كما يحسن من المرء أن لا يدخل تحت منة أحد، يحسن منه أن يعم الناس بنائلة ما أمكنه ذلك، ولا يحسن منه الامتنان به، وقد قال - ﷿ -: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ
_________________
(١) ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٢٣).
(٢) اللخم: بضم اللام وإسكان الخاء المعجمة، ضرب من السمك ضخم يقال له الكوسج، وهو القرش.
(٣) انظر: "حياة الحيوان الكبرى" للدميري (٢/ ٤٣٠).
[ ١٠ / ١٢٥ ]
وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وروى أبو الغنائم النرسي في كتاب "قضاء الحوائج" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عَجِبْتُ لِمَنْ يَشْتَرِي الْمَمالِيكَ بِمالِهِ ثُمَّ يُعْتِقُهُمْ، كَيْفَ لا يَشْتَرِي الأَحْرارَ بِمَعْرُوفِهِ؟ هُوَ أَعْظَمُ ثَوابًا" (١).
***
_________________
(١) رواه أبو الغنائم النرسي في كتاب "قضاء الحوائج" (ص: ٥٤).
[ ١٠ / ١٢٦ ]
فَصْلٌ
الرق صفة العبد، وقد علمت حكم التشبه به فيه، وله صفات أخرى:
١ - منها: طاعة سيده.
فإن أطاعه بسهولة وحسن انقياد كان عبدًا طيبًا، وإن أطاعه بتخويف وردع وإزعاج كان عبد سوء خبيثًا، فإن كان الغالب عليه العصيان كان أسوأ العبيد.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ﴾ [الأعراف: ٥٨].
وكذلك ينبغي للعبد المكلف أن يكون سلس الانقياد، لين العريكة في طاعة الله تعالى، وإلا كان كعبد السوء كما روى الإمام عبد الله بن المبارك عن وهب بن منبه، قال: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحيي من ربي أن أعبده مخافة النار فأكون كعبد السوء؛ إن رهب عمل، وإن لم يرهب لم يعبد، ولكني أعبده كما هو له أهل.
[ ١٠ / ١٢٧ ]
وفي رواية: ولكن يستخرج مني حب ربي ما لم يستخرج مني غيره (١).
نعم، إن تمرن هذا العبد الذي أطاع رهبة على الطاعة حتى صارت منه عن طيب نفس، وعادت خلقًا من أخلاقه، فهو مرجو، كما أن العبد قد يأبق، ثم يحسن صحبة مواليه، ويتمرن على الطاعة وحسن الخدمة، والحسنة تمحو السيئة، والماء الطهور يغسل الأدران وينظف المكان، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فأما إذا كانت صفة العبد المعصية الدائمة والتمرد، أو كان الغالب عليه ذلك فإنه لا يكون مرجوًا، وقد يجبل العبد على ذلك - خصوصًا الأَسود - فيكون خبيث الطباع، قبيح الأخلاق كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - رواه الطبراني - قيل: يا رسول الله! ما يمنع حبش بني المغيرة أن يأتوك إلا أنهم يخشون أن تردهم.
فقال: "لا خَيْرَ فِي الْحَبَشِ - أي: غالبًا - إِنْ جاعُوا سَرَقُوا، وإِنْ شَبِعُوا زَنَوْا، وَإِنَّ فِيهِمْ لَخُلَّتَيْنِ حَسَنتَيْنِ؛ إِطْعامُ الطَّعامِ، وَبَأْسٌ عِنْدُ البَأْسِ" (٢).
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ٧٣).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٢١٣)، وكذا ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٣٨٤) وأعله بعوسجة مولى ابن عباس - ﵁ -، وقال: قال البخاري: لم يصح حديثه.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
وأخرجه البزار بسند حسن نحوه (١).
وروى الطبراني عن أم أيمن رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ -: "إِنَّما الأَسْوَدُ لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ" (٢).
ونقل السخاوي في "المقاصد الحسنة" أن الشافعي رحمه الله تعالى اعتمد هذا الحديث (٣).
وفي حديث ابن عباس دليل أن في الحبشان، وكذا السودان طباعًا طيبة، وطباعًا خبيثة وإن كانت الخبيثة أغلب، وليست منحصرة فيما ذكر، وإنما نبه - ﷺ - على أمهات أخلاقهم.
