عليك أخي المسلم بإصلاح ذات البين، وإياك وإفساد ذات البين فقد صحّ من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «إياكم وسوء ذات البين فإنَّها الحالقة» (٣) قال أبو عيسى الترمذي: «هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه، ومعنى قوله: وسوء ذات البين إنما يعني العداوة والبغضاء، وقوله: الحالقة يقول إنها تحلق الدين» .
وروى الترمذي (٤) أيضًا من حديث الزبير بن العوام - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاء هي الحالقة لا أقول: تحلق الشعر، ولكنْ تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم أفشوا السلام بينكم» .
_________________
(١) أخرجه: النسائي ٧ / ٨١.
(٢) راجع في ذلك: تفسير الطبري ٧/١٢٢-١٢٣، وتفسير القرطبي ٥/٢٤٥، وتفسير ابن كثير: ٤٩٣-٤٩٤، وفتح الباري ٨ /٦٢٧.
(٣) أخرجه: الترمذي (٢٥٠٨) .
(٤) الجامع الكبير (٢٥١٠) وأخرجه أيضًا أحمد ١/١٦٧.
[ ٨١ ]
واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ ديننا الحنيف حث على إصلاح ذات البين حفاظًا على المجتمع، وحفاظًا على أمن الناس من الخلافات التي تفكك المجتمع، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] .
وقد حث النَّبيُّ - ﷺ - على إصلاح ذات البين فقد صحّ من حديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة» قالوا: بلى قال: «صلاح ذات البين؛ فإنَّ فساد ذات البين هي الحالقة» (١) قال أبو عيسى الترمذي: «هذا حديث صحيح، ويُروى عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» .
بل إنَّ ديننا الحنيف أباح الكذب من أجل إصلاح ذات البين، فقد روى البخاري ومسلم (٢) من حديث كلثوم بنت عقبة ﵂ عن النَّبيِّ - ﷺ - يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا» .
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٦/٤٤٤، والبخاري في " الأدب المفرد " (٣٩١)، وأبو داود (٤٩١٩)، والترمذي
(٢) صحيح البخاري ٣/٢٤٠ (٢٦٩٢)، وصحيح مسلم ٨/٢٨ (٢٦٠٥) (١٠١) .
[ ٨٢ ]
وما كل ذلك الفضل لإصلاح ذات البين إلا لأهمية إصلاح ذات البين؛ إذ ظهرت أهمية الصلح في حقن دماء المسلمين في وقائع كثيرة، فإصلاح ذات البين من الدعائم المهمة للحفاظ على المجتمع الإسلامي من التفكك، فالإسلام بعقائده وعباداته ومعاملاته وآدابه يؤدي إلى بناء مجتمع خيّر فاضل متماسك بروابط أخوية تمنع من خلالها عوامل الفساد والانحلال، ثم تذهب بعد ذلك روح الأنانية والبغضاء والتشاحن، وإذا زال السوء فسيحل محله الحب والإخاء والمودة والموالاة والتكافل والتعاون، فالمجتمع الإسلامي كله يسعى لهدف واحد هو مرضاة الله ﷾ بالقول والعمل؛ وذلك يؤول إلى سعادة البشر في الدنيا والآخرة.
أخي المسلم الكريم تدبر دائمًا قول النَّبيِّ - ﷺ -: «كونوا عباد الله أخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ منَ الشر أنْ يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله» (١) .
فهذا الحديث الشريف فيه القواعد العِظام التي تكون جامعة لقلوب المسلمين على الألفة والمودة.
قال مجاهد فيما أخرجه الطبري في تفسيره (٢)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣) من طريق عبدة بن أبي لبابة: «إذا تراءى المتحابان في الله فأخذ بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما يتحاتّ ورق الشجر. قال عبدة: فقلتُ له: إنَّ هذا ليسير. قال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
والمسلم أخو المسلم يكف عنه الضر، ويجلب إليه النفع.
والتقوى محلها القلب، وهي الميزان عند الله تعالى، وإذا كان أصل التقوى
_________________
(١) أخرجه: مسلم ٨/١٠ (٢٥٦٤) (٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) ١٢٦٢٥) .
(٣) : ٨٥٢.
[ ٨٣ ]