_________________
(١) أخرجه: البخاري في الأدب المفرد (١٢٤)، وأبو داود (٥١٥٣)، وابن حبان (٥٢٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه: أحمد ٢/٤٤٠، والبخاري في " الأدب المفرد " (١١٩)، وابن حبان (٥٧٦٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣٦ ]
أخي المسلم الكريم: إياك إياك الوقوع في دماء المسلمين فإنَّ مما عُلِمَ من الدين بالضرورة وتواترتْ به الأدلة من الكتاب والسنة حُرمةُ دم المسلم؛ فإنَّ المسلم معصوم الدم والمال، لا تُرفعُ عنه هذه العصمة إلاّ بإحدى ثلاث؛ إذ يقول الرسول - ﷺ -: «لا يَحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كَفَرَ بعدَ إسلامهِ، أو زَنَى بعد إحصانهِ، أو قَتَلَ نفسًا بغير نفس» (١)، وما عدا ذلك، فحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة، بل من الدنيا أجمع. وفي ذلك يقول الرسول - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» (٢) وهذا الحديث وحده يكفي لبيان عظيم حرمة دم المسلم، ثم تبصّر ماذا سيكون موقفك عند الله يوم القيامة إنْ أنت وقعت في دم حرام، نسأل الله السلامة.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٤٥٠٢)، وابن ماجه (٢٥٣٣)، والترمذي (٢١٥٨)، والنسائي ٧/٩١ وفي الكبرى، له (٣٤٨٢) من حديث عثمان بن عفان - ﵁ -.
(٢) أخرجه: النسائي ٧/٨٢ وفي الكبرى، له (٣٤٤٨) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -.
[ ٣٧ ]
قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]: (يقول الله تعالى: ليس لمؤمنٍ أنْ يقتل أخاه بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين (١) عن ابن مسعود: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يحلُ دم امرىء مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، ثم إذا وقع في شيء من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أنْ يقتله، وإنَّما ذلك إلى الإمام أو نائبه) (٢) . وقال ابن كثير في تفسير نفس الآية: (وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول الله سبحانه في سورة [الفرقان: ٦٨]
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٩ / ٦ (٦٨٧٨)، ومسلم ٥ / ١٠٦ (١٦٧٦) (٢٥) .
(٢) تفسير ابن كثير: ٥١٤ و٥١٥.
[ ٣٨ ]
إلى أن قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًا» (١): «وعن ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من جحد آية من القرآن، فقد حل ضرب عنقه، ومن قال: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، فلا سبيل لأحد إلاّ أن يصيب حدًا فيقام عليه» (٢) .
وفي رواية عن أنس - ﵁ -: «فإذا شهدوا أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حُرّمتْ علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم» (٣) .
وعلى المسلم أنْ يقف كثيرًا عند قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] .
فانظر أخي المسلم إلى عظمة كلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، والحصن والأمان الذي تضفيه على صاحبها إلاّ باستثناءات ذُكرتْ آنفًا.
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٥١٦.
(٢) أخرجه: ابن ماجه (٢٥٣٩)، وابن عدي في " الكامل " ٣/٢٨٠.
(٣) أخرجه: البخاري ١/١٠٩ (٣٩٣) .
