حَفَل هذا التأليف بجملة وافرة من الاستشهاد بالأحاديث النبوية الشريفة والآثار، ويمكن إجمالُ الكلام على هذا المنهج في الآتي:
- غلب على نقل المؤلف لاستشهاداته الحديثية من المصادر غير
_________________
(١) انظر: (٨/ ٣٨٨).
(٢) انظر: (٨/ ٥١١).
(٣) انظر أمثلة على ذلك: (٨/ ١٢٤)، (٩/ ١٠٠)، وغيرها.
[ مقدمة / ٥٣ ]
الأصلية التي جمعَتْ أحاديثَ النبىِّ - ﷺ - جمعًا موضوعيًا مرتَّبًا على كتب وأبواب؛ كـ: "الترغيب والترهيب" للمنذري، أو التي رتبته على الحروف؛ كـ: "الجامع الصغير" للسيوطي، أو كان تخريجًا لموسوعة وعظيةٍ ضمت جملة كبيرة من الأحاديث؛ ككتاب: "إحياء علوم الدين" للغزالي، وتخريجه للحافظ العراقي.
والمؤلف - ﵀ - عَمَد إلى هذه الكتب الثلاثة - في غالب نقله -، فأخذ منها ما كان يخدمه في استدلاله، مع كلام أصحابها عليها صحةً وضعفًا، فظهرت بعضُ الأوهام والأخطاء في هذا النقل؛ منها:
١ - عَزْوُ الأحاديث خطأ إلى غير أصحابها؛ كما وقع له في عزوه حديث: "كانَ يقبلُ الهديَّةَ، ويُثيبُ عليها" إلى مسلم، وإنما هو في "البخاري".
٢ - عزو بعض الأحاديث إلى الإمام مالك في "الموطأ"، وإنما هي في "مسند الطيالسي"، وذلك أن السيوطي في "الجامع الصغير" رمز للطيالسي بـ (ط)، فظنه المؤلف أنه للإمام مالك، وتكرر هذا مراتٍ عدة في الكتاب.
٣ - نسبة الأحاديث إلى بعض المصادر، مع وجودها في الأَولى بالذكر منها؛ كحديث: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَل "، فعزاه للإمام أحمد، وهو في "صحيح البخاري".
[ مقدمة / ٥٤ ]
وكحديث: (ما رأيتُ أحدًا أرحمَ بالعيال من رسولِ اللهِ - ﷺ -)، فعزاه لابن أبي الدنيا، وهو في "صحيح مسلم".
وكحديث: "بَشِّرْ فُقَرَاءَ المُؤْمِنِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ"، فعزاه لأبي يَعْلى والبيهقي، وهو في "سنن أبي داود".
٤ - تقليدُ ما يجده المؤلِّف مصحَّحًا، أو مضعَّفًا دون تمحيص وتفتيش أوقَعَه في سرد الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وربما أُشير إلى ضعفها الشديد وغيرِ ذلك في الكتب التي نقل عنها، لكنه ترك التنبيهَ عليه، ومن تلك الأحاديث:
- "عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ".
- "حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ".
- "إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ وُجُوهًا مِنْ خَلْقِهِ".
- "مَنْ أَصْبَحَ مَحْزُونًا عَلَى الدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطًا عَلَى رَبِّهِ".
- وكذلك نقلُه أحاديثَ داودَ بنِ المُحَبَّرِ في (العقل) (١)، وكلُّها موضوعة كما نبه الحافظُ ابنُ حَجَر.
٥ - تَرَكَ المؤلف - ﵀ - غالبًا التنبيهَ على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وذَكَر التصحيحَ والتحسينَ فقط، مع وجودِ بيانها وحالِها في المصادر التي ينقل عنها.
_________________
(١) انظر: (١٠/ ٤٢٧).
[ مقدمة / ٥٥ ]
نعم، نبَّه المؤلِّفُ - في بعض المواطن - إلى ما لا أصلَ له، أو هو موضوع؛ كتنبيهه على ما اشتُهر على ألسنة الناس من قولهم: لعنَ اللهُ اليهودَ، ثم اليهودَ، ثم أمواتَ النصارى، فقال: وليس هذا الحديث بحديث أصلًا، وإن وقع في فتاوى الشيخ شهابِ الدين أحمدَ بن عبدِ الحقِّ المصريِّ ما يُوهم أنه حديث؛ فإني تفحَّصت عنه كثيرًا، فلم أجده (١).
- تساهل المؤلف - ﵀ - في اعتماد ما هو منحطٌّ عن درجة الاستشهاد والاحتجاج، ومن ذلك: قولُه في حديث: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" الذي قال فيه الحافظ ابنُ حجر وغيرُه: لا أصل له، قال المؤلف: هذا اللفظ معناه صحيح، وأما من حيثُ النقلُ، فإن العلماء الذين نقلوه حديثًا ثقاثٌ، فالأَولى حملُ أمرِهم على أنهم ظفروا به مسنَدًا، ولم نظفر نحن به (٢).
وكقوله في حديثِ تكليمِ الحمارِ النبيَّ - ﷺ -: وهذا الحديثُ - وإن أنكره ابنُ حبانَ، والمدينيُّ، وغيرُهما من الحفاظ - إلاَّ أنه يُستأنس به لهذا النوع (٣).
وكقوله عن حديث: "ثَلاَثَةٌ يُجلِينَ البَصَرَ": ومجموعُ طرقه ترفعه
_________________
(١) انظر: (٧/ ٢٩٣).
(٢) انظر: (٥/ ٢٧٠ - ٢٧١)، وانظر تعليقنا هناك.
(٣) انظر: (١٢/ ١٨٢).
[ مقدمة / ٥٦ ]
عن درجة الوضع، وإن كانت طرقه ضعيفة (١).