإباحته، أو تشريعه ولو قيل: المعنى ما ليس لك به علم نافع، لساغ، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٣).
فينبغي للعاقل التحفظ من ذلك والإمساك عن الكلام، إلا ما ظهر فيه المصلحة، وقد ينجز المباح إلى غيره، فالإمساك أحوط.
فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه
وروينا من حديث أبي هريرة ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم (^٤).
_________________
(١) سورة الحجرات [١٢].
(٢) سورة الإسراء [٣٦]. قال على بن أبي طلحة عن بن عباس يقول: لا تقل وقال العوفي عنه: لا ترم أحدا بما ليس به علم. وقال محمد بن الحنفية: يعني شهادة الزور، وقال قتادة: لا تقل: رأيت ولم ترى وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم تعلم فإن اللَّه تعالى سائلك عن ذلك كله ومضمون ما ذكروه أن اللَّه تعالى نهى عن القول بلا علم بالظن الذي هو التوهم والخيال كما قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. [تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠)].
(٣) سورة ق [١٨].
(٤) قال النووي: لكن تباح الغيبة لغرض شرعي وذلك لستة أسباب: أحدها: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما. والثاني: الاستغاثة على تغير المنكر ورد العاصي على الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك. الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي بكذا فهل له ذلك وما طريقي في الخلاص منه ودفع ظلمه عني ونحو ذلك. الرابع: تحذير المسلمين من الشر منها جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين والإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته وغيره. الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالخمر ومصادرة أموال الناس وجباية المكوس وتولى الأمور الباطلة فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز لغيره إلا بسبب آخر. السادس: =
[ ١ / ٣٩٠ ]
قال: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: "إن كان فيه ما تقول، فقد أغتبته وإن لم يكن فيه، فقد بهته" (^١) رواه مسلم وعن أنس بن مالك ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (^٢) رواه أبو داود.
وفيه والترمذي وقال حسن صحيح من حديث عائشة: قالت: "قلت لرسول اللَّه حسبك من صفية كذا وكذا".
-قال بعض الرواة يعني قصيرة- قال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: وحكيت له إنسانا.
فقال: "ما أحب أني حكيت إنسانا وإن لي كذا وكذا" (^٣).
ومعنى مزجته: خالطته يتغير طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وإنه لزجر بليغ عنها فشيء يخالط البحر المحيط بالدنيا لا أقبح منه.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" (^٤).
هو ظاهر في السكوت عند عدم الخيرية.
وفيهما من حديث أبي موسى: قلت: يا رسول اللَّه أيُّ المسلمين أفضل؟
_________________
(١) = التعريف فإذا كان معروفا بلقب كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير والأعمى والأقطع ونحوها. [مختصرا من النووي في شرح مسلم [١٦/ ١١٧، ١١٨] طبعة دار الكتب العلمية].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٧٠ - (٢٥٨٩)] كتاب البر والصلة والآداب، [٢٠] باب تحريم الغيبة. والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٢٤٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٨٢٨].
(٣) أخرجه أبو داود في سننه [٤٨٧٨] كتاب الأدب، باب في الغيبة. والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٧/ ٣٣] والسيوطي في الدر المنثور [٤/ ١٥٠، ٦/ ٩٦].
(٤) أخرجه أبو داود في سننه [٤٨٧٥] كتاب الأدب، باب في الغيبة. والترمذي [٢٥٠٢، ٢٥٠٣] كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب [٥١]، وأحمد في مسنده [٢/ ١٢٨، ١٣٦، ٢٠٦]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٠٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٢٤٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٨٥٧]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٥٠٣].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٠١٨] كتاب الأدب، [٣١] باب من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. ومسلم في صحيحه [٧٤ - (٤٧)] كتاب الإيمان [١٩] باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان. والترمذي [١٩٦٧، ٢٥٠٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٦٤]، وابن ماجه في سننه [٣٩٧١] والزبيدى في الإتحاف [٦/ ٣٠٦، ٧/ ٣٥٨] ومالك في الموطأ [٩٢٩] والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ٢٢٠].
