واعلم أخي المسلم الكريم، أنَّ الله حرم الاعتداء على حق الحياة - التي هي حق لكل إنسان في كافة الشرائع السماوية - وحرم الاعتداء على سلامة الحياة سواء كان الاعتداء خطئًا أو عمدًا، إلا ما كان بحق، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
[ ٧٧ ]
ثم اعلم أخي المسلم الكريم، أنَّ الإنسان أهم وأشرف خلق الله - ﷿ - على وجه الأرض قاطبة، وقد جعل الله له مكانة كبيرة؛ ولذلك استخلف الله الإنسان في عمارة الأرض ورعايتها، بما وهبه فيها من طاقات وقدرات عقلية ونفسية وعلمية تجعله يقوم بواجب هذا الاستخلاف؛ لذا فإنَّ الله لما خلق آدم أمر الملائكة بالسجود له. فمكانة الإنسان في هذه الحياة هي السبب في أنْ يحاط بسياج منيع؛ حتى لا يتعدى أحدٌ على حق الحياة إلا بحق مشروع فيه برهان من الله - ﷿ -. إذن فحفظ النفس ووقايتها ضرورة من ضرورات الحياة، وقد حرص الإسلام على صيانتها ورعايتها. والإسلام قد طبّق الأحكام المترتبة على قتل النفس المسلمة من أجل صيانة النفس المسلمة من القتل؛ إذ تواردت الآيات وتلاحقت الأحاديث على عظم هذه الجريمة، وطُبِّقَتْ أحكام القصاص في عهد النَّبيِّ - ﷺ - وفي عهد الخلفاء الراشدين، قال عبد الله بن عمر ﵄: إنَّ غلامًا قُتِلَ غيلة (١) فقال عمر: «لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم» (٢) وروى المغيرة بن حكيم عن أبيه، قال: «إنَّ أربعةً قَتلوا صبيًا فقال عمر - ﵁ -: «والله لو أنَّ أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين» (٣) .
_________________
(١) الغيلة: القتل سرًا.
(٢) أخرجه: البخاري ٩/١٠ (٦٨٩٦) .
(٣) المصدر السابق.
[ ٧٨ ]
واعلم أنَّ ديننا الحنيف لم يكتفِ بسنِّ قوانين القصاص والحدود والكفارات والديات من أجل حفظ النفس، بل إنه قرر تدابير للوقاية من جريمة القتل؛ لأنَّ الإسلام إذا حرّم شيئًا حرّم الأشياء التي توصل إليه، ومن تلك التدابير للوقاية من الجرائم عامة وجريمة القتل خاصة: تقوية الوازع الديني عند المسلمين، وتعظيم شعائر الله، والتخويف من معصية الله، ثم بعد ذلك بناء العلاقات الاجتماعية على المحبة والمناصحة والمناصرة بالحق، وتأكيد النهي عن أسباب الخلافات والفرقة وإصلاح ذات البين بين المسلمين المتخاصمين. فالذي يقرأ أحكام الدين الإسلامي يجد أنَّ الإسلام قد أحاط حفظ النفس المسلمة بثلاث حصانات متينة الأولى: التهذيب النفسي الذي يشمل كافة العبادات، وهي تمثل الجانب الإيماني في حياة المسلم. والثانية: تكوين رأي عام فاضل، وهو يتمثل بجانب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم. والثالثة: العقاب، وهو ما يتمثل بالحدود والقصاص والكفارات والديات.
[ ٧٩ ]
وليكن في علمك أخي المسلم الكريم أنَّ جريمة القتل من أبشع الجرائم؛ لأنها اعتداء على قيم الإنسانية؛ وذلك من خلال عدوانيتها على حقوق الآخرين وسفك دمائهم، والقضاء على حياتهم، ولبشاعة هذه الجريمة وشناعتها وفظاعتها وشدة عنفها، فقد تناولتها التشريعات بعقوبات صارمة تصل إلى القتل؛ إذ اتفقت الشرائع السماوية على تحريم هذه الجريمة، وتقرير أقصى العقوبات الرادعة في حق مرتكبها؛ من أجل أنْ يعيش الناس في أمن واستقرار، وَلِعِظَمِ جريمة القتل جاء ترتيبها الثاني بعد الشرك بالله فقد صحَّ عن ابن مسعود - ﵁ - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ [النساء: ٩٣] قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أنْ تدعو لله ندًا وهو خلقك» . قال: ثم أيُّ؟ قال: «ثم أنْ تقتلَ ولدك خشية أنْ يطعم معك» . قال: ثم أيُّ؟ قال: «ثم أنْ تزاني حليلة جارك» . فأنزل الله - ﷿ - تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] (١) .
قال القرطبي عند تفسيره هذه الآية: «دلّتْ هذه الآية على أنَّه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا» (٢) .
وَلِعِظَمِ هذه الجريمة جريمة قتل النفس البريئة قرنها الله - ﷿ - بالذنب الذي لا
يُغفَر، وهو الشرك فقد روى أبو الدرداء - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «كل ذنب عسى أنْ يغفره الله إلا من مات مشركًا أو من قَتلَ مؤمنًا متعمدًا» (٣) .
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٩ / ٢ (٦٨٦١)، ومسلم ١/٦٣ (٨٦) (١٤٢) .
(٢) تفسير القرطبي ١٣ / ٧٦.
(٣) أخرجه: أبو داود (٤٢٧٠) .
[ ٨٠ ]
وجاء من حديث معاوية - ﵁قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل ذنب عسى أنْ يغفره الله إلا الرجل يَقتلُ المؤمن متعمدًا، أو الرجل يموت كافرًا» (١) .
وهذان الحديثان مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾
[النساء: ٩٣]، وهذه النصوص تدل على عدم قبول توبة القاتل، ومن العلماء من حملها على ظاهرها كابن عباس ﵄ كما سبق، أما أكثر أهل العلم فقد ذهبوا إلى أنَّ هذه النصوص مخصصة بالعمومات القاضية بأنَّ القتل مع التوبة النصوح من جملة ما يغفره الله من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] (٢) .