[ ٣٩ ]
ومما لا بد من علمه أخي المسلم أن الله - ﷿لم يجعلْ عقوبةً بعد عقوبةِ الشرك بالله أشدَّ من عقوبة قتل المؤمن عمدًا حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وقد اختلف السلف في هذه الآية فذهب بعض الصحابة إلى أنَّ هذه الآية محكمةٌ وأنها آخر ما نزل على رسول الله - ﷺ -، وممن ذهب إلى ذلك الإمام الحبر الصحابي الجليل وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ فعن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس أنَّ رجلًا أتاه فقال: أرأيتَ رجلًا قتل رجلًا متعمدًا؟ قال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا، قال: أُنزِلتْ في آخر ما نزل، ما نسخها شيءٌ حتى قُبضَ رسولُ الله - ﷺ -، قال: أرأيتَ إنْ تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة، وقد سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «ثكلتْهُ أُمُه رجلٌ قتلَ رجلًا متعمدًا يجيء يومَ القيامة آخذًا قاتله بيمينه أو بيساره وآخذًا رأسه بيمينه أو شماله تشخبُ أوداجه دمًا في قبل العرش يقول: يا رب سَلْ عبدك فيم قتلني؟» (١)، وفي الحديث الصحيح الذي يرويه النسائي في المجتبى (٢) عن معاوية - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - - قال: سمعته يخطب - يقول: «كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أنْ يغفره إلاّ الرجلُ يقتلُ المؤمنَ متعمدًا أو الرجل يموتُ كافرًا» فأيُّ خطر هذا، وأي مهلكة يقدم عليها المرء ويجازف بها، حياةٌ لا ممات فيها وخلودٌ في مستقر لا تَقَرُّ به عينٌ ولا تُرفعُ به عقيرةٌ فخرًا وزهوًا، وغَضَبٌ من الله
_________________
(١) أخرجه: الحميدي (٤٨٨)، وأحمد ١/٢٤٠، وعبد بن حميد (٦٨٠) .
(٢) ٧/٨١ وفي " الكبرى "، له (٣٤٤٦) .
[ ٤٠ ]
وعذابٌ عظيم وخزي في الدنيا والآخرة مع مكث ولبث طويلين لا يعلم أمدهما إلاّ الله جل في علاه نسأل الله السلامة لنا ولمن اتعظ واتّبع. ثم تبصّرْ أخي المسلم الكريم الحديث جيدًا لتنظر كيف أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قد قرن بين قتل المؤمن والشرك بالله تعالى، وجعلهما مشتركين في استبعاد الغفران.
واعلم أخي المسلم أنَّ أول ما يُقضَى يوم القيامة بين العباد في الدماء ففي ذلك يقول الرسول - ﷺ -: «أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ الصلاةُ، وأولُ ما يُقضَى بينَ الناسِ الدماءُ» (١) وما ذلك إلا لعظم خطرها يوم القيامة فاستعد للموقف العظيم، والسؤال الصعب الذي ما بعده إلا جنة أو نار. وكل الذنوب يُرجَى معها العفو والصفح إلاّ الشرك، ومظالم العباد. ولا رَيبَ أنَّ سَفْكَ دماء المسلمين وهَتْكَ حرماتهم لَمِنْ أعظم المظالم في حق العباد، فعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس من عبد يلقَى اللهَ لا يشرك به شيئًا، ولم يتند بدم حرام إلاّ دخل من أي أبواب الجنة
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٩/٣ (٦٨٦٤)، ومسلم ٥/١٠٧ (١٦٧٨) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - «دون الشطر الأول» .
[ ٤١ ]
شاء» (١) قوله: ولم يتند: أي لم يصب منه شيئًا أو لم ينل منه شيئًا ويقول الرسول الأعظم في حديث رواه البخاري في صحيحه (٢): «أبغض الناس إلى الله ثلاث: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرىء بغير حق ليهريق دمه» . وعن جندب - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «من سَمّعَ سَمّعَ اللهُ به يوم القيامة، قال: ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة، فقالوا: أوصنا. فقال: إنَّ أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاعَ أنْ لا يأكل إلاّ طيبًا فليفعل، ومن استطاع أنْ لا يحال بينه وبين الجنة ملء كف منْ دم أهراقه فليفعل» رواه البخاري (٣) . وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «من قتل مؤمنًا فاغتبط (٤) بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» (٥) .
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٤/١٤٨، وابن ماجه (٢٦١٨)، والحاكم ٤/٣٥١ - ٣٥٢.
(٢) ٩ / ٧ (٦٨٨٢) من حديث ابن عباس - ﵁ -.
(٣) ٩ / ٨٠ (٧١٥٢) .
(٤) هم الذين يقتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدا ولا يستغفر الله منه أبدًا. مسند الشاميين ٢/٢٦٦.
(٥) أخرجه: أبو داود عقب (٤٢٧٠) .
