فالأولى: قال السيد محمد بن واسع: أقمت أربعين ليلة، كل ليلة أشتهي كبدًا مشويًا قلت: أخرج إلى الجهاد، فلعل يقع في سهمي شاة فآكل منها شهوتي، فخرجت إليه فقتلنا وغنمنا، وأخذت في سهمي شاة، فسألت بعض أصحابي أن
_________________
(١) = [٢/ ٣٧٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١٦]، والحاكم في المستدرك [٢/ ٩٢]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٢٥٨]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ١٩٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٨٦٨].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٩١] كتاب الرقاق، [٣١] باب من هم بحسنة أو بسيئة، ومسلم في صحيحه [٢٠٧ - (١٣١)] كتاب الإيمان، [٥٩] باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب، وأحمد في مسنده [١/ ٣١٠، ٣٦٠، ٣٦١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٥٦، ٥٩]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٣٧٤]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٧/ ٢٩٣، ٩/ ١٧٩].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٤٦٥] في أحاديث الأنبياء. [٥٥] باب حديث الغار [٥٩٧٤] كتاب الأدب، [٥] باب إجابة دعاء من بر والديه، ومسلم في صحيحه [١٠٠ - (٢٧٤٣)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢٧] باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال. وقال النووي: استدل أصحابنا بهذا على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه، وفي دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله ويتوسل إلى اللَّه -تعالى- به؛ لأن هؤلاء فعلوه فاستجيب لهم، وذكره النبي ﷺ في معرض الثناء عليهم، وجميل فضائلهم، وفي هذا الحديث فضل بر الوالدين، وفضل خدمتهما، وإيثارهما عمن سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم، وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات لاسيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها ويترك للَّه -تعالى- خالصًا، وفيه جواز الإجارة وفضل حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة، وفيه إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل الحق. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٤٧] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٤٣ ]
يشوي لي كبدها، فأخذتني هجعة فنمت، فرأيت ملائكة نزلوا من السماء فكتبوا: فلان خرج للجهاد، وفلان للغنيمة، وفلان للمفاخرة، ثم وقفوا عليَّ وقالوا شهواني مسكين؛ اشتهى كبدًا مشويًا، فقلت: باللَّه لا تفعلوا، فأنا تائب إلى اللَّه، ثم قلت: يا رب لا أعود، يا رب لا أعود، أنا تائب إليك من سائر الشهوات. (^١)
الثانية: عن الشيخ أبي الحسن المعاوري قال كنت عدة سنين معاورًا بالحرب، وعدة أخرى بالسياحة أدخل بلاد الكفار لأُمور أُؤمر بالدخول لأجلها، وحجابي بحكمي إن أردت رأوني، وإلا فلا.
فورد عليَّ أمر من جهة الرب -تعالى- بأن أدخل إلى بلادهم لأجتمع فيها برجل صديق، فدخلتها وأريتهم نفسي، فأخذوني أسيرًا، وخرج بي من أخذني، وكتفني وجاء بي إلى السوق ليبيعني، وكان هذا هو الطريق المقصود الذي أُمرت به.
فاشتراني رجل معتبر منهم، ووقفني على الكنيسة لأكون خادما فيها، فباشرت خدمتها أياما، وإذا بهم قد أحضروا بسطًا كثيرة ومباخر وطيبا كثيرا.
فقلت لهم: ما الخبر؟ قالوا: الملك عادته زيارة الكنيسة يومًا في السنة، فقد جاء وقت زيارته، فنحن نهيئها له ونحليها، ولا يبقى فيها أحد حتى يدخل وحده يتعبد فيها، فلما أغلقوها وبقيت أنا فيها احتجبت عنهم فلم يروني، وإذ بالملك قد جاء ففتحوها له ودخلها وحده، وأغلقوا عليه الباب، فدار بالكنيسة يفتشها، وأنا أنظر إليه، وهو لا يراني إلى أن اطمأن، فدخل المذبح الذي فيها وتوجه إلى القبلة، وكبَّر بالصلاة، فقيل لي هذا الذي أردنا لك الاجتماع به فتطهرت ووقفت وراءه حتى سلم من الصلاة، ثم التفت فرآني فقال: ما تكون؟ فقلت: مسلم مثلك. قال: وما جاء بك هنا؟ قلت: أنت، فأقبل عليَّ وسألني عن أمري، فأخبرته بما أمرت به من الاجتماع، ولم يكن لي طريق إلى ذلك إلا بصورة ما جرى من الأسر والبيع، واتخاذهم لي خادمًا للكنيسة، وتمكيني لهم من نفسي، جميع ذلك ليقع الاجتماع.
