واحذر أخي المسلم من النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس لجهة الإفساد؛ فيذهب إلى شخص ويقول: قال فيك فلان كذا وكذا، من أجل الإفساد بينهما وإلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين.
وحقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه.
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٣/١٦٧ (٢٤٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ٩ ]
والنمام: هو من يسعى في قطع الأرحام وقطع ما أمر الله به أنْ يوصل وهو من الذين يفسدون في الأرض قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٣] والنمام منهم.
وقال - ﷺ -: «إنَّ من شر الناس من يدعه الناس اتقاء فحشه» (١) والنمام منهم.
فاعلم أخي المسلم أنَّ النميمة من كبائر الذنوب، وهي محرمة بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ . [القلم: ١٠ - ١١] وهي من أسباب عذاب القبر وعذاب النار، فقد قال النَّبيُّ - ﷺ -: «لا يدخل الجنَّة نمام» (٢)، وروى ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - مر بقبرين فقال: «إنَّهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنَّه كبير: أما أحدهما، فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» (٣) .
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٨/٢٠ (٦٠٥٤)، ومسلم ٨/٢١ (٢٥٩١) (٧٣) من حديث عائشة ﵂.
(٢) أخرجه: البخاري ٨/ ٢١ (٦٠٥٦)، ومسلم ١/٧٠ (١٠٥) (١٦٧) من حديث حذيفة بن اليمان - ﵁ -، ولفظ البخاري: «لا يدخل الجنَّة قتات» .
(٣) أخرجه: البخاري ١/٦٥ (٢١٨)، ومسلم ١/١٦٥ (٢٩٢) (١١١) .
[ ١٠ ]
والنميمة أذىً للمؤمنين والمؤمنات، وقد حرم الإسلام الأذى بشتى أنواعه، ومنه النميمة. والنمام ذو وجهين؛ لأنه يظهر لكل من الفريقين غير الوجه الذي يظهر به للطرف الآخر، وصاحب الوجهين شر الناس يوم القيامة، وقد قال النَّبيُّ - ﷺ -: «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن، أشدهم كراهية له، وتجدون شر الناس، ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» (١) .
وأخبر النبي - ﷺ - أن النمام لا يدخل الجنة وأنه يعذب في قبره وقال: «أَلا أُنبئكم ما العَضْهُ (٢)؟ هيَ النَمِيمَةُ القالةُ بين الناس» (٣) وكلُ من حُمِلَتْ إليه النميمةُ يجب عليه ستة أمور الأول: أن لا يُصدِّق النمامَ؛ لأنه فاسق. والثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح له فعله، والثالث: أن يبغضه في الله، والرابع: أن لا تظن بأخيك الغائب السوء، والخامس: أن لا يحملك ما حُكي على التجسس، السادس: أن لا ترضى لنفسك ما نَهيتَ النمام عنه ولا تحكي نميمته.
فاحذر أخي المسلم من النميمة فإنَّها من أمراض النفوس، وهي داء خبيث يسري على الألسن فيهدم الأسر، ويفرق الأحبة ويقطع الأرحام.
قال الإمام الشافعي: «إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى يظهر» .
وينبغي على المسلم أنْ يسكت عن كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية.
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٤/٢١٦ (٣٤٩٣) ومسلم ٧/ ١٨١ (٢٥٢٦) و٨/٢٨ (٢٥٢٦) (١٠٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) العَضْهُ: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يحكي البعض عن البعض. لسان العرب (قول)
(٣) أخرجه: مسلم ٨/٢٨ (٢٦٠٦) (١٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
[ ١١ ]
ثم اعلم أخي المسلم أنَّ البهتان على البريء من أثقل الذنوب، وويل لمن سعى بوشاية بريءٍ عند صاحب سلطان ونحوه فصدقه، فربما جنى على بريءٍ بأمر يسوءه وهو منه براء.
وقد حرم الله - ﷿ - المشي بالنميمة لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب في الإصلاح بين المسلمين قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] . وقال النَّبيُّ - ﷺ -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (١) .
وقد قال النَّبيُّ - ﷺ - أيضًا: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرًا وينمي خيرًا» (٢) .
أخي المسلم: اعلم أنَّ مَن نَمَّ إليك نَمَّ عليك، والنمام ينبغي أنْ يُنصَحَ ويُرشَدَ، وإلا فَيُترك ويُبغَض ولا يُوثَق بقوله ولا بصداقته، وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والغل والحسد والنفاق والإفساد بين الناس والخديعة.