[ ٤٢ ]
وإياك إياك أخي المسلم أنْ تُضيع على نفسك فرصة النجاة فعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النَّبيِّ - ﷺ -: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا» (١) أخي المسلم الكريم، هل أنت على استعداد أنْ تفوّت على نفسك فرصة النجاة العظيمة من النار، وقد روى البخاري ومسلم (٢) عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» . ثم اجعل دائمًا أخي المسلم نُصْبَ عينيك أنَّ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض، ولا تحل إلا بإذن الله ورسوله.
واعلم أخي المسلم: أنَّ ما أوردناه غيض من فيض وقليل من كثير فهو إشارات لكثير من العبارات التي وردت في الكتاب والسنة، تحث المسلمين على الورع والكف عن دماء إخوانهم، ولما سبق ذكره كان الصحب الكرام والتابعون لهم بإحسان أشد ما يكونون من الورع والوجل من أنْ يغمس أحدهم يده بمظلمة في حق مسلم، وكانوا كذلك ﵏ ورضي عنهم لشدة ما سمعوا ووعوا من كلام النبوة في التحذير من الانغماس في الفتن والشبهات والتزام النفس والبيت، وعدم الولوج في حرمات المسلمين حتى بالكلام، صونًا لهم عن التسبب في مظالم للمسلمين فضلًا عن الخوض فيها.
قال أبو موسى الأشعري - ﵁ -: «إنَّ بعدكم فتنًا القاعد خير من الساعي، حتى ذكر الراكب، فكونوا فيها أحلاس بيوتكم» (٣) .
وعن جندب - ﵁ - قال: «ستكون فتن، فعليكم بالأرض، وليكن أحدكم حلس بيته؛ فإنه لا ينبجس لها أحدٌ إلاّ أَرْدَتْهُ» (٤) .
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٩ / ٢ (٦٨٦٢) .
(٢) أخرجه: البخاري ١/٤١ (١٢١)، ومسلم ١/٥٨ (٦٥) (١١٨) من حديث جرير بن عبد الله - ﵁ -.
(٣) أخرجه: نعيم بن حماد في الفتن (٤٨٩) .
(٤) أخرجه: نعيم بن حماد في الفتن (٤٩٠) .
[ ٤٣ ]
وحينما اعتزل سعد بن مالك وعبدُ الله بن عمر - ﵃ - الفتنةَ قال علي - ﵁ -: «للهِ دَرُّ منزلٍ نَزلَه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، واللهِ إنْ كان ذنبًا إنه لصغير مغفور، ولئن كان حسنًا إنه لعظيم مشكور» (١) .
تذكّر أخي المسلم ما في الصحيحين (٢) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول، قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» .
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في الكبير (٣١٩) .
(٢) البخاري ١/١٤ (٣١)، ومسلم ٨/١٦٩ (٢٨٨٨) (١٤) .
[ ٤٤ ]
وفي الصحيحين (١) أيضًا من حديث الأحنف بن قيس قال: ذهبتُ لأنصر هذا الرجل - يعني: علي بن أبي طالب - فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » ثم ذكر بقية الحديث. وفي رواية أخرى للبخاري (٢) عن الحسن قال: خرجتُ بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله - ﷺ - فقال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، وفي رواية لمسلم (٣): «إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلا جميعًا» وهذا كله إذا كان القتل غير مأذون به شرعًا، وقد قصّ الله علينا في كتابه العظيم خبر أول حادثة قتل وقعت في تاريخ البشرية حين قتل أحد ابني آدم أخاه قتله ظلمًا وبغيًا وحسدًا فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ومع إن هذا القاتل قد هدّد أخاه بالقتل وأكد ذلك بقوله: «لأَقْتُلَنَّكَ» فقد تلطّف معه لعله أنْ يرجع عن عزمه، وأخبره أيضًا أنه لن يمد يده ليقتله مهما هدده، بل إنه حتى ولو باشر عملية القتل فسيكف يده أيضًا خوفًا من الله رب العالمين، فقال له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾
_________________
(١) سبق ذكره.