ففرح بي وكاشفني وكاشفته، ووجدته من كبار الصديقين، فقلت له: كيف حالك بين هؤلاء الكفار في باطن الأمر؟ فقال: يا أبا الحجاج لي فؤاد بينهم لا أبلغ مثلها لو كنت بين المسلمين، قلت له: صف لي، قال: توحيدي وإسلامي وأعمالي خالصة للَّه، ما لأحد اطلاع عليها، وآكل حلالًا (فيساو) (^٢) ما فيه شبهة، وأنفع المسلمين
_________________
(١) وذلك في حديث: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه" وهو في البخاري [٧٤٥٨] ومسلم في الإمارة [١٤٩، ١٥٠، ١٥١] وتقدم من قبل فانظره.
(٢) كذا بالأصل.
[ ١ / ٤٤ ]
نفعًا، لو كنت أكبر ملوكهم ما بلغته من الدفع عنهم، وأدفع عنهم أذى الكفار، وأفعل في الكفار من القتل وشبهه ما لو كنت أعظم ملوك الإسلام ما فعلت، وسأريك بعض تصرفي فيهم، ثم ودعني وودعته، وقال لي: ارجع إلى حالتك، وأخفيت نفسي واحتجبت، فخرج الملك وقعد على باب الكنيسة، وقال: ائتوني بكل من يختص بالكنيسة، فأحضروا له جماعة وعرضوهم عليه، وقالوا هذا بطريقها (^١)، وهذا شمَّاسها (^٢)، وهذا راهبها (^٣)، وهذا مشارف أوقافها، وهذا جابي ريعها، قال: فمن يخدمها؟ قالوا فلان اشترى أسيرًا، ووقفه على خدمتها، فأظهر غضبًا عظيمًا، وقال: تكبرتم الجميع على خدمة بيت الرب، وجعلتم رجلا من غير الملة نجسًا يخدم بيت الرب، فاستدعى بالسيف، وجعل يضرب رقاب الجميع في حجة الغيرة على بيت الرب، وأمر بإحضاري فقال: هذا يستحق في مقابلة الخدمة الإكرام والتعظيم والخلع والمركوب وإطلاقه إلى وطنه وأهله، ففعلوا بي ذلك، وانصرفت عنه.
الثالثة: عن محمد بن يعقوب الخراساني قال: خرجت من بلدي على نية السياحة (^٤) والتوكل، فلم أزل على ذلك إلى أن أتيت بيت المقدس، ثم وقفت في مغارة (بنية) (^٥) بني إسرائيل، فمكثت أياما لم أطعم طعامًا، ولم أشرب شرابًا حتى أشرفت على الموت، فبينا أنا كذلك إذ رأيت راهبين يسيران أشعثان أغبران، فملت إليهما، وسلمت عليهما، وقلت لهما: أين تريدان؟ فقالا: لا ندري، قلت: أتدريان أين أنتما؟ قالا: نعم؛ نحن في مملكته وبين يديه، قال: فأقبلت على نفسي بالملامة وحالهما مع كفرهما، ثم استأذنتهما في الصحبة وسرنا، فلما أمسينا قاما إلى صلاتهما ومعبودهما، وقمت إلى صلاتي ومعبودي، فصليت المغرب بالتيمم، فنظرا إليَّ متبسمين ضاحكين، وبحث أحدهما الأرض وإذا بالماء قد ظهر كأنه اللؤلؤ على الصفا، فبُهت، ثم إذا بطعام موضوع عن يمينه، فتعجبت، فقال مم تعجبك، تقدم وتناول من الطعام الحلال، واشرب من بارد هذا الزلال، واعبد ربك الكريم ذا الجلال، فأكلت وشربت وتوضأت، وأعدت الصلاة، ثم غار الماء كأنه لم يكن، ثم صلينا إلى الصباح، ثم سرنا إلى الليل، فتقدم الراهب الثاني، وصلى ودعا بدعوات
_________________
(١) البطريق: القائد من قواد الروم، ويطلق على رئيس رؤساء الأساقفة.
(٢) الشماس: من يقوم بخدمة الكنيسة، ومرتبته دون القسيس.
(٣) الراهب: المتعبد من النصارى في صومعة يتخلى فيها عن أشغال الدنيا وملاذها.
(٤) السائحون: قال ابن كثير: الصائمون، وقال ابن عباس: كل ما ذكر اللَّه في القرآن السياحة هم الصائمون انظر تفسير ابن كثير [٢/ ٤٠٠].
(٥) كذا بالأصل.
