فإن قيل: قد قررت أن التخلق بأخلاق الشخص يدل على محبته، وأن المحبة لا تتم إلا بالموافقة في الأخلاق والأحوال، وإنَّا نجد كثيرًا من الناس يكرهون أن يتخلق غيرهم بأخلاقهم، أو يتحلوا بحُلاهم؟
قلت: إنما تكون كراهيتهم لذلك من حيث إن المتحلي بحليتهم إنما يريد التشبه بهم لمناظرتهم، أو معارضتهم، أو التهكُّم عليهم، أو السخرية والإزراء بهم، وذلك لا يدل على محبته لهم، ولا اتفاقه معهم - وإن كان موافقا في الصورة - بل يدل ذلك على شدة المباينة، وتمام العداوة، فلا يكون تشبهه بهم في الصورة الظاهرة منهم.
بخلاف ما إذا كان تشبهه بهم، وتخلقه بأخلاقهم على سبيل الاقتداء بهم، والاتباع لهم، والاستحسان لأحوالهم؛ فإن هذا عين الدليل على محبتهم؛ لأنه لو لم يحبهم، ويحب أفعالهم لم يقتدِ بهم فيها، ولا استحسنها منهم، ولا أَحَبَّ أن تنسب إليه كما نسبت إليهم، فهو في هذه الحالة متشبه بهم في أوصافهم وأخلاقهم على
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٧٦) واللفظ له، ومسلم (١٤٠١) عن أنس - ﵁ -.
(٢) رواه البخاري (٦٠٥) واللفظ له، ومسلم (٦٧٤).
[ ١ / ٢٠ ]
وجه الرضى بها لنفسه، والطمأنينة إلى نسبتها إليه، بخلافه في تلك الحالة؛ فإنه إن تشبه بهم على وجه التهكم والسخرية والإزراء فهو مُبَاين لهم في عين اتصافه بأوصافهم، غير راض نسبتها إليه - وإن تشبه بهم على وجه المناظرة والمعارضة -؛ فإنه لو لم يطمع بسبب اتصافه بأوصافهم، وتخلقه بأخلاقهم في التوصل بها إلى مباينتهم، ومضادتهم لم يكن طالبًا لتلك الأوصاف، ولا مُعَرِّجًا عليها، وهذه أوقعت بين كثير من الأُستاذِيْن وتلامذتهم.
وبهذا يظهر الفرق بين التشبهين؛ أعني: التشبه الذي مبناه على العداوة والمعارضة، والتشبه الذي مبناه على المحبة والموافقة، وهذا التشبه الأخير هو الذي يصير المتشبه بقوم منهم؛ فإن من وافق قومًا، وأحبهم كان منهم ومعهم في الدنيا والآخرة، كما روى الطبراني في "معجمه الكبير"، والحافظ ضياء الدين المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن أبي قرفاصة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حَشَرَهُ اللهُ فِيْ زُمْرَتهِمْ" (١).
ورواه أبو نعيم في "جزء له"، ولفظه: "مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا وَوالاهُمْ حَشَرَهُ اللهُ فِيْهِمْ" (٢).
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٥١٩). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٨١): فيه من لم أعرفهم.
(٢) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٥٩٩): في سنده إسماعيل بن يحى التيمي ضعيف.
[ ١ / ٢١ ]
وروى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بإسناد جيد، من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال في حديث: "وَلا يُحِبُّ رَجُل قَوْمًا إِلاَّ جَعَلَهُ مِنْهُمْ" (١).
وأخرج الإمام أبو محمد البغوي في "شرح السنة" من طريق عبد الرزاق، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: ثلاث أحلف عليهن، والرابعة لو حلفت عليها لبررت: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبدًا في الدنيا فولاَّه غيرَه يوم القيامة، ولا يحب رجل قوما إلا جاء معهم، والرابعة لو حلفت عليها لبررت: لا يستر الله على عبدٍ في الدنيا إلا ستر الله عليه في الآخرة. وقد رواه الطبراني في "معجمه الكبير" عنه مرفوعًا (٢).
ورواه في "معجمه الصغير"، و"الأوسط" - بإسناد جيد - عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثَلاثٌ هُنَّ حَقٌّ: لا يَجْعَلُ اللهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِيْ الإِسْلامِ كَمَنْ لا سَهْمَ لَهُ، وَلا يَتَوَلَّىْ اللهُ عَبْدًا فِيْ الدُّنْيَا فَيُوَلِّيْهَ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَلا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٦/ ١٤٥). قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ١٤٩): إسناده جيد.