(٢) ٩/٦٤ (٧٠٨٣) .
(٣) ٨/١٧٠ (٢٨٨٨) (١٦) .
[ ٤٥ ]
[المائدة: ٢٨] ثم أخذ ينصح أخاه ويعظه لعله يرجع عما هَمَّ به، ومع كل هذا التلطف والنصح فلم ينفع ذلك أخاه، ولم يثنه عن عزمه على قتل أخيه. وكذلك الظلم والحقد والبغي والحسد كل ذلك يعمي القلب عن الحق، ويصم الأذن عن سماع الحق، فلا يزال القلب مُصِرًّا على المعصية والإثم والموبقة، والشيطان يدفعه إلى تلك المعصية، فالشيطان هو العدو الأول للإنسان فيدفعه إلى ذلك دفعًا، ويهوِّن عليه الأمر حتى إذا وقع فيها تخلى عنه الشيطان وتبرأ منه، ثم بعد ذلك تَظْلَمُّ عليه الدنيا وتضيق عليه الأرضُ بما رَحُبَتْ، قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] ثم بعد ذلك ماذا حصل للقاتل؟ ندم على ذلك الفعل الشنيع، ولكن هل ينفع الندم على قتله؟ لا ينفع الندم؛ لأنَّ أخاه قد مات، ولن يرجع إلى الحياة الفانية، ثم ماذا يصنع هذا القاتل بعد جريمته تحيّر وبقي يحمله مدة طويلة. أولُ قتيل لا يدري ماذا يصنع به هل يحمله ويضعه في الماء أم هل يضعه فوق الجبال، أشكل عليه الأمرُ، فالأمر معضلة ومشكلة، لأنَّه أول حادثة قتل تحدث على الأرض. فأظهر القاتل ندمه على سوء فعلته وصنيعه فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يدفن أخاه حتى أراه الله كيف يدفن الغراب غرابًا. وقد بيّن لنا النَّبيُّ - ﷺ - أنه ما من نفس تُقتل ظلمًا منذ ذلك التاريخ وحتى آخر يوم من الدنيا إلا كان لهذا القاتل كفلٌ منها؛ لأنه أول من سن القتل، وهذا شأن كل مَن سَنّ ضلالة أو دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقد بيّن الله سبحانه في كتابه بعد أنْ ذكر قصة ابني آدم أنَّ جريمة القتل عظيمة، وأنَّ من قتل نفسًا بغير نفس
[ ٤٦ ]
أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا يقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] وهذا الحكم وإنْ كان ظاهره خاصًا ببني إسرائيل إلا إنه عام فينا وفيهم فقد سأل سليمانُ بنُ علي الحسنَ عن هذه الآية فقال: «قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل فقال: والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دماءنا» (١) .
أخي المسلم الكريم، إنَّ الله ﵎ قد نهى عن قتل النفس بغير الحق في كتابه الكريم، وأثنى ﷿ على الذين يجتنبون هذه الجريمة العظيمة، وقد توعّد سبحانه من يفعلها باللعنة والغضب والعذاب العظيم والخلود في نار جهنم فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .
فاستحضر أخي المسلم هذا التهديد العظيم وهذا الوعيد الكبير فأي تهديد بعد هذا وأي وعيد بعد هذا الوعيد كل ذلك؛ لأنَّ المسلم له مكانة عند الله تعالى. ودم المسلم هو أغلى الدماء التي يجب أنْ تُصانَ، وأن يُغضَب لإراقتها.
أخي المسلم الكريم قد بيّن الله ﷾ حرمة المسلم ومكانته عند الله تعالى فقد صحّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله
_________________
(١) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٩٢١١)، وما تقدم من كلام عن هذه القصة اقتباس من محاضرة للشيخ ممدوح الحربي بعنوان القاتل والمقتول، جزاه الله خير الجزاء.
[ ٤٧ ]
من زوال الدنيا» (١) وفي رواية أخرى: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلمٍ» (٢) .