فلا ينبغي للحر أن يتشبه بالأرقاء منهم في الأخلاق المذمومة كالأشر، والبطر، وكفران الإحسان، وسرعة التقلب والتلون، وخفة الحلم والدمدمة.
وما أحسن قول القائل: [من مجزوء الكامل المرفل]
الْعَبْدُ يُرْدَعُ بِالعَصا وَالْحُرُّ تَكْفِيهِ الْمَلامَة (٤)
_________________
(١) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٣٥): رواه البزار ولفظه: أن النبي - ﷺ - قال: لا خير في الحبش، إن شبعوا زنوا، وإن فيهم لخلتين؛ إطعام الطعام، وبأس عند البأس" ورجاله ثقات، وعوسجة المكي، فيه خلاف لا يضر، ووثقه غير واحد.
(٢) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٣٥): رواه الطبراني، وفيه خالد ابن محمد من آل الزبير، وهو ضعيف.
(٣) انظر: "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: ١٩٥).
(٤) البيت لابن مفرغ الحميري، انظر: "طبقات فحول الشعراء" (٢/ ٦٨٩)، و"والمجالسة وجواهر العلم" للدينوري (ص: ٢٦٩).
[ ١٠ / ١٢٩ ]
وقال آخر معاتبًا: [من السريع]
ما أَنْتَ بِالْحُرِّ فَتلْحَى وَلا بِالعَبْدِ يُرْجَى رَدْعُهُ بِالعَصا
ولا شك أن الذم إنما يعود على طباع العبد الخبيث، لا على لونه، كما في الحديث الصحيح: "لا فَضْلَ لأَبْيَضَ عَلى أَسْوَدَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى" (١).
٢ - ومن صفات العبد اللازمة له: أنه لا يتصرف في نفسه، ولا فيما بينه مستقلًّا إلا بإذن سيده أو أمره.
قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥].
قيل: هذا مثل للمعبود بحق، والمعبود بالباطل كالصنم الذي لا يتصرف في شيء.
وقيل: مثل للمؤمن الكريم، والكافر البخيل.
وروى البيهقي في "السنن" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه سئل عن المملوك يتصدق، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٤١١) عن أبي نضرة عمن سمع خطبة النبي - ﷺ -. ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٧٤٩) عن أبي نضرة عن أبي سعيد - ﵁ -.
[ ١٠ / ١٣٠ ]
﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]: لا يتصدق بشيء (١).
قلت: هذه الآية بينت كمال الفرق بين العبد المملوك والحر المنفق رزقًا حسنًا، وهو أن العبد ممنوع من الإنفاق إلا بإذن سيده، وكل شيء أنفقه دون إذن سيده فهو آثم فيه، وما تصرف فيه مرجوع فيه، فينبغي للحر أن لا يتشبه به في أخذ مال غيره والتصدق به أو التكرم به، وكذلك لا ينبغي له أن يجعل نفسه مع زوجته، أو مع غلامه أو غيرهما كالعبد الممنوع من التصرف لا يتصرف في ماله إلا بإذن زوجته، أو بإذن من يهواه، كما يتفق كثيرًا لكثير من الناس يصرف في هوى زوجته، أو ولده، أو معشوقه ما قل وكثر، وإذا أراد عمل خير من صلة رحم، أو صدقة امتنع منه طلبًا لرضاهم، أو عملًا برأيهم.
وفي مثل ذلك قال الحسن رحمه الله تعالى: ما أصبح رجل يطيع زوجته إلا كَبَّه الله في النار (٢).
وأقبح من ذلك أن يصرف في الهوى الشيطاني الألوف، ويمنع الحقوق التي أمر الله تعالى بها، وهو دليل مكر الله تعالى بالعبد، ومن كان على هذا الوصف فهو ممكور به؛ والعياذ بالله تعالى!
_________________
(١) رواه البيهقي في "السنن" (٤/ ١٩٤).
(٢) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٢٨٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ١٩٨).
[ ١٠ / ١٣١ ]
٣ - ومن صفات العبد اللائقة به: التواضع، واحتقار النفس، وامتهانها.
والتشبه به في هذه الصفات محمود لكل أحد إذا صحت النية فيه.
