فأما مقدمة هذا الكتاب وسابقته، وغُرَّة هذا المؤلَّف وفاتحته:
فاعلم - وفقني الله تعالى وإياك إلى الْمَحَابِّ، وهدانا إلى الصواب - أن التشبه عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به، وعلى هيئته، وحِليته، ونَعته، وصفته، أو هو عبارة عن تكلف ذلك، وتقصُّده، وتعمُّله.
والشِّبْه - بالكسر والسكون، وبفتحتين -: المِثْل؛ كالشبيه.
يقال: أشبهه، وتشبه به؛ ماثله.
ويقال: اشتبها، وتشابها؛ أشبه كلٌّ منهما الآخر.
ومنه قول القائل: [الكامل]
رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ وَتَشابَها فَتَشاكَلَ الأَمْرُ
فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلا خَمْرُ (١)
_________________
(١) البيتان للصاحب بن عباد كما في "نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري (٧/ ٣٩).
[ ١ / ١٥ ]
وقد يعبر عن التشبه بالتشكل، والتمثل، والتزيي، والتحلي، والتخلق، أو يختص هذا الأخير بتكلف الأخلاق الباطنة، والطبائع، والصفات اللازمة.
ومثله التطبع، والتسلق؛ بمعنى: تكلف مشاكلة الطبيعة، والسليقة.
قال الشاعر: [من البسيط]
إِنَّ التَّخلُّقَ يَأتِيْ دُوْنَهُ الْخُلُقُ (١)
ويختص التشكل والتزيي والتحلي بتكلُّف الهيئة الظاهرة، والحلية البارزة، فيقال في التشبه بالحلم والكرم مثلًا: تَخَلَّقَ، وفي اللباس والزينة: تَشَكَّلَ، وتَزيَّا، وتحلَّى؛ ومنه الحديث: "لَيْسَ الإِيْمانُ بِالتَّحَلِّيْ" (٢).
_________________
(١) هذا عجز بيت لسالم بن وابصة، وصدره: عليك بالقصد فيما أنت فاعله ويروى عن غيره، انظر: "البيان والتبيين" للجاحظ (١/ ١٣٠)، و"لسان العرب" لابن منظور (١٠/ ٨٧).
(٢) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٦/ ٢٨٨) عن أبي هريرة وقال - بعد أن ذكر عدة أحاديث عن محمد بن عبد الرحمن بنْ مجبر -: روى عن الثقات بالمناكير وعن أبيه عن مالك بالبواطيل وهذه الأحاديث بأسانيدها بواطيل، ورواه اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٤/ ٨٣٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٦) من قول الحسن البصري.
[ ١ / ١٦ ]
وقد يكون التمثُّل بمعنى الدخول في الصورة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]؛ أي: تصوَّر.
وقد يكون التشكُّل بهذا المعنى؛ ومنه قول العلماء: للملائكة قوة التشكُّل؛ أي: الظهور بأي صورة أرادوها.
وفي "القاموس": الحِلية - بالكسر -: الخلقة والصورة والصفة (١).
فعليه: يجوز أن يكون التحلِّي بمعنى الدخول في الصورة - أيضًا -، وإنّه سبحانه هو الموفق.
وقد روى الإمام أبو داود في "سننه" - بإسناد حسن -، والإمام أبو عبدالثه الحاكم في "مستدركه" - وقال: صحيح الإسناد - عن عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، والإمام أبو القاسم الطبراني في "معجمه الأوسط" عن حذيفة بن اليمان - ﵁ -، كلاهما عن رسول الله - ﷺ -. أنه قال: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢).
وإنما كان المتشبِّه بالقوم منهم؛ لأن تشبهه بهم يدل على حبه إيَّاهم، ورضاه بأحوالهم وأعمالهم.
وقد قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذا رَضِيَ هَدْيَ الرَّجُلِ وَعَمَلَهُ
_________________
(١) انظر: "القاموس المحيط" للفيروز أبادي (ص: ١٦٤٧) (مادة: حلي).
(٢) رواه أبو داود (٤٠٣١)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٣٢٧). وحسنه الحافظ في "فتح الباري" (١٠/ ٢٧١).
[ ١ / ١٧ ]
فَهُوَ مِثْلُهُ". رواه الطبراني من حديث عقبة بن عامر - ﵁ - (١).
وروى أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ أَعْجَبَهُ سَمْتُ رَجُلٍ فَهُوَ مِثْلُهُ" (٢).
وَلِمَا ذكرناه من أن التشبه بالقوم يدل على محبتهم، ويفصح عن مودتهم، قال جماعة - منهم: الحارث بن أسد المحاسبي، وأبو محمد سهل بن عبد الله التستري، وأبو علي الرُّوذَباري، وأبو القاسم القشيري رحمهم الله تعالى -: إن المحبة هي الموافقة، وذلك لأن الإنسان إذا أحب أحدًا أحب سائر أوصافه وأفعاله وأخلاقه، وإذا أحبها دعاه حبُّها إلى التخلق والاتصاف بها، ومهما تحلى بها أو اتصف فقد وافق ذلك المتصف بها فيها، وكل إنسان فينه محب لأوصاف نفسه، كَلِفٌ بها، فإذا ادعيت محبته لا تقوم شواهد صدقك عنده إلا بمحبتك لأوصافه وخلائقه، وكل ما ينسب إليه، ولا تتحقق منك المحبة لأوصافه وخلائقه إلا إذا رآك تحليت بها، واخترت الاتصاف بها (٣).
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩٢٢). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩١): وفيه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك.
(٢) ورواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١/ ١٥٦)، وفيه يزيد بن عياض بن جعدبة، قال الذهبي في "المغني في الضعفاء" (٢/ ٧٢٥): قال النسائي وغيره: متروك.
(٣) انظر: "التعرف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذي (ص: ١٠٩)، و"الرسالة القشيرية" للقشيري (ص: ٢٨) و(ص: ٣٥٠).
[ ١ / ١٨ ]
وقد قال أوقليدس الحكيم - فيما نقله عنه الشهرستاني -: من أراد أن يكون محبوبُه محبوبَك وافقكَ على ما تحب، فإذا اتفقتما على محبوب واحد فقد صرتما إلى الاتفاق (١).