(٢) رواه البغوي في (شرح السنة) (١٣/ ٦٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٧٩٩). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٣٧): وفيه فضال بن جبير وهو ضعيف.
[ ١ / ٢٢ ]
إِلاَّ جَعَلَهُ مَعَهُمْ" (١).
وروى الشيخان - أبو عبد الله البخاري، وأبو الحسين مسلم - عن أنس - ﵁ -: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: متى الساعة؟ قال: "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ".
قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء أشد مما فرحوا يومئذ (٢).
وفي لفظ آخر: قال: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" (٣).
قال أنس: فأنا أحبُّ النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر - ﵄ -، وأرجو أن أكون معهم (٤).
ورويا - أيضًا - عن ابن مسعود - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، قال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحب قومًا، ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (٥).
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٨٧٤)، وفي "المعجم الأوسط" (٦٤٥٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٨٠): رجاله رجال الصحيح غير محمد بن ميمون الخياط وقد وثق.
(٢) رواه بهذا السياق: البخاري في "الأدب المفرد" (٣٥٢). ورواه البخاري ومسلم باللفظ الآتي.
(٣) رواه البخاري (٣٤٨٥)، ومسلم (٢٦٣٩).
(٤) رواه البخاري (٣٤٨٥)، ومسلم (٢٦٣٩).
(٥) رواه البخاري (٥٨١٧)، ومسلم (٢٦٤٠).
[ ١ / ٢٣ ]
ورويا عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم، ولم يلحق بهم؛ فقال: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١).
وروى أبو داود عن أبي ذر - ﵁ -: أنه قال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم، ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟ قال: "أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، فأعادها أبو ذر، فأعادها رسول الله - ﷺ - (٢).
فهذه الأحاديث قاضية بأن المحبة تُلحق المُقَصِّرَ في الأعمال عن درجات المجتهدين لمحبته إياهم بهم، فما ظنك بمن بلغ من محبته لهم أن يتشبه بهم في الأعمال الصالحات، والاجتهاد في تحصيل الكمالات! !
فإن قلت: كيف يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى مع هذه الأحاديث: يا ابن آدم! لا يغرنك قول من يقول: المرء مع من أحب؛ فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم؛ فإن اليهود والنصارى يحبون أنبيائهم، وليسوا معهم.
قال حجة الإسلام الغزالي: وهذه إشارة إلى أن مجرد ذلك من غير موافقة في بعض الأعمال أو كُلِّها لا ينفع.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في بعض كلامه: هاه! تريد أن تسكن الفردوس، وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين
_________________
(١) رواه البخاري (٥٨١٨)، ومسلم (٢٦٤١).
(٢) رواه أبو داود (٥١٢٦).
[ ١ / ٢٤ ]
والشهداء والصالحين، بأي عمل عملته، بأي شهوة تركتها، بأي غيظ كتمته، بأي رحم قاطعة وصلتها، بأي زلة لأخيك غفرتها، بأي قريب باعدته في الله، بأي بعيد قربته في الله! (١).
فالجواب عن ذلك: أن المحب لقوم لا يخلو حاله إما أن يكون موافقًا لهم في كل أعمالهم، وأخلاقهم بحسب إمكانه، أو مخالفًا لهم في كلها، أو مخالفًا في البعض، موافقًا في البعض.
فإن كان موافقًا لهم في كل أعمالهم، وأخلاقهم فهذا منهم ومعهم بلا شك؛ لأن محبته إياهم أدت به إلى اتصافه بكل أوصافهم، وتشبهه بهم في كل أحوالهم، فقد بلغ أعلى طبقات المحبة، فكيف لا يكون منهم!
وهذا - أعني: المشابهة بالقوم في كل أحوال القوم - أعظم شيء يلحقه بهم.
ولقد أحسن القائل: [من المتقارب]
إِذا أَعْجَبَتْكَ خِصالُ امْرِئ فَكُنْهُ يَكُنْ فِيْكَ ما يُعْجِبُكْ
فَلَيْسَ عَلَىْ الْمَجْدِ وَالْمَكْرُما تِ إِنْ رُمْتَها حاجِبٌ يَحْجُبُكْ (٢)
_________________
(١) انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (٢/ ١٦٠).
(٢) البيتان للطاهر بن الحسين، انظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي (ص: ٤٥٤).
[ ١ / ٢٥ ]
وفي "رسالة" الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله تعالى بإسناده عن ذي النون المصري رحمه الله تعالى قال: من علامات المحب لله متابعة حبيب الله - ﷺ - في أفعاله، وأخلاقه، وأمره، وسننه (١).