[ ١ / ٣٩١ ]
قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (^١).
وفيهما من حديث أبى هريرة مرفوعًا: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها ينزل بها الى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" (^٢).
ومعنى يتبين: يتفكر أنها حرام أو لا.
وفيهما من حديث سهل مرفوعًا: "من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة" (^٣).
ورواية الترمذي مصححًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من وقاه اللَّه تعالى شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة" (^٤).
وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه تعالى ما يلقى لها بالا يرفع اللَّه لها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه لا يلقى لها بالا يهوى بها في جهنم" (^٥).
قلت: فليحذر من المعرّات ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وروينا في موطأ مالك، وجامع الترمذي من حديث بلال بن الحارث المزني مرفوعًا: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه تعالى ما كان يظن أن يبلغ ما
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [١١] كتاب الإيمان، [٥] باب أي الإسلام أفضل، ومسلم في صحيحه [٦٤ - (٤٠)] كتاب الإيمان، [١٤] باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل. والترمذي [٢٥٠٤، ٢٦٢٧]، والنسائي [٨/ ١٠٧ - المجتبي]، وأحمد في مسنده [٢/ ١٩١، ٢٠٦] والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٢٤٣]، والحاكم في المستدرك [٣/ ٦٢٦]، وابن أبي شيبه في مصنفه [٩/ ٦٤]، والطبراني في المعجم الصغير [١/ ٢٥٣]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٢٢].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٧٧] كتاب الرقاق، [٢٣] باب حفظ اللسان ومسلم في صحيحه [٤٩ - (٢٩٨٨)] كتاب الزهد والرقائق، [٦] باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار. والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٦٤]، والحاكم في المستدرك [١/ ٤٥]. والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٣٦].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٧٤] كتاب الرقاق، [٢٣] باب حفظ اللسان. والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٦٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٨١٢].
(٤) أخرجه الترمذي في سننه [٢٤٠٩] كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٥٧]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٤٥٠]، والعجلوني في كشف الخفا [٢/ ٣٥٧].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٧٨] كتاب الرقاق، [٢٣] باب حفظ اللسان، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٣٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٦٥]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٣٦].
[ ١ / ٣٩٢ ]
بلغت يكتب اللَّه له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن الرجل ليتكلم من سخط اللَّه ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب اللَّه له بها سخطه إلى يوم القيامة" (^١).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وسخطه تعالى لا طاقة لنا به، فكيف مؤبده نعوذ باللَّه من ذلك.
وروينا من حديث سفيان بن عبد اللَّه قال: قلت يا رسول اللَّه حدثني بأمر أعتصم به. قال: "قل: ربي اللَّه ثم استقم".
قال: يا رسول اللَّه ما أخوف ما تخاف عليَّ، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هذا" (^٢).
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وأما الحكايات: فالأولى: عن الجنيد ﵀ قال: كنت جالسًا في مسجد الشوينزيه انتظر جنازة للصلاة، وأهل بغداد على طبقاتهم ينتظرونها رأيت فقيرًا عليه أثر النسك (^٣) يسأل الناس، فقلت في نفسي: لو عمل هذا عملا يصون به نفسه لكان أجمل به.
فلما انصرفت إلى منزلي وكان لي شيء من الوِرْدِ (^٤) بالليل فثقل عليَّ وِرْدِي فسجدت وأنا قاعد وغلبتني عيني، فرأيت ذلك الفقير جاءوا به إليَّ على خوان ممدود وقالوا لي: كل لحمه فقد اغتبته، كشف لي عن الحال، فقلت ما اغتبته وإنما قلت في نفسي شيئًا.
فقيل لي: ما أنت ممن يُرْضَي منك بمثله، اذهب فاستحله.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣١٩] كتاب الزهد، باب في قلة الكلام. والنسائي في الكبرى في الرقائق، وابن ماجه [٣٩٦٩] كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة والحاكم في المستدرك [١/ ٤٥]، وابن حبان في صحيحه [١٥٧٦ - المورد]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ١٩٧]، والطبراني في المعجم الكبير [١/ ٣٥٤].