وفي الحديث: "مَنْ تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ".
رواه البيهقي عن عمر - ﵁ -، وأبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
وقال - ﷺ -: "آكُلُ كَما يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وأَجْلِسُ كَما يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَإِنَّما أَنا عَبْدٌ".
رواه أبو يعلى عن عائشة رضي الله تعالى عنها (٢).
وروى أبو نعيم عن أبي الجلد قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى
_________________
(١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨١٤٠)، وكذا الطبراني في "المعجم الأوسط " (٨٣٠٧) عن عمر - ﵁ -. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٨٢): رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني سعيد بن سلام العطار، وهو كذاب. ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٤٦)، وكذا مسلم (٢٥٨٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) رواه أبو يعلى في "المسند" (٤٩٢٠). وحسن الهيثمي إسناده في "مجمع الزوائد" (٩/ ١٩).
[ ١٠ / ١٣٢ ]
بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب وَجِل ولسان صادق (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عياش، عن عبد الله بن دينار، أو غيره: أن المسيح ﵇ قال: ويلكم علماءَ السوء! لا تنظروا في عيوب الناس أمثال الأرباب، ولكن انظروا في عيوب أنفسكم أمثال العبيد، إنما أنتم أحد رجلين: إما رجل فيه عيب، وإما رجل معافى، فليس ينبغي للذي فيه العيب أن يعيب على غيره، ولا ينبغي لمن عوفي أن يعيِّر أخاه، ولكن يرحمه (٢).
أما التواضع للدنيا والأغراض الفاسدة فإنه مذموم.
وقد ورد: من تضعضع لغني لأجل عناه ذهب ثلثا دينه. رواه الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه، وقال: إنه مكتوبٌ في التوراة (٣).
وروى الديلمي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لَعَنَ اللهُ فَقِيرًا تَواضَعَ لِغَنِيٍّ مِنْ أَجْلِ غِناهُ؛ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَدْ ذَهَبَ ثُلُثا دِينهِ" (٤).
واعلم أن أصل إتعاب النفس وإذلالها للناس طلبًا لنوالهم إنما
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٥٥).
(٢) رواه نحوه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٥٦) عن أبي الجلد.
(٣) رواه نحوه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٨٥).
(٤) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٥٤٤٩).
[ ١٠ / ١٣٣ ]
هو لتعلقها بما تهوى من الشهوات والمستلذات؛ فإنها لا تتوصل إليها إلا بأغراض الدنيا، وهي تحتاج إلى التحيل بالإكساب؛ حلت أو حرمت، عزت النفس فيها أو ذلت، فلا ينقذ العبد من تلك الورطات إلا قلع تلك الشهوات من القلب، وتركها بالكلية من النفس، وإلا آلت به إلى الهلاك والتعس.
ومن هنا قال رسول الله - ﷺ -: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتكَسَ، وَإِذا شِيكَ فَلا انتُقَشَ".
الحديث رواه البخاري، وابن ماجه عن أبي هريرة - ﵁ - (١).
***
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٣٠)، وابن ماجه (٤١٣٦).
[ ١٠ / ١٣٤ ]
فَصْلٌ
وأما تشبه الرقيق بالحر فبأن يتغلب على مالكه، أو يجحد رقه، ويدَّعي أنه حر أو محرر، أو يأبق منه وينفي الحرية، أو يصادق غير سيده على رقه، وكل هذا حرام من الكبائر.
وفي الحديث: "مَلْعُون مَنِ انتُمَى إِلَى غَيْرِ مَوالِيهِ" (١) بأن يشمخ ويتكبر وهو حرام، ويلبس زي الرغادة، وذلك مكروه أو خلاف الأولى، بل الأولى في حقه أن يكون في المنزلة التي أنزله الله تعالى فيها حتى يكون الله تعالى هو الذي ينقله منها إلى أرفع منها.
وقد روي: أن عمر رضي الله تعالى عنهما رأى أمة متقنعة، فقال لها: أتتشبهين بالحرائر يا لَكَاع (٢)؟
قال ابن أبي عصرون: إن عمر رضي الله تعالى عنه قصد نفي الأذى عن الحرائر؛ لأن الإماء بن يقصدن بالزنا حينئذ؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وكانت الحرائر
_________________
(١) رواه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٢٢٠٣) عن أنس - ﵁ -.
