_________________
(١) أخرجه: مسلم ١/٨٥ (١٣٧) (٢١٨) .
(٢) أخرجه: أحمد ١/٢٣٣، وأبو داود (١٥٨٤) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه: البخاري ٨/١٨٥ (٦٧٢٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٧٣ ]
واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ للمسلمين حرياتهم وكراماتهم، ولا يجوز أنْ تنتهك حرياتهم وكراماتهم إلا بإذن من الشارع، وقد أحاط الإسلام حريات المؤمنين بأسيجةٍ منيعةٍ، ومن ذلك حرمة التجسس قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، والتجسس هو الحركة العملية التالية للظن السيء، فإذا ظن المسلم بالمسلم سوءًا تاقت نفسه أنْ يجس عليه. والمسلم مأمور بحسن الظن بأخيه المسلم، فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، وفي الصحيحين (١) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁يقول: بعث علي ابن أبي طالب - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النَّبيَّ - ﷺ - فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمينُ من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء» قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله، اتقِ اللهَ، قال: «ويلكَ أَوَلَستُ أحق أهل الأرض أنْ يتقي الله» قال: ثم ولَّى الرجلُ، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه، قال: «لا، لعله أن يكون يصلي» فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/٢٠٧ (٤٣٥١)، وصحيح مسلم ٣/١١٠ (١٠٦٤) (١٤٤) .
[ ٧٤ ]
«إني لم أومر أنْ أُنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» قال: ثم نظر إليه وهو مقفٍ فقال: «إنَّه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية - وأظنه قال - لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قتل ثمود» .
فانظر أخي المسلم الكريم كيف أنَّ الإسلام حرم إساءة الظن بالمسلم، أو التجسس عليه أو اغتيابه، وأنَّ هذه الأمور ترتبط أحيانًا ببعضها البعض، فالسيئة تسوق إلى سيئة أكبر؛ فسوء الظن هو الذي يحمل الإنسان على التجسس والاغتياب؛ لذلك جاء النهي عن هذه الأشياء بآية واحدة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، إذنْ فلا يجوز لمسلم أنْ يسيء الظن بأخيه المسلم أو يتجسس عليه ليتحقق من ظنه، أو يغتابه بهذه الظنون السيئة، فديننا الحنيف حمى حرمات الأشخاص وكراماتهم وحرياتهم، وعلّم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم؛ لأنَّ سوء الظن يسوق إلى الإثم وإلى العواقب الوخيمة.
[ ٧٥ ]
ومن الاحترازات الوقائية التي حث عليها ديننا الحنيف لتجنب أمراض القلوب السابقة أنَّه أمر بالستر على المسلم وأمره بالاستتار، فأمرنا ديننا الحنيف بالاستتار على النفس فقد قال النَّبيُّ - ﷺ -: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أنْ يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» (١) وحث الإسلام أنْ يستر المسلم على أخيه المسلم فقد قال النَّبيُّ - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٢) .