أن يُدخل الإنسان نفسه تحت ذل الديون من غير ضرورة، أو تحت مِنَّةِ الرجال.
وإلى ذلك أشار الشافعي رضي الله تعالى عنه حين قال له رجل: أوصني.
قال: إن الله خلقك حرًا؛ فكن كما خلقك (١).
وقد أشار النبي - ﷺ - إلى تسمية الدين رِقًّا فيما رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يقول: "أَقِلَّ مِنَ الذُّنُوبِ يَهُنْ عَلَيْكَ الْمَوْتُ، وَأَقِلَّ مِنَ الدَّيْنِ تَعِشْ حُرًّا" (٢).
وروى الإمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم، وسنده جيد، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "لا تُخِيفُوا
_________________
(١) انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ٧٧).
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥٥٥٧) وقال: في إسناده ضعف. وكذا ابن أبي الدنيا في "التوبة" (ص: ٣٨).
[ ١٠ / ١١٧ ]
أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِها".
قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟
قال: "الدَّيْنُ" (١).
وصحح الحاكم أيضًا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي - ﷺ - قال: "الدَّيْنُ رايَةُ اللهِ فِي الأَرْضِ؛ فَإِذا أَرادَ اللهُ أَنْ يُذِلَّ عَبْدًا وَضَعَهُ فِي عُنُقِهِ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن حذيفة، والإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن ابن عمر، وعن علي رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ".
وفي رواية: قيل: كيف يذل نفسه؟
قال: "يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلاء لِما لا يُطِيقُ" (٣).
قلت: ولا شك أن في تحمل مِنَنِ الناس ذلاَّ ظاهرًا.
وقال الماوردي: أنشدني عن الربيع للشافعي رحمه الله تعالى:
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٤٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٢٢١٠).
(٢) قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٧٠): فيه بشر بن عبيد الدارسي واه.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ١١٨ ]
[من مجزوء الكامل المرفَّل]
لا تَحْمِلَنَّ مِنَ الأَنامِ لمن يَمُنُّ عَلَيْكَ مِنَّةْ
وَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ حَظَّها وَاصْبِرْ فَإِنَّ الصبْرَ جُنَّةْ
مِنَنُ الرِّجالِ عَلى الْقُلُو بِ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ الأَسِنَّةْ (١)
ومن اللطائف في هذا الباب ما ذكره عبد الكريم بن السمعاني فقال: أنشدنا أبو محمد بن طوق الرقي قال: أنشدنا أبو البركات بن الوكيل المقرئ لرافع الحمال: [من مجزوء الرمل]
كُدَّ كَدَّ العَبْدِ إِنْ أَحْـ بَبْتَ أَنْ تُحْسب حُرَّا
وَاقْطَعِ الآمالَ عَنْ فَضـ ـل بَنِي آدَمَ طُرَّا
لا تَقُلْ ذا مَكْسَبٌ يُزْ ـري فَفَضْلُ النَّاسِ أَزْرى
أَنْتَ ما اسْتَغْنَيْتَ عَنْ مِثْلِكَ أَعْلَى النَّاسِ قَدْرا (٢)
وإذا قدر الله تعالى على العبد أن يدخل تحت رق الدين أو المنة لم يبق إلا الاحتيال في الخروج عن العهدة بالوفاء في الدين، وبالمكافأة في المنة، ومهما كان لأحد عليه من دين أو نعمة فينبغي أن يشكر فضله لقوله - ﷺ -: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ تَعالَى" (٣)،
_________________
(١) انظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي (ص: ٢٥١).
(٢) وانظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٨/ ٢٤).
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ١١٩ ]