(٢) أخرجه الترمذي في سننه [٢٤١٠] كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان. وابن ماجه في سننه [٣٩٧٢] كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة. وأحمد في مسنده (٣/ ٤١٣)، والحاكم في المستدرك [٤/ ٣١٣]، وابن حبان في صحيحه [٢٥٤٣ - المورد] وابن أبي عاصم في السنة [١/ ١٥]، والطبراني في المعجم الكبير [٧/ ٧٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٢٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٦٥]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ٣٤٧]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٤٥١] وبنحوه أخرجه مسلم في صحيحه [٦٢ - (٣٨)] كتاب الإيمان، [١٣] باب جامع أوصاف الإسلام.
(٣) نَسَكَ فلان نسكًا: تزهد وتعبد، وتَنَسَّك أي تزهد وتعبد.
(٤) الورْدُ: النصيب من القرآن أو الذكر.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء أوراقا مما يتساقط من غسل البقل فسلمت عليه فقال: لا تعود يا أبا القاسم.
قلت: لا، قال: غفر اللَّه لنا ولك.
الثانية: قال: ميمون بن سياه (^١) تذاكروا عندي رجلا من السلاطين فوقعوا فيه، فلما انقلبت إلى أهلي رقدت إذا بجيفة منتنة، وإذا رجل على رأسي يقول: كل.
فقلت: يا أبا عبد اللَّه لما آكل؟ قال: لما اغتيب عندك فلان، قلت: ما ذكرت منه خيرًا ولا شرًا.
قال: لكنك سمعت ورضيت.
الثالثة: قال خالد الربعي: كنت في مسجد فتناولوا رجلا، وأعنتهم عليه، فرأيت تلك الليلة في المنام كان رجلا أتاني بطبق عليه قطعة من لحم الخنزير، فقال: كل.
قلت: لا آكل، قال: أكلت شرًا منه. ففك لحيي وأدخل فمي منه، فاستيقظت وأنا أجد طعمه في فمي. فمكثت أربعين يوما، وما ذهب نتنه من فمي.
الرابعة: قيل: أوحى اللَّه إلى موسى ﷺ يا موسى من مات تائبًا من الغيبة (^٢) فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرًا على الغيبة فهو أول من يدخل النار.
الخامسة: قال مالك بن دينار ﵀ إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك.
السادسة: قال الثوري ﵀ إني لأرمي رجلا بسهم أحب إلي من أن أرميه بلساني؛ لأن رمي اللسان لا يخطئ، ورمي السهم ربما يخطيء.
السابعة: قال بكر بن عبد اللَّه: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا
_________________
(١) ميمون بن سياه، أبو بحرا البصري، صدوق عابد، يخطيء، أخرج له: البخاري والنسائي. ترجمته: تهذيب التهذيب [١٠/ ٣٨٨]، تقريب التهذيب [٢/ ٢٩١]، الكاشف [٣/ ١٩٢]، الجرح والتعديل [٨/ ١٠٥٢]، تاريخ البخاري الكبير [٧/ ٣٣٩]، ميزان الاعتدال [٤/ ٢٣٣]، لسان الميزان [٧/ ٤٠٦] المجروحين [٣/ ٦]، المغنى [٦٥٥٨]، حلية الأولياء [٣/ ١٠٦].
(٢) من أوجه الغيبة المباحة: إذا كان الإخبار عن العيب عند المشاورة، فإذا رأيت من يشتري شيئا معيبًا أو عبدًا سارقًا أو زانيًا أو ساربا أو نحو ذلك تذكره للمشتري إذا لم يعلمه نصيحة لا بقصد الإيذاء والإفساد. ومنها إذا رأيت مثقفًا يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علمًا وخفت عليه ضرره فعليك نصيحته ببيان حاله قاصدًا للنصيحة ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حالة فلا يغتر به ويلزم الاستقامة. [النووي في شرح مسلم [١٦/ ١١٧] طبعة دار الكتب العلمية].
[ ١ / ٣٩٤ ]
لعيوب نفسه، فاعلموا أنه قد مكر به.
