إن الناظر في إجمال مادة الكتاب السابقة يدرك منهجيةَ المؤلف، وحُسنَ ترتيب الموادِّ ورصفِها، وجَودةَ إيراده الكتبَ والأبواب وسبكها.
فذكر في القسم الأول: التشبه بالملائكة، ثم ثناه بالتشبه بالأخيار من بني آدم، فجاء على النسق: التشبه بالصالحين، ثم الشهداء، ثم الصديقين، ثم النبيين، على سبيل الترقي والتدريج، مقتبسًا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
وختم هذا القسم بذكر باب في أخلاق النبي - ﷺ -، وقال فيه: واعلم أنه لا يتأتى لنا في هذا الكتاب الاتساعُ في تفاصيل طرائق الاقتداء والاتباع، وإنما غرضُنا الآن التنبيهُ على نبذة من أخلاقه - ﷺ - (١).
وفي القسم الثاني من الكتاب، وهو: النهي عن التشبه بمن ورد النهي عن التشبه بهم:
عزم المؤلف فيه أن يذكر قبائح الأعمال، وسفاسف الأمور، وسيئات الأعمال؛ لتُحْذَر وتُجتنب؛ فإنه من لم يتخلق بالأخلاق الفاضلة فهو إما شيطان، أو قرين شيطان، قال المؤلف: فناسب أن
_________________
(١) انظر: (٥/ ٢٩٦).
[ مقدمة / ٤٧ ]
نتكلم - في هذا القسم من كتابنا - على النهي عن التشبه بالشيطان، وعلى التشبه بأتباعه - وهم الكفار والفساق -، فانقسم هذا القسم إلى ثلاثة أنواع (١).
وذكر المؤلف - ﵀ - في الباب الأخير من الكتاب، وهو: النهي عن التشبه بالبهائم والسباع والطير: أنه ظهر سرٌّ عجيب في ترتيب الكتاب، فقال: وهو أنَّا ذكرنا أولًا: التشبهَ بالملائكة - ﵈ -، وجعلناه في بداية القسم الأول من الكتاب، وذكرنا آخرًا: التشبه بالبهائم، وجعلناه في نهاية القسم الثاني من الكتاب، فكان التشبهُ بالملائكة والتشبهُ بالبهائم كطرفين للكتاب أعلى وأدنى، وكأن المتشبه بالملائكة في الطرف الأعلى من الإنسانية، والمتشبهَ بالبهائم في الطرف الأدنى من الحيوانية، وجعلنا التخلُّقَ بأخلاق الله تعالى - كذا - في وسط الكتاب؛ لأنه هو النهاية التي يُنتهى إليها بسير السائرين، والمَحَطُّ الذي عليه تَحُطُّ رحالُ العارفين، ثم ذكرنا بعد ذلك النهيَ عن التشبه بالشيطان؛ إشارةً إلى من لم يتخلق بأخلاق الله - ﷾ - كذا، ولا بأخلاق عباده الصالحين، فهو إما شيطان، وإما قرينُ شيطان، وإما بهيمةٌ في صورة إنسان.
فعدْنا بعدَ الأمر بالتلبُّسِ بالحقِّ إلى الزجر عن التلبُّسِ بالباطل، فكأن لسانَ الحال قد قال: إن تأتمرْ بما أمرناك به من السلوك في
_________________
(١) انظر: (٥/ ٣٩٥ - ٣٩٩).
[ مقدمة / ٤٨ ]
مسالك الأبرار والأخيار، فلا أقلَّ من أن تنزجر عن الذهاب في سبيل الفجار والأخيار، ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] (١).
ثم ختم الكتاب بالتوبة رجاءَ الختم بالمتاب؛ لأن من ختم له بالتوبة، فقد أَمِنَ بالأَوبة من الحَوبة (٢).