قلت: وهو مأخود من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
والمعنى فيه: أن من أحب اللهَ أحبَّه اللهُ، فإذا تابع محبُّ الله حبيبَ الله فقد صدق في الحب، وصار هو - أيضا - حبيبَ الله.
وإن كان مخالفا لهم في كل أفعالهم، مباينًا لهم في كل أحوالهم، فهذا ليس منهم قطعًا، وعلى ذلك حمل الغزالي كلام الحسن، وكذلك يحمل عليه كلام الفضيل؛ لأن الظاهر أن محبة هذا مجرد دعوى، ومحضُ تَمَنٍّ، وهذا لا يقال فيه: (محبٌّ) حقيقة، بل: (مدعي المحبة).
ويدل عليه: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في كتاب "الزهد" عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم! زعمت أنك تحب الصالحين، وتفر من أعمالهم، وتبغض الفجار، وأنت أحدهم!
وإن كان موافقا في البعض مخالفًا في البعض، فلا يخلو إما أن يخالفهم في أصل الإيمان، أو يوافقهم؛ فإن خالفهم في الإيمان فهذا
_________________
(١) انظر: "الرسالة القشيرية" للقشيري (ص: ٢٤)، ورواه كذلك البيهقي في "الزهد الكبير" (ص: ٧٨).
[ ١ / ٢٦ ]
ليس منهم قطعًا؛ لأنه - وإن توهم من قلبه محبتهم والميل إليهم - فقد باينهم في أصل الإيمان الذي هو عقيدتهم، وذلك عين العداوة، فأين المحبة؟ وأيُّ عداوة أشد من عداوة الدِّين؟ كما قيل: [من البسيط]
كُلُّ الْعَداواتِ قَدْ تُرْجَىْ مَوَدَّتُها إِلاَّ عَداوَةَ مَنْ عاداكَ فِيْ الدِّيْنِ (١)
ومن هذا القبيل: محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم.
وإن وافقهم في أصل الإيمان، وخالفهم في غيره من الطاعات ومكارم الأخلاق، فلا يخلو إما أن تكون مخالفته لهم في الطاعات والأخلاق والآداب رغبة عنها، وأَنَفَةً منها، ومحبة لما سواها، أو لا؛ فإن كان الأول فهذا - أيضًا - لا ينفعه أصل محبته لهم مع رغبته عن أخلاقهم وأوصافهم، ولا يلحقه بهم، ولذلك قال رسول الله - ﷺ - في الحديث الصحيح: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ" (٢)؛ لأن رغبة هذا عن أخلاق من يدعي محبتهم، وإعراضه عن أوصافهم، دليل على أن محبته تلك لا حقيقة لها، وأنها مجرد دعوى.
ولا يبعد أن تكون محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم من هذا القبيل - أيضًا -؛ ألا ترى أنهم كانوا يدَّعون محبة إبراهيم ﵇، ثم كانوا يرغبون عن ملته، ثم كانوا يدَّعون أنه كان على ما هم عليه من
_________________
(١) انظر: "الآداب الشرعية" لابن مفلح (٢/ ٤٣٥).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٧ ]
اليهودية والنصرانية، ثم افترقوا فيه، فقالت اليهود: كان منا، وقالت النصارى: بل كان منا، فشتمهم الله تعالى في كتابه العزيز، وأكذبهم في ذلك كله، فقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
فنفى عنه اليهودية والنصرانية، وأثبت له الإسلام، وعرفنا أن الإسلام دين قديم من عهد إبراهيم ﵇ لم يحدث بعده بقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨].
فلا ينتفع من ادعى محبة قوم، وخالفهم في أخلاقهم، وأعمالهم رغبة عنها بمحبتهم، ولا يلحقه بهم.
وكذلك - أيضًا - لو كان مشتغلًا عن متابعتهم، وموافقتهم بما هو فيه من شهوات النفس، وتُرَّهَاتِ الهوى، والعكوف على تحصيل الدنيا بأي وجه تيسرت به، بحيث غلب عليه الظلم والغش والمكر والخديعة وغير ذلك؛ فإنَّ ما يدعيه من محبتهم لا ينفعه، ولا يلحقه بهم؛ لأنه مجرد تَمَنٍّ، ومحضُ ادِّعاء لا يجدي، وكيف تثبت له محبتهم وقد عكف على أوصاف من سواهم، وجاء بأعمال من عداهم ممن ليسوا منهم؟
[ ١ / ٢٨ ]
ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنا" (١) الحديث الآتي.
