كما أن محبة أولياء الله تعالى من شرطها الإيمان به، كذلك - أيضًا - من شرط محبة الله تعالى الإيمان به، فلا يصح دعواها لغير مؤمن.
ولذلك أكذب الله تعالى اليهود في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، وذلك لأنهم لو أحبُّوه لأحبَّهم، ولو أحبَّهم لم يعذبهم.
ودليل أنهم لم يحبوه، أنهم لم يؤمنوا به كما ينبغي، ولو آمنوا به لم يؤثروا عليه شيئًا، ولَمَّا لم يحبهم عذَّبهم بذنوبهم.
وفي الحديث: "وإِذا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَنْبٌ". رواه القشيري في "الرسالة"، وغيره عن أنس (٢).
_________________
(١) = وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (٢/ ٨٧٣): منقطع.
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٨٧).
(٣) رواه القشيري في "رسالته" (ص: ١٢٦) والديلمي في "مسند الفردوس" (٢٤٣٢).=
[ ١ / ٣٥ ]
ومعنى أنه "لم يضره ذنب": أنه لم يعذبه به بأن يوفقه للتوبة، أو يعفو عنه.
ثمَّ لا بد مع الإيمان أن لا يقع من المحب المعصية على قصد المخالفة، والمعاندة لمباينتها للإيمان حينئذٍ، وهذا ما كان يقصده عبد الله ابن المبارك، ورابعة العدوية رحمهما الله تعالى بما كانا يتمثلان به من قول أبي العتاهية: [من الكامل]
تَعْصِيْ الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرِيْ فِيْ الأَنامِ بَدِيْع
لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ
بخلاف المعصية التي تكون عن خطأ وزلة؛ فإن ذلك مقتضى جِبِلَّة البشر، كما قال رسول الله - ﷺ -: "كُلُّ يَنِيْ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِيْنَ التَّوَّابُوْنُ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححاه - من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (١).
_________________
(١) = قال ابن القيم في "بدائع الفوائد" (٣/ ٥٢٢): وهذا كذب قطعًا مناف للإسلام، فالذنوب تضر بالذات لكل أحد، كضرر السم للبدن، ولو قدر أن هذا الكلام صح عن بعض الشيوخ، وأما عن رسول الله - ﷺ -، فمعاذ الله.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ١٩٨)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والترمذي (٢٤٩٩)، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٧٦١٧).
[ ١ / ٣٦ ]
فهذه المعصية لا تناقض محبة العبد لله تعالى، ولا تقعد بمحب الله ورسوله وأنبيائه وصالحي خلقه عن اللحاق بهم في جوار الله تعالى وداره.
وعلى ذلك ما روي في الحديث الصحيح: أن نعيمان رضي الله
تعالى عنه كان يؤتى به إلى النبي - ﷺ - شاربًا، فأتي به مرة، فحدَّه النبي - ﷺ -، وضربه بالنِّعال، فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - ﷺ -: "لا تَلْعَنْهُ"، وفي رواية: "لا تَسُبُّوْا نُعيْمانَ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ" (١).
فأثبت له النبي - ﷺ - محبة الله ورسوله مع هذه المعصية؛ لأنها كانت عن خطأ وزلة، لا عن قصد المباينة والمخالفة؛ فإنها لو كانت كذلك لكانت مناقضة للمحبة؛ فإن هذه المعصية لا تجامع المحبة
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٧٨٠٢)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٤٩٣) عن زيد بن أسلم. وأصل الحديث عند البخاري (٢١٩١) عن عقبة بن الحارث، وفي البخاري أيضًا (٦٣٩٨) نحو هذا اللفظ لكن عن عمر - ﵁ - وفيه: أن عبد الله الملقب بحمار جلد لشربه الخمر. وقد ظن بعضهم أن الحادثة متحدة، قال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٧٧): قصة عبد الله كانت في خيبر، فهي سابقة على قصة النعيمان. وقال في "الإصابة في تمييز الصحابة" (٦/ ٤٦٤) - بعد أن بين أن اللاعن هو عمر -: قاله لعبد الله الذي كان يلقب حمارًا، فهو يقوي قول من زعم أنه ابن النعيمان، فيكون ذلك وقع للنعيمان وابنه، ومن يشابه أباه فما ظلم.
[ ١ / ٣٧ ]
أصلًا بخلاف تلك.
وأنت فتأمل في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فإنه أثبت للمحبين ذنوبًا تغفر، وهي ذنوب الخطأ والزلات، لا ذنوب القصد والمخالفات.
وفي الآية لطيفةٌ، وهي أنه ﷾ جعل وجود المحبة مشروطًا بوجود الاتباع، لا بعدم المعصية.
قال وهب بن منبه: قال إبليس: يا رب! إن عبادك يحبونك ويعصونك، ويبغضوني ويطيعوني، فقال الله تعالى: إني قد غفرت لهم ما يعصوني بما أحبوني، وعفوت عما يطيعونك بما أبغضوك.
وروى الطبراني، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ذَنْبًا يَعْتَادُهُ الْفَيْنَةَ (١) بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبًا لا يَتْرُكُهُ حَتَّىْ يَمُوْتَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ خَطَّاءَ نسَّاءَ، فَإِذَا ذَكَرَ ذُكِرَ" (٢).
وروى البزار، والطبرانيُ - وحسنه ابن حجر في "أماليه" - عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي - ﷺ - قال: "الْمُؤْمِنُ وَاهٍ رَاقِعٌ (٣)، وَسَعِيْدٌ
_________________
(١) أي: الحين بعد الحين.
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٦٦٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧١٢٤)، وحسنه العراقي في " تخريج أحاديث الإحياء" (٢/ ١٠٠٢).
(٣) قوله: (واهٍ راقع)؛ أي: يَهِيْ دينه بمعصيته، ويرقعه بتوبته، من رقعت الثوب: إذا رممته. انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٢٥١).
[ ١ / ٣٨ ]
مَنْ ماتَ عَلَىْ رُقْعَةٍ" (١).
وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمن قد يقع منه المعصية على وجه الخطأ والنسيان، ولا يضره ذلك إذا مات على توبة وإحسان، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥].
ويؤخذ من ذلك أن نسيان العبد وعصيانه مظهر لكرم الله وإحسانه؛ إذ لولا معصية العبد لما ظهر وصف العفو والحلم والعدل ونحوها.
ومن ثَمَّ قال رسول الله - ﷺ -: "وَالَّذِيْ نَفْسِيَ بِيَدهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ، وَيَسْتَغْفِرُوْنَ اللهَ، فَيَغْفِرَ لَهُمْ". رواه الإمام أحمد، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢).
ولنا في هذا المقام: [من السريع]
إِذا عَصَيْنا اللهَ عَنْ زَلَّةٍ عُدْنا إِلَى خالِصِ غُفْرانِهِ
وإنْ نَسِيْنا عَهْدَهُ إِنَّمَا نِسْياننُا مُظْهِرُ إِحْسانِهِ
وَلَمْ نُعانِدْهُ بِعِصْيانِنا مُذْ مُلِئَ الْقَلْبُ بِإِيْمانِهِ