وُصف المؤلف - ﵀ - بالإمام المحقِّق، والناظرُ في هذا الكتاب يجد صدقَ هذا؛ حيث لم يُخْلِ المؤلِّف - في الغالب - كتابه هذا من بيان تحقيقٍ نفيس، وتنبيهٍ قَيِّمٍ، وإشارة لطيفة، وفائدةٍ جليلة، وتحريرٍ جيد، وشرحٍ لغريب لفظٍ وقع في آية أو حديث، أو قول، أو شعر، ومن أمثلة ذلك:
- قوله: ومما لم أجده منقولًا، وهو مما يتعين بيانه: أنك إذا تأملتَ القرآن، وجدته مصرِّحًا بذم الفاعلية - يعني: في قوم لوط - دون التصريح بذم المفعولية، مع أنها أفحشُ لوجوه ، ثم ذكر أربعة وجوه لطيفة في هذا المعنى (٢).
- وفي كلامه على تناول شيء ما عند السّحور بنيةِ السحور؛ عملًا بالسنة، وذكرِه استجادةَ شيخِه أبي العباس العيثاويِّ لما كتبه (٣).
- وقوله في حديث: "إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ المتحابين فِيَّ"، قال:
_________________
(١) انظر: (١٠/ ١٦٧).
(٢) انظر: (٧/ ٧٦ - ٧٧).
(٣) انظر: (١/ ٣٥٢).
[ مقدمة / ٥١ ]
وقوله: "المتحابين فيَّ": كذا في نسختي من "مصنف عبد الرزاق"، وهي نسخة صحيحة قديمة، وهو محمول على أنه صفة لـ (عبادي)، وخبر (إن) ما بعده (١).
- وفي شرحه لحديث النبي - ﷺ -: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلاَّ نَدِمَ"، قالوا: وما ندامَتُه يا رسولَ الله؟ قال: "إِنْ كَانَ مُحْسِنًا، نَدِمَ أَنْ لاَ يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا، نَدِمَ أَنْ يَكُونَ نزَعَ".
قال المؤلف: والقولُ الحقُّ في هذا المقام: إن من وفقه الله للبِرِّ حتى استوفى أجلَه الذي أُجِّل له وهو على بِرِّه، فحياتُه خيرٌ، ومماته خير، ومَنْ خذله الله عن البر، ويسَّره للفجور حتى مات فاجرًا، فلا خيرَ فيه، ولا خير له.
ثم ذهب يفضل في ندامة كلِّ واحدٍ منهما (٢).
- وقوله في سماع أهل الجنة: وهذا الفصل الذي ذكرتُه هنا في سماع أهل الجنة فصلٌ عزيز لطيف (٣).
- وقوله: وهذا الذي جمعتُه هنا من فوائد التوبة مما أنعم الله عليَّ به من الاستنباط، ولم أره مجموعًا لغيري (٤).
_________________
(١) انظر: (٤/ ٣١٥).
(٢) انظر: (٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
(٣) انظر: (٦/ ١٦٢).
(٤) انظر: (١٢/ ٣١٦).
[ مقدمة / ٥٢ ]
- وتنبيهه إلى ما يفعله الناسُ ليلةَ النصفِ من شعبان، أو في غيرها، في بيت المقدس وغيره؛ من كثرة الوقيد في المساجد وغيرها - زيادةً على قدر الحاجة - ملحَقٌ بتعظيم المجوس للنار؛ إذ فيه تشبهٌ بهم (١).
- وتنبيهه إلى عدم تعظيم ما لم يعظِّمه الشرعُ الشريف؛ من شجرة مخصوصة، أو بقعة مخصوصة، أو حجر مخصوص، ونحو ذلك، وأنه ملحَق بأفعال الجاهلية (٢).
- أما شرحُ الألفاظ الغريبة الواقعة في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والآثار والأشعار، فكثيرة (٣)، والمؤلِّف أجاد في هذا، فشرح جملة من المفردات، معتمدًا على أمهات المصادر؛ كـ"الصحاح" للجوهري، و"القاموس المحيط" للفيروز أبادي، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير، وغيرها.