وفي حديث آخر: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق» (٣) فهذه مكانة المسلم عند الله تعالى فتدبّر أيها القاتل ماذا تصنع بفعلتك؟ !!
فلزوال الدنيا كلها أهون من قتل رجل مؤمن بغير حق، زوال الدنيا بأموالها ومزارعها ومصارفها ومصانعها وتجاراتها وبناياتها ودولها وأحلافها، وكل ما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق. بل المسلم له حرمة حتى بعد موته فقد نهى النَّبيُّ - ﷺ - عن كسر عظم الميت، وأخبر أنَّ عظم الميت إذا كُسر فكأنما كُسر وهو حيٌّ، فقد صحّ عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسره حيًا» (٤) .
أخي المسلم الكريم، إنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قد حذّر أمته أشد التحذير من هذه الجريمة فقال: «سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفر» (٥) وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٦) وبيّن أنَّ هذه الجريمة من السبع الموبقات المهلكات فقد قال:
«اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه: الترمذي (١٣٩٥) بهذا اللفظ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.
(٣) أخرجه: ابن ماجه (٢٦١٩) من حديث البراء بن عازب - ﵁ -.
(٤) أخرجه: بهذا اللفظ ابن الجارود (٥٥١) وأخرجه: أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) بلفظ: «كسر عظم الميت ككسره حيًا» .
(٥) أخرجه: البخاري ١/١٩ (٤٨)، ومسلم ١/٥٧ (٦٤) (١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٦) سبق تخريجه.
[ ٤٨ ]
بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (١) وقال أيضًا: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور» (٢) . وروى النسائي (٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر كان له الجنة» فسألوه عن الكبائر فقال: «الإشراك بالله وقتل النفس المسلمة والفرار يوم الزحف» .
وروي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله (يعني سره ذلك وفرح به) لن يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» (٤) .
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٤/١٢ (٢٧٦٦)، ومسلم ١/٦٤ (٨٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه: البخاري ٣/٢٢٥ (٢٦٥٤)، ومسلم ١/٦٤ (٨٧) (١٤٣) من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
(٣) ٧/٨٨ وفي الكبرى، له (٣٤٧٢) .
(٤) سبق تخريجه.
[ ٤٩ ]
وقاتل المسلم مهما فرَّ في هذه الدنيا، فإنَّه لن يفلت يوم القيامة، ولن يتركه المقتول يوم القيامة، فقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «يجيء الرجل آخذًا بيد الرجل فيقول: يا رب هذا قتلني فيقول له: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لك فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذًا بيد الرجل فيقول: يا رب، إنَّ هذا قتلني فيقول الله: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان فيقول الله تعالى: «إنها ليس لفلان فيبوء بإثمه»» (١) وفي رواية للنسائي (٢) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سَلْ هذا فيم قتلني؟» فهذا هو الحساب وهو أشد أنواع الحساب فهو ليس تحقيقًا دنيويًا يستطيع به بعضهم أن يتخلص ببعض من يكون للخائنين ظهيرًا.
فاحذر أخي المسلم كل الحذر أن تقع في دم حرام فتقتل أحدًا من أجل فلان أو مُلْكِ فلان أو إمارة فلان، فإنهم لن ينفعوك شيئًا عند الله، ولن يدفعوا عنك شيئًا من عذاب الله. وروى النسائي (٣) من حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت نبيكم - ﷺ - يقول: «يجيء المقتول متعلقًا بالقاتل تشخب أوداجه دمًا فيقول: أي رب سَلْ هذا فيم قتلني؟» وعند ابن ماجه (٤) والترمذي (٥) عن ابن عباس - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال:
«يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دمًا فيقول: يا رب سَلْ هذا فيم قتلني؟ حتى يدنيه من العرش» .
_________________
(١) أخرجه: النسائي ٧/٨٤ وفي الكبرى، له (٣٤٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٢) ٧/٨٤ وفي الكبرى، له (٣٤٦١) من حديث جندب - ﵁ -.
(٣) ٧/٨٥ و٨/٦٣، وفي الكبرى، له (٣٤٦٢) و(٧٠٧٢) .