[ ١ / ٤٥ ]
خفية ثم بحث الأرض، فإذا الماء والطعام موضوع عن يمينه، فأكلنا وشربنا، فلما كانت الليلة الثالثة قالا لي: يا محمدي الليلة ليلتك، والنوبة نوبتك، فاستحييت، وقلت: يكون خيرًا إن شاء اللَّه -تعالى- ثم عدلت عنهما إلى جانب آخر وقلت بعد صلاة ركعتين: اللهم سيدي ومولاي إنك تعلم أن ذنوبي كثيرة بذي الجاه الجسيم محمد عليه أفضل صلاة وأعظم تسليم أن لا تخجلني بينهما (^١) ثم التفتُّ فإذا بعين ماء جارية، وطعام عن يميني موضوع، فأكلنا وشربنا وحمدنا اللَّه، فلم نزل على ذلك إلى النوبة الثانية فدعوت بمثل ذلك فحصل مثل ذلك، فلما كان في الثالثة إذا طعام اثنين وشراب اثنين، فانكسر قلبي، فقالا: يا محمدي من أين دخل عليك؟ أما ترى هذا التقصير؟ فقلت لهما: الحكم حكمة عسر ويسر، وشدة ورخاء، ومنع وعطاء ليبلونا فقالا: صدقت يا محمدي، إن هذا رب عظيم، ودين سليم، فأسلما، وأقاما ببيت المقدس، وأنا معهما نرزق من حيث لا نحتسب إلى أن قضيا نحبهما.
الرابعة: عن إبراهيم الخواص أنه كان إذا أراد سفرًا لم يُعلم أحدًا، وإنما يأخذ ركوته ويمشي، ففعل ذلك يوما، قال أبو حامد الأسود: فتبعته، فقال لي: إلى أين؟ قلت: معك، قال: أنا أريد مكة، قلت: وأنا أريد ذلك، ثم انضم إلينا شاب نصراني فسأله فقال: ادعت نفسي أنها أحكمت حال التوكل فلم أصدقها فيما ادعت حتى أخرجها إلى هذه الفلاة التي ليس فيها موجود غير المعبود؛ أُثير ساكني، وأمتحن خاطري، فقام إبراهيم ومشى وقال: دعه يكون معك، فأتينا بطن بئر، فخلع إبراهيم خلقانه فطهرها بالماء، ثم جلس وقال له: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح، فقال: يا عبد المسيح هذا دهليز مكة، ولا يدخله كافر (^٢) فإياك أن تدخلها، فينكر عليك، فتركناه ودخلنا مكة، فبينا نحن بالموقف إذ به أقبل علينا وهو محرم، فقبل رأس
_________________
(١) فيما رواه الترمذي [٣٥٧٣] من حديث توسل فاقد البصر في دعائه الذي علمه النبي ﷺ في قوله: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بالنبي محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري، شفعه فيّ. . . . الحديث، قال الشوكاني في تحفة الذاكرين ص ١٣٨: وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول اللَّه ﷺ إلى اللَّه ﷿ مع اعتقاد أن الفاعل هو اللَّه ﷾ وأنه المعطى والمانع، ما شاء اللَّه كان، وما لم لا لم يكن.
(٢) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] أمر اللَّه -تعالى- عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول اللَّه ﷺ عليّا صحبة أبي بكر عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فأتم اللَّه ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا. تفسير ابن كثير [٢/ ٣٥٤].
[ ١ / ٤٦ ]
إبراهيم، فقال له: ما وراءك يا عبد المسيح؟ فقال: هيهات أنا اليوم عبد من المسيح عبده، فقال: كيف حالك؟ قال: تنكرت ودخلت، فلما رأيت الكعبة اضمحل عندي كل دين إلا الإسلام، فأسلمت واغتسلت وأحرمت، فالتفت إليَّ إبراهيم وقال: يا أبا حامد انظر إلى صدق نيته في النصرانية كيف هداه إلى الإسلام؟ إ! ثم صحبنا حتى مات.
شعر:
سلام على السادات من كل صادق … له مسرح في معزل ومراح
صفاء ثم صفى فهو صوفي مخيم … على باب سعدي ليس عنه براح
يلاقي صغار النفس في نيل وصلها … ومن دونها بيض حمت ورماح
على حد سيف الصدق يسعون للعلا … لتجلي لهم بيض هناك صباح
سقتهم حميا الوصل من كرم … إذا سمها أهل الصبابة صاحوا
وناحوا وساحوا ثم باحو بنشرها … عبيرا ومكتوم المحبة باحوا
الخامسة: عن إبراهيم الخواص أيضا قال: دخلت البادية مرة، فرأيت نصرانيًا على وسطه زنار (^١) فسألني الصحبة، فمشينا سبعة أيام، ثم قال لي: يا راهب الحنفية هات ما عندك فقد جعنا، فقلت: إلهي لا تفضحني مع هذا الكافر، فرأيت طبقًا عليه خبز وشواء ورطب وماء، فأكلنا وشربنا، ومشينا سبعة أيام، ثم بادرت وقلت: يا راهب النصرانية هات ما عندك فقد انتهت النوبة إليك، قال: فأعلى عصاه ودعا، وإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، فتحيرت وتغيرت وأبيت أن آكل، فألحَّ عليَّ فلم أجب.
