قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - "يُدْعَىْ نُوْحٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ ﵇ فَيُقالُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُوْلُ: نعمْ، فَتُدْعَىْ أُمَّتُهُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فيَقُوْلُوْنَ: ما أَتانا مِنْ نَذِيْرٍ، وَما أَتانا مِنْ أَحَدٍ، فَيُقالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيقُوْلُ: مُحَمَّد - ﷺ - وَأُمَّتُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالَىْ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، - قال: وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ - فتدْعَوْنَ، فَتَشْهَدُوْنَ لَهُ بِالْبَلاغ، وَأَشْهَدُ عَلَيْكُمْ" (١).
فلولا تأخر هذه الأمة عن الأمم لم يكونوا شهداء على الناس؛ لأن الشاهد لا بد أن يشاهد ثم يشهد، ومحال أن يشاهد المرء شيئًا مات قبل وجوده، وإنما كانت شهادتهم على من تقدمهم مقبولة؛ لأن ذلك قد وصل إليهم بطريق يفيد اليقين، وهو خبر النبي - ﷺ -، ولا شك أن إخباره - ﷺ - إياهم أتم في إفادتهم اليقين من مشاهدتهم له بالإبصار؛ لأن خبره مطابق
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩١٧).
[ ١ / ١٠٤ ]
للواقع كما هو عند الله تعالى بلا محالة، فخبره - ﷺ - قائم مقام العيان، وأتم منه؛ إذ يمكن في المعاينة أن يحول بين المعاين وبين إدراكه الشيء على ما هو عليه حائل ما؛ كالغفلة المُكَدِّرة لإدراكه بنحو إفراط فرح أو تَرح، أو جوع أو عطش أو نعاس أو فتور أو مرض أو غلبة خلط أو غير ذلك، وهذا محال - أي: تكدير الإدراك بشيء من ذلك - في حقه - ﷺ -؛ فإنه معصوم، ولذلك قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولأن قلبه لم يكن لينام - وإن نامت عيناه -، كما قال - ﷺ -: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنامانِ وَلا يَنامُ قَلْبِيْ". رواه الشيخان (١).
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حضرت عصابة من اليهود يومًا النبي - ﷺ -، فقال لهم: "أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِيْ أَنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَىْ مُوْسَىْ ﵇: هَلْ تَعْلَمُوْنَ أَنَّ هَذا النَّبِيَّ تَنامُ عَيْناهُ، وَلا يَنامُ قَلْبُه؟ قالُوْا: اللَّهُمَّ نعمْ، قالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (٢).
وقال - ﷺ -: "إِني لأَنْظُرُ إِلَىْ ما وَرائِيْ كَما أَنْظُرُ إِلَىْ ما بَيْنَ يَدَيَّ".
رواه الحاكم، وغيره عن أبي هريرة - ﵁ - (٣)، وأصله في "الصحيحين" (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (٧٣٨) عن عائشة.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٢٧٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٣٠٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٦٧).
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" (٨٦١)، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٥٠٥).
(٤) رواه البخاري (٤٠٩) بلفظ: "إنىِ لأَرَاكُمْ من وَرَائِي كما أَرَاكُمْ"، ومسلم=
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].
وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤].
فإن فرض أنه حصل من النبي - ﷺ - ما قد يحول بينه وبين الإدراك من أحوال البشر - كالنسيان -، فإن ذلك يكون في غير وقت التبليغ، بل هو - ﷺ - في نفس تلك الأحوال مقيم على وظيفة التشريع، والتبليغ، ولذلك كان رسول الله - ﷺ - يقول: "أَنا لا أَنْسَىْ، وَلَكِنْ أُنسًّى لأُشَرِّعَ (١) "، وفي رواية: "لأَسُنَّ". رواه الإمام مالك، وغيره (٢).
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - ﷺ - أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء ورسول الله - ﷺ - بشر، فيتكلم في الغضب والرضى، فأمسكت عن الكتاب، وذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأومى بأصبعه إلى فيه، وقال لي: "اكْتُبْ، فَوَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدهِ ما يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ" (٣)؛ يعني: سواء
_________________
(١) = (٤٢٣) بلفظ: "والله لأُبْصِرُ من وَرَائِي كما أُبْصِرُ من بَيْنِ يَدَيَّ".
(٢) في "أ": "أشرع".
(٣) رواه الإمام مالك "في الموطأ" (١/ ١٠٠). قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٣٧٥): هذا الحديث بهذا اللفظ لا أعلمه يروى عن النبي - ﷺ - بوجه من الوجوه مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه والله أعلم، وهو أحد الأحاديث الأربعة في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة والله أعلم، ومعناه صحيح في الأصول.
(٤) رواه أبو داود (٣٦٤٦)، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٦٢).
[ ١ / ١٠٦ ]
في ذلك حالة الرضى وحالة الغضب.
ولهذا الذي ذكرناه بعينه كان - ﷺ - شاهدًا لأمته إذا شهدوا للأنبياء ﵈ على أممهم، ومزكيًا لهم، وكفى به مزكيًا.
كيف واللهُ تعالى زكَاهم في الدنيا بقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
والوسط العدل، كما تقدم تفسيره في الحديث.
ويزكيهم في الآخرة - أيضًا -، كما يدل عليه ما رواه الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يَجِيْءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلانِ، وَكثَرُ مِنْ فَلِكَ، فَيقالُ لَهُمْ: فَلْ بَلَّغْتُمْ؟ فَيُقُوْلُوْنَ: نعمْ، فَيُدْعَىْ قَوْمُهُمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ بَلّغُوْكُمْ؟ فَيقُوْلُوْنَ: لا، فَيُقالُ لِلنَّبِيِّيْنَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ أَنَكمْ بَلَّغْتُم؟ فَيَقُوْلُوْنَ: أُمَّةُ مُحَمَّد - ﷺ -، فَتُدْعَىْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَيَشْهَدُوْنَ أَنّهمْ قَدْ بَلَّغُوْا، فَيُقالُ لَهُمْ: وَما عِلْمُكُمْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوْا؟ فَيَقُوْلُوْنَ: جَاءَنا نبِيُّنا بِكِتابٍ أَخْبَرَنا أَنَّهمْ قَدْ بَلَّغُوْا، فَصَدَّقْناهُ، فَيُقالُ: صَدَقْتُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَىْ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، - قَالَ: عَدْلًا -، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية" (١).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٥٨)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٠٠٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤).
[ ١ / ١٠٧ ]