(٤) سنن ابن ماجه (٢٦٢١) .
(٥) الجامع الكبير (٣٠٢٩) .
[ ٥٠ ]
إذن احذر أخي المسلم أنْ يكون لك أحدٌ بالمرصاد يوم القيامة فإنَّ من تقتله في الدنيا لن يتركك في الآخرة، بل هو لك بالمرصاد. والله ﷾ لما جعل للنفس المسلمة هذه الحصانة الكبيرة؛ ذلك لأنَّ نفس المسلم لها مكانة وحرمة، فليس أحد يملكها أو يملك إزهاقها، بل إنَّ ذلك ممنوع غاية المنع، ولا يجوز إلا بإذن من الله ﵎ وإذن رسوله - ﷺ -.
بل حتى نفسك التي بين جنبيك لا تملكها أنت ولا يحل لك إزهاقها؛ ولهذا جاء الوعيد الشديد فيمن يقتل نفسه متعمدًا؛ ففي الصحيحين (١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «من تَردَّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يَتردّى فيها خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا، ومن تَحسَّى سُمًا فقتل نفسه فَسُمُّه في يده يتحسَّاهُ في نار جهنم خالدًا مُخلّدًا فيها أبدًا، ومن قتلَ نفسَه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا مُخلّدًا فيها أبدًا» . وروى البخاري (٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -
قال: «والذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار» . وفي الصحيحين (٣) من حديث ثابت بن الضحاك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: «من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّبَ به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله» . ولفظ جامع الترمذي (٤):
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٧/١٨١ (٥٧٧٨)، ومسلم ١/٧٢ (١٠٩) .
(٢) ٢/١٢١ (١٣٦٥) .
(٣) أخرجه: البخاري ٨/١٨ (٦٠٤٧)، ومسلم ١/٧٣ (١١٠) (١٧٦) .
(٤) الجامع الكبير (١٥٢٧) .
[ ٥١ ]
«ليس على المرء نذر فيما لا يملك، ولاَعِنُ المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عُذِّبَ بما قتل به نفسه يوم القيامة» .
فتنبه أخي المسلم الكريم دائمًا بأنَّ مسألة قتل النفس بغير حق من الأمور الخطيرة التي تضيّق على من ارتكبها الدنيا بما فيها، فمجرد أنْ يقع المسلم في هذه الجريمة تضيق عليه الأرض وتضيق عليه نفسه لذا قال النَّبيُّ - ﷺ -: «لن يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفسًا حرامًا» (١) وفي رواية لأبي داود (٢) عن أبي الدرداء - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «لا يزال المؤمن مُعنقًا (والمعنق هو طويل العنق الذي له سوابق بالخير) ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا » وروى البخاري (٣) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حلة» .
ونبينا الأكرم - ﷺ - قد بيّن لنا فضل من خرج من الدنيا ولم يتلطخ بدم المسلم فقال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا لم يتند بدم حرام دخل الجنة» (٤) . فهنيئًا لمن خرج من الدنيا ولم يتلطخ بدم مسلم، وهنيئًا لمن خرج من الدنيا ولم يحمل مسلمًا على ظهره يأتي به يوم القيامة، هنيئًا لمن خرج من الدنيا وقد سلم المسلمون من لسانه ويده، هنيئًا لمن فارق الدنيا ولم يقترف جريمة يسفك بها دم مسلم.
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٩/٢ (٦٨٦٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) سنن أبي داود (٤٢٧٠) .
(٣) ٩/٢ (٦٨٦٣) .
(٤) أخرجه: ابن ماجه (٢٦١٨) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.
[ ٥٢ ]
تذكّر أخي المسلم وصية النَّبيِّ - ﷺ - لأصحابه: «إنَّ أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أنْ لا يأكل إلا طيبًا فليفعل، ومن استطاع أنْ لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم أهراقه فليفعل» (١) .
فاحذر أخي المسلم كل الحذر أنْ يحول بينك وبين الجنة ملء كف من دم تهريقه بغير حقه.
واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يحذِّر أمته من الأمور التي تدعو الإنسان إلى أنْ يقتل مسلمًا أو أنْ يجرح مسلمًا، ومن ذلك أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى أنْ يمر المسلم،
ومعه السهام في أسواق المسلمين، أو في مساجد المسلمين، أو في أي مكان من أماكن تجمعهم، إلا أن يكون النصل مغطىً حتى لا يجرح به مسلمًا، وهو لا يشعر. فقد صحَّ عنه - ﷺ - أنَّه قال: «إذا مَرَّ أحدكم بمسجدنا أو في سوقنا، ومعه نبل فليمسك عن نصالها بكفه، لا يعقر مسلمًا» (٢) ومن تلك الأمور التي حذّر منها النبي - ﷺ - أنَّه نهى عن الإشارة إلى المسلم بأي شيء يحتمل أنْ يقتله أو يجرحه، نهى عن ذلك وأخبر أنّ من فعل ذلك فأنَّه ربما نال اللعنة والوعيد الشديد؛ لذلك قال النَّبيُّ - ﷺ -: «لا يُشِرْ أحدُكم على أخيه بالسلاح؛ فإنَّه لا يدري لعل الشيطان ينزع يده فيقع في حفرة من النار» (٣) .
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه: البخاري ١/١٢٢ (٤٥٢)، ومسلم ٨/٣٣ (٢٦١٥) (١٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٣) أخرجه: البخاري ٩/٦٢ (٧٠٧٢)، ومسلم ٨/٣٤ (٢٦١٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٥٣ ]
وصحّ أنَّه - ﷺ - قال: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإنَّ الملائكة تلعنه، وإنْ كان أخاه لأبيه وأمه» (١) . وصحّ أنَّه - ﷺ - نهى أنْ يُتعاطَى السيف مسلولًا (٢)، وكل هذا الاحتراز لشدة حرمة المسلم على المسلم؛ فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك خشية أنْ يكون هناك خطأ فيقع السيف ويجرحك أو يؤذيك أو يقع على أخيك، وإذا كان ذلك في الأسلحة القديمة فهو في الأسلحة الحديثة أشد تأكيدًا؛ لأنَّ الضرر أعظم، والخطر أكبر، والعلة تدور مع الحكم وجودًا وعدمًا. ومن الأمور التي يستفاد منها خطورة أمر دماء المسلمين، هو أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - حذّر من الدخول في الفتن، وما ذلك إلا لأن لا يقع المسلم في دماء المسلمين؛ لخطورة الأمر وشدته، فالفتن مظنة لأن يكون هناك قاتل ومقتول، فالفتن إذا سعرت وابتدأت صعب على الناس إطفاؤها. فنبينا صلوات الله وسلامه عليه قد حذّر أمته من الفتن، وبيّن أنَّها ستحدث وستكون في هذه الأمة فقد صحّ أنه - ﷺ - قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي من تَشرّف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجئًا أو معاذًا فليعذ به» (٣) هكذا بيّن لنا النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ المخلَص من الفتن أنْ يهرب منها المسلم قدر الاستطاعة.
_________________
(١) أخرجه: مسلم ٨/٣٤ (٢٦١٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه: أبو داود (٢٥٨٨)، والترمذي (٢١٦٣) من حديث جابر - ﵁ -.
