روى مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما: أنهما شهدا على رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُوْنَ الله تَعَالَىْ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَغَشِيتهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَه" (٢).
وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِيْنَ فِيْ الأَرْضِ فُضُلًا (٣)
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ ١١٧٠).
(٢) رواه مسلم (٢٧٠٠)، والترمذي (٢٩٤٥)، وابن ماجه (٣٧٩١).
(٣) فضلًا: بضم الفاء والضاد، ويروى بسكون الضاد؛ أي: زيادة على الملائكة.
[ ١ / ٢٢٧ ]
عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، يَطُوْفُوْنَ فِيْ الطُّرُقِ يَلْتَمِسُوْنَ أَهْلَ الذّكْرِ، فَإِذا وَجَدُوْا قَوْمًا يَذْكُرُوْنَ الله تَعَالَىْ تَنادَوْا: هَلُمُّوْا إِلَىْ حاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّوْنَ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَىْ السَّماءِ الدُّنْيا، فَيَسْألهُمْ ربهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ-: ما يَقُوْلُ عِبادِيْ؟ فَيقُوْلُوْنَ: يُسَبحُوْنَكَ، وُيكَبروْنَكَ، وَيَحْمَدُوْنَكَ، وُيمَجِّدُوْنَكَ، فَيَقُوْلُ: هَلْ رَأَوْنيْ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: لا -وَاللهِ- ما رَأَوْكَ، فَيَقُوْلُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنيْ؟ فَيقُوْلُوْنَ: لَوْ رَأَوْكَ كانُوْا أَشَدَّ لَكَ عِبَادةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيْدًا، وَأكثَرَ لَكَ تَسْبِيْحًا، فَيَقُوْلُ: فَمَا يَسْألوْنيْ؟ فَيقوْلُوْنَ: يَسْألوْنَكَ الْجَنَّةَ، فَيَقُوْلُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيقُوْلُوْنَ: لا -وَاللهِ يا رَبِّ- ما رَأَوْها، فَيَقُوْلُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنهمْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُوْلُوْنَ: لَوْ أَنهمْ رَأَوْها كانُوْا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَها طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيْها رَغْبَةً، قالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُوْنَ؟ فَيقُوْلُوْنَ: مِنَ النَّارِ، فَيَقُوْلُ اللهُ تَعَالَىْ: وَهَلْ رَأَوْها؟ فَيقُوْلُوْنَ: لا -وَاللهِ يا رَب- ما رَأَوْها، فَيقوْلُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْها؟ فَيقوْلُوْنَ: لَوْ رَأَوْها كانُوْا أَشَدَّ مِنْها فِرارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، فَيقوْلُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَني قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُوْلُ ملك مِنَ الْمَلائِكَةِ: فِيْهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جاءَ لِحاجَةٍ، فَيَقُوْلُ: هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَىْ بِهِمْ جَلِيْسُهُمْ" (١).
وفي رواية مسلم: "إِنَّ للهِ ﵎ مَلائِكَةً سَيارَةً فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ يَبْتَغُوْنَ مَجَالِسَ الذكْرِ، فَإذا وَجَدُوْا مَجْلِسًا فِيْهِ ذِكْرٌ قَعَدُوْا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّىْ يَمْلَؤُوْا ما بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ،
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٤٥) واللفظ له، ومسلم (٢٦٨٩)، والترمذي (٣٦٠٠).