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٥٠٦٤) بمعناه.
[ ١٠ / ١٣٥ ]
يعرفن بالتستر، فخشي عمر إذا تسترت الإماء أن يتشبهن بالحرائر فيؤذين بتشبههن (١).
ولهذا صحح صاحب "المهذب"، والروياني، والرافعي حِلَّ النظر بلا شهوة إلى أمة الغير إلا ما بين سرتها وركبتها.
قال الرافعي: لكن يكره.
والذي صححه النووي، وهو مقتضى كلام الأكثرين، وهو أرجح دليلًا: أن الأمة في النظر إليها كالحرة (٢).
قال السبكي: ولعل كلام عمر رضي الله تعالى عنه كان في واقعة خاصة، أو في الإماء المبتذلات البعيدات عن الشهوة، وإلا ففي الإماء التركمان ونحوهن من خوف الفتنة أشدُّ من كثير من الحرائر. انتهى (٣).
وأثر عمر المذكور هكذا أورده أهل العربية مستشهدين به وغيرهم (٤).
وقد أخرجه البيهقي عن صفية بنت أبي عبيد قالت: خرجت أمة مختمرة متجلببة، فقال عمر: من هذه المرأة؟
_________________
(١) انظر: "مغني المحتاج" للشربيني (٣/ ١٣١).
(٢) انظر: "شرح مسلم" للنووي (٤/ ٣١).
(٣) وانظر: "مغني المحتاج" للشربيني (٣/ ١٣١).
(٤) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٤/ ٢٦٩)، و"تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٣/ ٣٠٧).
[ ١٠ / ١٣٦ ]
فقيل: جارية بني فلان.
فأرسل إلى حفصة رضي الله تعالى عنها، فقال: ما حملك على أن تخمري هذه المرأة، وتجلببيها، وتشبهيها بالمحصنات حتى هممت أن أقع بها لا أحسبها إلا من المحصنات؟ لا تشبهوا الإماء بالمحصنات (١).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي قلابة رحمه الله تعالى قال: كان عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه لا يدع في خلافته أمة تتقنع، ويقول: إنما القناع للحرائر لكي لا يؤذين (٢).
قلت: ولا يلزم أن يكون أذاهن بالتعرض للعُهر ونحوه، بل يجوز أن يكون الأذى بالامتهان وعدم التوقير، وهذا كان اجتهاد من عمر رضي الله تعالى عنه.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
قال: متجلببين بها، فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة. رواه ابن أبي شيبة، والمفسرون (٣).
وروى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن أنس - ﵁ -: رأى عمر
_________________
(١) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٢٦).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦٢٤٢).
(٣) رواه الطبري في "التفسير" (٢٢/ ٤٦)، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٦٦١).
[ ١٠ / ١٣٧ ]
رضي الله تعالى عنه جارية متقنعة، فضربها بدَرَّته، وقال: ألق القناع؛ لا تتشبهين بالحرائر (١).
وروى ابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] قال: أخذ الله تعالى عليهن إذا خرجن أن يقذفنها على الحواجب، وهو أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، قال: قد كانت المملوكة [إذا مرت تناولوها بالإيذاء] (٢)، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء (٣)؛ أي: ذلك كان قبل أن تنزل: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].
واستنبط عمر - ﵁ - من قوله تعالى في الآية: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]: أن الأمة تمنع من زي الحرة لئلا تساوي الإماء الحرائر بأي أذى كان؛ وإن زال قصدهن بالزنا.
وروى أبو داود، وغيره عن أم سلمة ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها (٤).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦٢٣٩).
(٢) في "أ" و"ت": "سادت"، كذا.
(٣) رواه الطبري في "التفسير" (٢٢/ ٤٦).
(٤) رواه أبو داود (٤١٠١).
[ ١٠ / ١٣٨ ]
وروى ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رحم الله تعالى نساء الأنصار! لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الآية؛ شققن مروطهن فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله - ﷺ - كأن على رؤوسهن الغربان (١)؛ أي: من سواد القناعات.
شبهت رؤوسهن بما عليها من سواد القناعات بالغربان.