(٣) أخرجه: البخاري ٤/٢٤١ (٣٦٠١)، ومسلم ٨/١٦٨ (٢٨٨٦) (١٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٥٤ ]
فاحذر أخي المسلم من الوقوع في الفتن، فالفتنةُ قد تُريكَ الحقَ باطلًا والباطلَ حقًا. وقد تعميك وتصمك وأنت لا تشعر، وقد أخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ الفتن ستقع في أمته فقال:
«إذا وضع السيف في أمتي لم يرتفع عنها إلى يوم القيامة» (١) وأخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنه ستأتي فتن في آخر الزمان يكثر فيها القتل وتكثر فيها الفتن حتى أنه من شدة الفتن يمر الرجل على القبر ويتمرّغ عليه ويقول: يا ليتني صاحب هذا القبر، من شدة ما يرى من الفتن والأمور العظيمة؛ ففي الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بالقبر فيقول: يا ليتني مكانه» وقال أيضًا: «والذي نفسي بيده ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يدري القاتلُ في أيِّ شيءٍ قَتَلَ، ولا يدري المقتولُ على أيِّ شيءٍ قُتِلَ» (٣) وفي رواية لمسلم: «والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يومٌ، لا يدري القاتل فيم قَتَلَ ولا المقتول فيم قُتِلَ، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج القاتل والمقتول في النار» (٤) . ونبينا - ﷺ - حينما يذكر ذلك إنما يذكره ليحذرنا من أن نكون من أولئك أو من أن نشارك في سفك تلك الدماء أو أن نتلطخ فيها، أو أن نلقى الله بها، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «يَتقاربُ الزمانُ ويُقبَضُ العلمُ ويُلقَى الشحُّ ويَكثرُ الهرجُ، فقيل: وما الهرجُ؟ قال: القتل» (٥)
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٢٠٢) من حديث ثوبان - ﵁ -.
(٢) البخاري ٩/٧٣ (٥١١٧)، ومسلم ٨/١٨٢ (١٥٧) (٥٣) .
(٣) أخرجه: مسلم ٨/١٨٣ (٢٩٠٨) (٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) أخرجه: مسلم ٨/١٨٣ (٢٩٠٨) (٥٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) أخرجه: البخاري ٨/١٧ (٦٠٣٧)، ومسلم ٨/٥٩ (١٥٧) (١١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٥٥ ]
وقال أيضًا: «إنَّ بين يدي الساعة لهرجًا»، قال: قلت: يا رسول الله ما الهرج؟ قال: «القتل»، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا فقال رسول الله - ﷺ -: «ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضًا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته» فقال بعض القوم: يا رسول الله، ومعنا عقولنا ذلك اليوم فقال رسول الله - ﷺ -: «لا، تنزع عقول أكثر ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم» (١) .
فعلى المسلم أن يبتعد عن الفتن كل الابتعاد؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أرشد أمته إذا أدركوا الفتن أو أحسوا بالفتن أنْ يبتعدوا عنها كل الابتعاد، وأنْ يهربوا منها كل الهرب؛ لأنَّ الفرار من الفتنة من الدين؛ لذا بوّب البخاري في صحيحه: باب من الدين الفرار من الفتن (٢) .
أخي المسلم الكريم، إنَّ المسلم ينبغي له أنْ يحذر من الدخول في الفتن، وأنْ يستعيذ بالله تعالى منها -فقد كان عمار بن ياسر يستعيذ من الفتن - وأنْ يحذر أنْ يشارك فيها بقول أو فعل أو رأي أو بغير ذلك؛ فإنَّ الفتن إذا صارت لم يسلم منها أحد إلا مَن رَحِمَ اللهُ.
_________________
(١) أخرجه: ابن ماجه (٣٩٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وهو حديث صحيح.
(٢) صحيح البخاري ١/١١.
[ ٥٦ ]
ويا للأسف على بعض الغلاة من المنتسبين إلى العلم في هذا العصر، فقد ظنوا أن مجابهة مخالفيهم بالطعن والقذف دليل على وفرة العلم وقوة الفهم حتى صار «من عاداتهم الخبيثة: أنهم كلما ناظروا أحدًا من الأفاضل في مسألة من المسائل توجهوا إلى جرحه بأفعاله الذاتية وبحثوا عن أعماله العرضية وخلطوا آلاف الكذبات بصدق واحد، وفتحوا لسان الطعن عليه بحيث يتعجب منه كل ساجد، وغرضهم منه إسكات مخاصمهم بالسب والشتم، والنجاة من تعقب مقابلهم بالتعدي، والظلم بجعل المناظرة مشاتمة والمباحثة مخاصمة» (١) وحسبنا في الحكم على هذا المسلك قوله - ﷺ -: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (٢) . بل ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» (٣) .