واعلم أن ما وصف الله تعالى به ملائكته من المداومة على العبادة، وعدم الفتور عنها كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا
_________________
(١) قال السيوطي في "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور" (ص: ١٩١): وفي "الفردوس" للديلمي ولم يسنده ولده من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا مثله، ثم وقفت عليه مسندًا في الجزء الأول من فوائد أبي الحسن ابن بشران.
[ ١ / ٢٤١ ]
يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] دليل واضح على أنهم لا ينامون.
وأيضًا فإن النوم فتور مستولٍ على الدماغ حتى يغمره بسبب الأبخرة المتصاعدة إليه من الأغذية، وذلك مفقود في الملائكة ﵈.
وقد تقدم حديث مدارسته جبريل ﵇ القرآن في كل ليلة من رمضان.
وروى البزار عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ صَلَّى مِنْكُمْ بِاللَّيْلِ فَلْيَجْهَرْ بِقِراءَتِهِ؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تُصَلِّيْ بِصَلاتِهِ، وَتَسْتَمعُ لِقِراءَتِهِ، وَإِنَّ مُؤْمِنِيْ الْجِنِّ الَّذِيْنَ يَكُوْنُوْنَ فِيْ الْهَواءِ، وَجيرانه فِيْ مَسْكَنِهِ يُصَلُوْنَ بِصلاِتهِ، وَيسمَعُوْنَ قِراءَتَهُ، وإنَّهُ يَطْرُدُ بِقِراءَتِهِ عَنْ دارِه، وَعَنْ الدُّوْرِ الَّتِيْ حَوْلَهُ فُسَّاقَ الْجِنِّ وَمَرَدَةَ الشَّياطِيْنِ"، الحديث (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "قيام الليل" عن كُرز - ﵁ - قال: بلغني أن الملائكة ينظرون من السماء إلى الذين يصلون بالليل كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء (٢).
_________________
(١) رواه البزار في "المسند" (٢٦٥٥) وقال: ولم يسمع خالد بن معدان من معاذ وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، فلذلك ذكرناه.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "التهجد وقيام الليل" (ص: ٤٠٧)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٤٣).
[ ١ / ٢٤٢ ]
وروى فيه عن رجل -وسماه في "الهواتف" بأسعد من أهل الإسكندرية- قال: كنت أبيت في مسجد بيت المقدس، وقلَّ ما يخلو من المتهجدين، فقمت ليلة فلم أرَ متهجدًا، فقلت: ما حال النَّاس لا أرى أحدًا يصلي؟ فوالله إني لأذكر ذلك في نفسي إذ سمعت قائلًا من نحو القبة التي على الصخرة يقول: [من الطويل]
فَيا عَجَبًا لِلنَّاسِ لَذَّتْ عُيُوْنهمْ مَطاعِمُ غَمْضٍ دُوْنَها الْمَوْتُ مُنْتَصِبْ
وَطُوْلُ قِيامِ اللَّيْلِ أَيْسَرُ مُؤْنةً وَأَهْوَنُ مِنْ نارٍ تَفُوْرُ وَتَلْتَهِب
قال: فسقطت على وجهي، فلمَّا أفقت فإذا لم يبقَ متهجد إلَّا قام (١).
وروى ابن أبي الدنيا -أيضًا - في كتاب "الزهد" عن أُويس القَرني رحمه الله تعالى: أنه قال: لأعبدنَّ الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء.
وكان إذا استقبل الليل قال: يا نفسُ! الليلةَ للقيام، فيصفّ قدميه حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثانية، فيقول: يا نفسُ! الليلةَ للركوع،
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "التهجد وقيام الليل" (ص: ٣٢٦)، وفي "الهواتف" (ص: ٨٩).
[ ١ / ٢٤٣ ]
فلا يزال راكعًا حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثالثة قال: يا نفسُ! الليلةَ للسجود، فلا يزال ساجدًا حتى يصبح (١).