[ ١ / ٢٢٨ ]
فَإِذا تَفَرَّقُوْا عَرَجُوْا، وَصَعِدُوْا إِلَىْ السَّماءِ، قالَ: فَيَسْألهُمُ اللهُ -﷿، وَهُوَ أَعْلَمُ -: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: جِئْنا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِيْ الأَرْضِ يُسَبِّحُوْنَكَ، وُيكَبِّرُوْنَكَ، وَيُهَللوْنَكَ، وَيَحْمَدُوْنَكَ، وَيسْألوْنَكَ، قالَ: فَما يَسْألوْنيْ؟ قالُوْا: يَسْألوْنَكَ جَنَّتَكَ، قالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِيْ؟ قالُوْا: لا يا رَبِّ، قالَ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِيْ؟ قالُوْا: وَيسْتَجِيْرُوْنَكَ، قالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيْرُوْننِيْ؟ قالُوْا: مِنْ نارِكَ يا رَبِّ، قالَ: وَهَلْ رَأَوْا نارِيَ؟ قالُوْا: لا يا رَبِّ، قالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نارِيَ؟ قالَ: وَيَسْتَغْفِرُوْنَكَ، قالَ: فَيَقُوْلُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ ما سَألوْا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجارُوْا، قالَ: فَيَقُوْلُوْنَ: رَبِّ! فِيْهِمْ فُلان عَبْدٌ خَطَّاءُ، إِنَّما مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قالَ: فَيقُوْلُ: وَلَهُ قَدْ غَفَرْتُ؛ هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَىْ بِهِمْ جَلِيْسُهُمْ" (١).
وروى الطبراني في "معجمه الصغير" عن ابن عباس - ﵄ - قال: مر النبي - ﷺ - بعبد الله بن رواحة - ﵁ - وهو يُذَكِّرُ أصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -: "أَمَا إِنكمُ الْمَلأُ الَّذِيْنَ أَمَرَنيْ اللهُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَهُمْ"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
"أَمَا إِنَّهُ ما جَلَسَ عِدَّتُكُمْ إِلاَّ جَلَسَ مَعَهُمْ عِدَّتُهُمْ مِنَ الْمَلائِكَةِ؛ إِنْ سَبَّحُوْا الله سَبَّحُوْهُ، وَإِنْ حَمِدُوْا الله حَمِدُوْهُ، وإنْ كَبَّرُوْا اللهَ كَبَّرُوْهُ، ثُمَّ يَصْعَدُوْنَ إِلَىْ الرَّبِّ -جَلَّ ثَناؤُهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- فَيَقُوْلُوْنَ: رَبَّنَا!
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٨٩).
[ ١ / ٢٢٩ ]
عِبادُكَ سَبحُوْكَ فَسَبحْنَا، وَكَبرُوْكَ فَكَبرْنا، وَحَمِدُوْكَ فَحَمِدْنا، فَيَقُوْلُ ربُّنَا: يا مَلائِكَتِيْ! اشْهَدُوْا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيقُوْلُوْنَ: فِيْهِمْ فُلانٌ الْخَطَّاءُ، فَيَقُوْلُ: هُمُ الذِيْنَ لا يَشْقَىْ بِهِمْ جَلِيْسُهُمْ" (١).
وفي هذا الحديث إشارة لطيفة، وهي أن من أخلاق الملائكة أنهم يتشبهون بالذاكرين إذا رأوهم، ويلائمونهم، فإذا سبحوا سبحوا، وإذا كبروا كبروا، وإذا حمدوا حمدوا.
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقال المنذري: حسن، عن جابر - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، فقال: "يا أيهَا النَّاسُ! إِنَّ لِلَّهِ سَرايا مِنَ الْمَلائِكَةِ تَحُلُّ، وَتَقِفُ عَلَىْ مَجالِسِ الذِّكْرِ فِيْ الأَرْضِ، فَارْتَعُوْا فِيْ رِياضِ الْجَنَّةِ" قالُوْا: وَأَيْنَ رِياضُ الْجَنَّةِ؟ قالَ: "مَجالِسُ الذِّكْرِ، فَاغْدُوْا وَرُوْحُوْا فِيْ ذِكْرِ اللهِ، وَذَكّرُوْهَ أَنْفُسَكُمْ، مَنْ كانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلتهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ؛ فَإِنَّ الله يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أنزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ" (٢).
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (١٠٧٤).
(٢) رواه أبو يعلى في "المسند" (١٨٦٥)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٢٥٠١)، والحاكم في "المستدرك" (١٨٢٠)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٧): رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وفيه عمر بن عبد الله مولى عفرة وقد وثقه غير واحد، وضعفه جماعة، وبقية رجالهم رجال الصحيح. وانظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (٢/ ٢٦١).
[ ١ / ٢٣٠ ]