زَّينَ الإمامُ نجمُ الدين الغزيُّ كتابه هذا بنظمٍ كثيرٍ من الشعر المليح، الداعي إلى الفضائلِ، وحَسَن الأخلاق، وغيرِ ذلك من المواعظ الصادقة، والمنافحات والمعارضات، والأجوبة والفتاوى، وعَقْدِ الأحاديثِ النبويةِ الشريفةِ، والآثارِ والأقوال، وهو شعرٌ طابت معانيه، وشَرُفت مقاصدُه ومراميه، واتَّسم ببساطة ألفاظه ومبانيه، فجاء على نمط شعر العلماء، لا الأدباء، وفحولِ الشعراء، فقد جنح - ﵀ - للأوزان الخفيفة والمجزوءات، فأتى غالبُ شعره في هذا الكتاب من أوزان السريع والخفيف والمتقارب والرجز، وبعض الأوزان المولَّدة.
وقد بثَّ المؤلف - ﵀ - في كتابه هذا مقطوعاتٍ كثيرةً من شعره، ربما ناهزت الثلاثَ مئةِ بيتٍ شعري؛ فمن ذلك:
- عَقْدُه لحديث النبيّ - ﷺ -: "اتَّقِ اللهِ مَا اسْتَطَعْتَ ":
خَالِقِ النَّاسَ بِخُلْقٍ حَسَنٍ ثُمَّ أَتْبِعْ سَيئًِّا بالحَسَنِ
وَاتَّقِ اللهَ تَعَالَى ما اسْتَطَعْـ ـتَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيْ في السُّنَنِ (٢)
_________________
(١) انظر: (١٢/ ١٣٦)، والحديث موضوع كما نص عليه أهل الحديث.
(٢) انظر: (٩/ ٤٧٤).
[ مقدمة / ٥٧ ]
- وعقدُه لحديثِ النبيَّ - ﷺ - في تمثيل المؤمنِ الذي يقرأ القرآن بالأترجَّةِ:
إنَّ المُنَافقَ كَالرَّيْحَانِ إنْ قَرَأَ الْـ ـقُرآنَ أَوْ لا فَمِثْلُ الحَنْظَلِ الكَرِهِ
والتَّمْرُ أَوْ شَجَرُ الأُتْرُنْجِ طَابَ كما رَوينا مِثَالُ المُؤْمِنِ النَّزِهِ (١)
- ومن نظمه في "منظومة خصائص يوم الجمعة":
أَضَلَّهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى وَاخْتَلَفُوا فَأَصْبَحُوا حَيَارَى
وَوَفَّقَ الرَّحْمَنُ هَذِيْ الأُمَّهْ حَتَى اهْتَدَوْا لَهُ بِنُورِ الرَّحْمَهْ (٢)
- ومن ذلك قوله واعظًا:
ما أقبحَ الفَقْرَ عُقَيبَ الغِنَى وأقبحَ الذَّنْبَ مَعَ المَسْكَنَهْ
أَقْبَحُ مِنْ هَذَا وَذَا مَنْ نَشَا في طَاعَةٍ ثُمَّ عَصَى دَيْدَنَهْ (٣)
- وقوله في وصف الزمان:
أرى عَصرَنا الزَّمِنَ الأَغْبرا وكلَّ بُغَاثٍ به اسْتَنْسَرَا
فكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يَمَلُّ الحياةَ لِكُلِّ لَئِيمٍ قَدِ اسْتَقْدَرَا
حَلاَ في ذَوِيهِ المَرِيرُ الكَريهُ وَطَابَ الَّذي كَانَ مُسْتَقْذَرَا
_________________
(١) انظر: (٩/ ٣٠٢).
(٢) انظر: (٧/ ٥٢٨).
(٣) انظر: (١٠/ ٢٧٥).
[ مقدمة / ٥٨ ]
وَمَا فِيهِ لِلْحَقِّ مِنْ نَاصِرٍ وَلَوْ كُنْتَ لِلْحَقِّ مُسْتَنْصِرَا
فَكُنْ بِاعْتِزَالِكَ مُسْتَأْثِرًا وَفِي طَاعَةِ اللهِ مُسْتَبْصِرَا (١)
- ومن ذلك: معارضتُه لابن الرومي فيما أساء بقوله:
لاتَلُمِ المَرْءَ عَلَى بُخلِهِ وَلُمْهُ يَا صَاحِ! على نَحْلِهِ
فقال المؤلف: وقد عارضتُه فقلتُ، وعن الحقِّ ما حلتُ، رادًا عليه، ومشيرًا إليه:
لا تَلُمِ الْمَرْءَ عَلى بَذْلِهِ وَلُمْهُ وَاعْتُبْهُ عَلى بُخْلِهِ
وَلا تَقُلْ مُعْتَذِرًا إِنَّهُ يُكْرَمُ ما يُكْرَمُ مِنْ أَجْلِهِ
ذُو الْمالِ لا يُكْرِمُهُ مُكْرِمٌ إِلاَّ لِما يَصْنَعُ مِنْ بَذْلِهِ
وَمَنْ يَقُلْ غَيْرَ الَّذِي قُلْتُهُ فَذاكَ لا شُبْهَةَ فِي جَهْلِهِ
قَدْ أَشْبَهَ الشَّيْطانَ فِي قَوْلِهِ هَذا فَحاذِرْهُ وَفِي فِعْلِهِ
فَاللهُ قَدْ واعَدَ أَهْلَ النَّدى بِالْفَضْلِ وَالْغُفْرانِ مِنْ أَجْلِهِ
فَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ مالِهِ أَمَدَّهُ مَوْلاهُ مِنْ فَضْلِهِ (٢)
- ومن ذلك: ردُّه على صلاح الدين الصَّفَدي في "شرح لامية العجم" في استحسانه قولَ ابنِ بَسَّامٍ:
_________________
(١) انظر: (١١/ ٤٩٠).
(٢) انظر: (٥/ ٥٧١ - ٥٧٢).
[ مقدمة / ٥٩ ]
قَدْ قَرَّبَ اللهُ مِنَّا كُلَّ ما شَسَعا كَأَنَّنِي بِهِلالِ الْفِطْرِ قَدْ طَلَعا
فَخُذْ لِلَهْوِكَ فِي شَوَّالَ أُهْبَتَهُ فَإِنَّ شَهْرَكَ فِي الْواواتِ قَدْ وَقَعا
فقال المؤلف - ﵀ -: وما أحسنَه لو قال:
قَدْ قَرَّبَ اللهُ مِنَّا كُلَّ ما شَسَعا كَأَنَّنَي بِهِلالِ الصَّوْمِ قَدْ طَلَعا
فَخُذْ لِجِدِّكِ فِي تَقْواكَ أُهْبَتَهُ فَإِنَّ شَعْبانَ فِي الْواواتِ قَدْ وَقَعا
***
[ مقدمة / ٦٠ ]