فقال: كل فإني أبشرك ببشارتين: أحدها: إسلامي وحل الذمة، والأخرى: قلت: اللهم إن كان لهذا العبد خاطر عندك فافتح عليَّ، فأكلنا ومشينا، وحج وأقمنا سنة ومات، فدفن بالبطحاء.
السادسة: حكي أن ثلاثة نفر خرجوا يستسقون في زمن داود ﷺ فقال أحدهم: اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا (^٢)، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا:
تعاليت ربي أنت ذا قد أمرتنا … بعفو وصفح عن مسي لنا ظلم
_________________
(١) الزُّنَّار: حزام يشده النصراني على وسطه، وجمعها: زنانير.
(٢) روى مسلم في صحيحه [٦٩ - (٢٥٨٨)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٩] باب استحباب العفو والتواضع، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد اللَّه عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد للَّه إلا رفعه اللَّه" وقال النووي: قوله ﷺ: "وما زاد اللَّه عبدًا بعفو إلا عزًا" فيه أيضًا وجهان: أحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عرف بالعفو والصفح =
[ ١ / ٤٧ ]
وها نحن ربي قد ظلمنا نفوسنا … وأنت الذي بالعفو أولى وبالكرم
وقال الثاني: اللهم إنك قد أمرتنا أن نعتق عبيدنا إذا شابوا في خدمتنا، وقد شبنا في خدمتك، فتفضل علينا بعتفنا:
إن الملوك إذا شابت عبيدهم … في رقهم عتقوهم عتق أبرار
فأنت أولى بذا يا سيدي كرمًا … قد شبت في رقك اعتقني من النار
وقال الثالث: اللهم إنك أمرتنا أن لا نرد المساكين إذا وقفوا ببابنا وها نحن مساكين قد وقفنا ببابك، فجد علينا بفضلك وإحسانك وعظيم امتنانك.
أتيناك نرجوا الفضل فامنن … علينا وجد يا ذا المكارم والعلا
فأنت الذي ترجى ويكثر فضله … إذا انسدت الأبواب وانقطع الرجا
السابعة: عن محمد بن الصباح قال: خرجنا نستسقي بالبصرة، فلما أصحرنا إذا نحن بسعدون المجنون قاعدًا على الطريق، فلما رآني قام وقال لي: إلى أين؟ قلت: نستسقي، قال: بقلوب سماوية أم بقلوب خاوية؟ قلت: سماوية، قال: اجلسوا ها هنا، فجلسنا حتى ارتفع النهار، وما تزداد السماء إلا صحوًا، ولا الشمس إلا حرًا، فنظر إلينا وقال: يا بطالون لو كانت قلوبكم سماوية لسقيتم، ثم توضأ وصلى ركعتين، ولحظ السماء بطرفه، وتكلم بكلام لم أفهمه، فواللَّه ما استتم كلامه حتى رعدت وبرقت ومطرت مطرًا جيدًا. (^١)
فسألناه عن الكلام الذي تكلم به، فقال: إليكم عني، إنما هي قلوب حنَّت، فرنت، فعاينت، فعلمت، فعملت، وعلى ربها توكلت، ثم أنشأ يقول:
أعرض عن الهجران والتمادي … وارحل لمولى منعم جوادي
ما العيش إلا فى جوار قوم … قد شربوا من صافي الوداد
_________________
(١) = ساد وعظم في القلوب، وزاد عزة وكرامة، والثاني: أن المراد أجره في الآخرة، وعزه هناك. النووي في شرح مسلم [١٦/ ١١٦] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة، واختلفوا هل تسن له صلاة أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا تسن له صلاة، بل يستقى بالدعاء بلا صلاة، وقال سائر العلماء من السلف والخلف، الصحابة والتابعون فمن بعدهم: تسن الصلاة، ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة، وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة، واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما أن رسول اللَّه ﷺ صلى للاستسقاء ركعتين، وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في خطبة الجمعة، وبتعقبه الصلاة للجمعة، فاكتفي بها، ولو لم يصل أصلًا كان بيانًا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة، لأنها زيادة علم ولا معارضة بينهما. النووي في شرح مسلم [٦/ ١٦٥] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٤٨ ]