ووقع في كلام أم سلمة هذا المعنى، وأشارت إلى معنى آخر في قولها: كأن على رؤوسهن الغربان، وهو إيثار السكينة في مشيهن كما تقول: كان فلان يمشي في سكينة كأن على رأسه الطير؛ إن كان يخاف أن يطير طائر هذا على رأسه من حركته، فهو يتحرك حركة لطيفة بسكينة.
* تَنْبِيهٌ:
ما وقع في أثر أم سلمة، وعائشة رضي الله تعالى عنهما من تشبيه رؤوس النساء في سواد القناعات بالغربان دليلٌ على استحباب مبالغة المرأة في التستر؛ فإن نساء الأنصار إنما آثرن القنع السود لأن السواد أبلغ في الستر، ونساء مكة والمدينة وما والاهما إلى الآن يتلفعن بالسواد، ويرتدين به لذلك، وليس في الأثر دليل على جواز ما تعتاده النسوة من إلقاء القناع الأسود فوق أرديتهن البيض الآن عند المصيبة
_________________
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٦٦٠)، وروى شطره الأول البخاري (٤٤٨٠).
[ ١٠ / ١٣٩ ]
لأنهن لا يفعلن ذلك الآن للتستر، بل لإظهار الحزن والجزع، وهو بهذا القصد حرام؛ حيث لم يأذن فيه في الحداد الشرع لأنه من أفعال الجاهلية؛ فافهم!
***
[ ١٠ / ١٤٠ ]
فَصْلٌ
لا يدخل في كراهية تشبه الرقيق بالحر سعي العبد في فكاك نفسه بالمكاتبة ونحوها؛ فإنه أمر محمود.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣].
قال سعيد بن جبير: يعني: الذين يطالبون المكاتبة من المملوكين. رواه بن أبي حاتم (١).
﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]؛ أي: كسبًا وأمانة.
وأكثر العلماء يرون أن الأمر في الآية للندب (٢).
وروى عبد الرزاق، وغيره عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأقبل علي بالدَّرَّة، وقال: كاتِبْهُ، وتلا: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فكاتَبَه (٣).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٨/ ٢٥٨٣).
(٢) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (٥/ ١٨١)، و"التمهيد" لابن عبد البر (٢٢/ ١٨٩).
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٥٥٧٧)، وذكره البخاري (٢/ ٩٠٢) معلقًا.
[ ١٠ / ١٤١ ]
كأن عمر كان يرى الأمر في الآية للوجوب، أو رأى المصلحة في مكاتبته، فأمره بها أمرًا منه بمندوب، فوجبت طاعته، فأطاعه أنس رضي الله تعالى عنه.
وقد أمر الله تعالى بعون المكاتب بقوله تعالى في الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣]: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب (١).
قال: وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أمر الله السيد أن يضع للمكاتب الربع من ثمنه.
قال: وهذا تعليم من الله وليس بفريضة، ولكن فيه أجر (٢).
وذهب الشافعي، وغيره، وآخرون إلى أن الأمر في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣] للوجوب، فيلزم السيد أن يحط عن العبد جزءًا من المال، أو يدفعه إليه بعد قبضه، ويقوم مقامه غيره، والحط أولى (٣).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٨/ ٢٥٨٦).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٨/ ٢٥٨٦)، وكذا الطبري في "التفسير" (١٨/ ١٣٠).
(٣) انظر: "الأم" للشافعي (٨/ ٣٣).
[ ١٠ / ١٤٢ ]
وقال رسول الله - ﷺ -: "ثَلاثَهٌ حَقٌّ عَلى اللهِ عَوْنهمْ: الْمُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُكاتِبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَداءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفافَ".
رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
فعلى المكاتب أن يجتهد في وفاء سيده؛ فإنه بهذه النية يستحق من فضل الله تعالى المعونة، وكذلك يحمد منه ما لو اجتهد في فكاك رقبته من الرق بالتلطف لسيده، والتقرب لخاطره بإحسان خدمته، وبذل الوسع في مودته ونصيحته مع القصد إلى الله تعالى في قلب سيده إلى إرادة عتقه.
وينبغي أن يستعين على ذلك بالأربعة المذكورة فيما أخرجه الدينوري في "المجالسة" قال: حدثنا إبراهيم الحربي: ثنا داود بن رشيد قال: كان يقال: أربع يُسَوِّدْنَ العبد: الأدب، والصدق، والعفة، والأمانة (٢).