ومن هذا القبيل محبة الظَّلَمةِ والفَسَقةِ للصالحين، وتقربهم من المباركين بعرض أموالهم عليهم، وإرسال الهدايا إليهم، وهم مُكِبُّوْنَ على ظلمهم للناس، وإسرافهم على أنفسهم، فهؤلاء لا تنفعهم محبة الصالحين، ولا تلحقه بهم.
وإن كان الثاني؛ بأن كانت مخالفته لهم لا على طريق الرغبة عن أخلاقهم، ولا على سبيل الأَنَفَةِ من أحوالهم، بل كان ذلك على سبيل العجز والتقصير عن بلوغ درجاتهم، والانحطاط عن عُلُوِّ همتهم، أو على وجه غلبة الهوى عليه، وضعفه عن مصادمته ومخالفته، فوقعت منه الزلة، وألَمَّ تلك اللمة، ولو تيسر له اللحاق بهم في وصفٍ لم يتأخر عن الاتصاف به، أو في خُلقٍ لم يتوان عن التخلق به، فهذه المخالفة والتقصير لا يُقعدانه عن اللحاق بمن يحبهم، ولا يؤخره عن الكينونة معهم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث والآثار الواردة في ذلك.
ولا شك أن قول النبي - ﷺ -: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" جوابا لقول القائل: يا رسول الله! المرء يحب قومًا ولما يلحق بهم (٢)؟
وفي حديث أبي ذر: ولا يستطيع أن يعمل بعملهم (٣)؟
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦٩٥)، عن عمرو بن العاص - ﵁ -، وقال: إسناده ضعيف.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٩ ]
دليل على أن المحب لقومٍ معهم، وإن قصر عنهم في الأعمال والأحوال، ولذلك اشتد فرح المسلمين بذلك.
وروي: أن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - كان شديد الحب للنبي - ﷺ -، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، ونحل جسمه، فعرف في وجهه الحزن، فقال: "يا ثَوْبانُ! ما غَيَّرَ لَوْنَكَ؟ " فقال: يا رسول الله! ما بِيَ من ضُرٍّ ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف أني لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدًا (١).
فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
وروى الطبراني، وأبو نعيم، وغيرهما، وحسنه الضياء المقدسي في "المختارة"، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلًا قال: يا رسول الله! (٢)، وذكر نحو حديث ثوبان - ﵁ -.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المحتضرين" عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١١/ ١٧٤).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٥٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٢٤٠).
[ ١ / ٣٠ ]
صالح العجلي قال: قال ابن السَّمَّاك عند وفاته: اللهم إنك تعلم أني إذا عصيتك، فإني كنت أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قربة لي إليك (١).
ولَمَّا أملى الحافظ أبو الفضل شهاب الدين بن حجر العسقلاني حديث: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" أنشد في إثره - وأخبرنا به شيخ الإسلام الوالد عن مشايخه عنه -: [من السريع]
وَقائِلٍ هَلْ عَمَلٌ صالحٌ أَعْدَدْتَهُ يَدْفَعْ عَنْكَ الْكُرَبْ
فَقُلْتُ حَسْبِيْ خِدْمَةُ الْمُصْطَفَىْ وَحُبُّهُ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحبُّ (٢)
وأنشدنا الوالد رحمه الله تعالى لنفسه، وهو أحسن من قول ابن حجر: [من السريع]
مَنْ رامَ أَنْ يَبْلُغَ أَقْصَىْ الْمُنَى فِيْ الْحَشْرِ مَعْ تَقْصِيْرهِ فِيْ الْقُرَبْ
فَلْيُخْلِصِ الْحُبَّ لِمَوْلَىْ الْوَرَىْ وَالْمُصْطَفَىْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبُّ
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" (ص: ٢٣٢).
(٢) انظر: "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للسخاوي (ص: ٨٤٩).
[ ١ / ٣١ ]
قال والدي رحمه الله تعالى: وقد ظفرت بعد ذلك ببيتين لشيخ الإسلام الوالد - يعني: الشيخ رضي الدين -، وهما أحسن من قول ابن حجر، ومن قولي، وهما: [من الخفيف]
إِنْ تَكُنْ عَنْ حالِ الَّذِيْنَ اجْتَبَاهُمْ ربُهُمْ عاجِزًا وَتَطْلُبْ قُرْبا
حِبَّ مَوْلاكَ وَالَّذِيْنَ اصْطَفَاهُمْ تَبْقَ مَعْهُمْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبَّا
وقوله: "حِبَّ مولاك" - بكسر الحاء -؛ بمعنى: أَحِبَّ؛ لغة قليلة،
يقال: حَبَّ، يَحِبُّ - بكسر ثاني المضارع -، كما في "القاموس" (١).