الثامنة: قال حاتم الأصم ﵀ ثلاثة إذا كنَّ من مجلس فالرحمة عليهم مصدومة: ذكر الدنيا، والضحك، والوقعية في الناس.
التاسعة: قال مجاهد: إن لبني آدم جلساء من الملائكة، فإذا ذكره بسوء، قالت الملائكة: أيها المستور عورته ارفع على نفسك، وأحمد اللَّه الذي ستر عورتك.
العاشرة: قال بشر بن السري (^١): ويحك لو قيل لك لم تغتاب فلانًا وتقع فيه.
قلت: لأنه عدوي، وظلمني، فإن كان كما زعمت فدعه وما جنى على نفسه، فإن اللَّه سينصرك ولا تخفف عنه وتحمل عنه من خطاياه بتوقير ظهرك، ويحك يسألك والدك حسنة فتمنعها وتعطيها أعداءك، ما يفعل هذا عاقل، بل كان حقا عليك لو أن إنسانا اغتابه أخذت على فيه.
وقلت: هذا عدوي فلا (تصبني) (^٢) له خيرًا.
وأنشدوا:
قل للذي لست أدري من يلومه … أنا صح أم علي غل تداحيني
إني لا أعجب مما سمتني عجبًا … يد منك تسخوا وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني … في آخرين وكل منك يأتيني
هذان أمِران (. . . . . .) (^٣) بينهما … فاكفف لسانك في ذمي وتزييني
الحادية عشرة: عن أبي أمامة الباهلي ﵄ أنه قال: إن العبد ليعطى كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يكن عملها.
فيقول: يا رب أني لي هذا؟
فيقول: هذا بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر.
الثانية عشرة: قال أبو تراب مثل الذي يجلس في مجلس ويغتاب الناس بلسانه، مثل الذي نصب منجنيقًا (^٤) لحسناته فيرميها شرقا وغربا. يذكر واحدا من الشام بسوء،
_________________
(١) بشر بن السري، أبو عمرو البصري الأفوة المكي، ثقة متقن، وكان واعظا طعن فيه برأي جهم ثم اعتذر وتاب، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، توفي سنة [٩٦]. ترجمته تهذيب التهذيب [١/ ٤٥٠]، تقريب التهذيب [١/ ٩٩]، الكاشف [١/ ١٥٥]، تاريخ البخاري الكبير [٢/ ٧٥]، الجرح والتعديل [٢/ ٣٥٨] ميزان الإعتدال [١/ ٣١٧]، الوافي بالوفيات [١٠/ ١٤٩] سير الأعلام [٩/ ٣٣٢].
(٢) كذا بالأصل وأظنها "تهيب".
(٣) كلمتان غير واضحتان بالأصل.
(٤) المنجنيق: آلة قديمة من آلات الحرب وحصار المدن كانت ترمي بها حجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ويقع في الآخر بالعراق ويغتاب واحدًا من أهل خراسان، فيقوم حاليا من حسناته قد فرقها في بلاد شتى.
نوادر: الأولى: قال سعيد بن جبير (^١) يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع إليه كتاب فلا يرى فيه صلاته ولا صيامه ولا شيئًا من أعماله.
فيقول: يا رب هذا كتاب كانت لي فيه حسنات ليست فيه.
فيقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك كله بغيبتك للناس.
الثانية: قال وهب بن منبه: قال رجل من بني إسرائيل: اللهم ليس لي مال فأتصدق به، فأيما رجل أصاب عرضي فهو عليه صدقة.
قال: فأوحى اللَّه إلى نبي زمانه إني قد غفرت له.
الثالثة: قال عطاء الخرساني: من اغتيبت له غيبة غفر له نصف ذنوبه.
الرابعة قال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال حتى تكون من المحسنين: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تستره، فلا تغمه وإن لم تتكلم فيه بخير فاسكت عنه.
الحلم زين والسكوت سلامة … فإذا نطقت فلا تكن مهذارًا
ما إن ندمت على سكوت مرة … ولقد ندمت على الكلام مرارًا
غيره:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده … فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فكم من محب ساكت لك معجب … زيارته أو نقصه في التكلم