فإن أريد بالعبد: المخلوقُ للعبادة، فمعنى يسودنه: يجعلنه سيدًا إذا اتصف بهن.
وإن أريد به: الرقيق، فمعنى يسودنه: يؤول أمره بهن إلى أن يَمُنَّ الله عليه بالعتق ثم بالملك، ولذلك آثرت ذكر هذا الأثر هنا.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٤٣٧)، والترمذي (١٦٥٥) وحسنه، والنسائي (٣١٢٠)، وابن ماجه (٢٥١٨).
(٢) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: ٢١٩).
[ ١٠ / ١٤٣ ]
* تَنْبِيهٌ:
ذكر الخطابي في "غريبه" عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قالوا: علِّموا أرقاءكم سورة يوسف ﵇ (١).
والحكمة في ذلك أن هذه السورة تدعوهم إلى الصبر على ذل الرق، وطاعة السادة، وعدم التقصير في طاعة الله تعالى بسبب الرق، وحسن التأدب مع السادة ونصيحتهم، ومع غير السادة.
وقد سبق أن الله تعالى يحتج يوم القيامة بيوسف ﵇ على الأرقاء المقصرين في طاعته - ﷿ -.
* تَتِمَّةٌ:
كما لا ينبغي للعبد الذي هو مملوك الرقبة لمخلوق مثله أن يشاركه في السيادة، بل يلزم منزلته منه، وهي الخدمة وامتثال الأمر، لذلك لا ينبغي للعبد المخلوق للعبادة أن ينازع سيده الذي هو ربه في شيء مما يختص به من العزة والكبرياء وغيرهما كما تقدم في محله، بل يلزم مقام العبودية طاعة وخدمة، وتفويضًا وتسليمًا كما ذكر أبو سعيد الحسن بن علي الواعظ في كتاب "الحدائق لأهل الحقائق": أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى اشترى عبدًا، فقال له: إيش تأكل؟
_________________
(١) انظر: "غريب الحديث" للخطابي (٢/ ٦٨)، ورواه الثعلبي في "التفسير" (٥/ ١٩٦)، والديلمي في "مسند الفردوس" (٤٠٠٦) عن أبي بن كعب - ﵁ -. وضعف إسناده الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ١٨٠).
[ ١٠ / ١٤٤ ]
قال: ما تطعمني.
قال: إيش تلبس؟
قال: ما تكسوني.
قال: إيش اسمك؟
قال: الذي تسميني.
قال: إيش تعمل؟
قال: ما تستعملني.
قال: وإيش لربك؟
قال: ساعة واحدة مثل ما كان لك هذا العبد في هذه الحالة.
وقال الدينوري في "المجالسة": أنشدنا أحمد بن غيلان الأزدي (١) لغيره: [من مجزوء الرمل]
أَطِعِ اللهَ بِجَهْدِكَ عامِدًا أَوْ دُونَ جَهْدِكْ
أَعْطِ مَوْلاكَ الَّذِي تَطْـ ـلُبُ مِنْ طاعَةِ عَبْدِكْ (٢)
ومن أراد الوقوف على تحقق معنى السيادة والعبودية على الطريقة السديدة المرضية فعليه بكتابي "منبر التوحيد".
* فائِدَةٌ:
روى الشيخان عن ابن عمر - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذا
_________________
(١) في "المجالسة": "عبدان الأزهري" بدل "غيلان الأزدي".
(٢) انظر: "المجالسة وجواهر العلم" للدينوري (ص: ٢٠٩).
[ ١٠ / ١٤٥ ]
نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ" (١).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرانِ - وفي رواية: يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ -: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتاب آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوك أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرانِ، وَرَجُلٌ كانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَأَدَّبَها فَأَحْسَنَ أَدبَها، ثُمَّ أَعْتَقَها وَتَزَوَّجَها" (٢).
وللشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى تأليف فيمن يؤتون أجرهم مرتين.
***
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (١٦٦٤).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٤٠٥)، والبخاري (٤٧٩٥)، ومسلم (١٥٤)، والترمذي (١١١٦).
[ ١٠ / ١٤٦ ]