إذا رزق العبد التوفيق في صغره وشبابه فليستعذ بالله أن يمكر به
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٢٤)، ومسلم (٩٢٣).
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨٢١٤)، إلا أنه قال: "والفسق في الشيخ".
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
في آخر عمره؛ فَـ: "إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصابعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ" (١) كما في الحديث.
واتفق لبعضهم أنه ابتلي بهذه المحنة، فانشد: [من الطويل]
أَطَعْتُ الْهَوَى عَكْسَ القَضِيَّهِ لَيْتَنِي خُلِقْتُ كَبِيرًا وَانْقَلَبْتُ إِلَى الصِّغَرْ
ومن هنا تفهم معنى ما رواه الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن [] (٢) قال: رأى أبو هريرة - ﵁ - شبابًا يتنسكون فقال: ليت الموت ذهب بهؤلاء؛ يعني: قبل أن يفتتنوا بالدنيا.
وقد قدمنا ما رواه ابن أبي الدنيا في "الحذر" عن راشد بن سعد رحمه الله تعالى قال: نظر عيسى بن مريم ﵉ إلى غلام لم يدرك قد نَحَلَ جسمه، قال: ما الذي صيرك إلى ما أرى؟
قال: والله ما بي من السقم، ولكني أخاف أن أكبر فأعصي الله (٣).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود ﵉: ما أقبحَ الفقرَ بعد الغنى، وأقبحَ الخطيئةَ مع المسكنة، وأقبحُ من ذلك كله رجلٌ كان عابدًا فترك عبادة ربه (٤).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٤٠) وحسنه، وابن ماجه (٣٨٣٤) عن أنس - ﵁ -.
(٢) بياض في "أ" و"ت" بمقدار كلمة.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٧١).
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
وقلت في معناه: [من السريع]
ما أَقْبَحَ الفَقْرَ عُقَيْبَ الْغِنَى وَأَقْبَحَ الذَّنْبَ مَعَ الْمَسْكَنَةْ
أَقْبَحُ مِنْ هَذا وَذا مَنْ نَشا فِي طاعَةٍ ثُمَّ عَصَى دَيْدَنَهْ
ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب: ما رواه أبو نعيم عن مجاهد، وابن عياش: أن الشعبي كانت أخته عند أعشى همدان، وكانت أخت أعشى همدان عند الشعبي.
[فقال الأعشى]: يا أبا عمرو! رأيت كأني دخلت بيتًا فيه حنطة وشعير، فقبضت بيميني حنطة، وبيساري شعير، ثم خرجت فنظرت، فإذا في يميني شعير، وإذا في يساري حنطة.
فقال: لئن صدقت رؤياك لتستبدل بالقرآن الشعر.
فقال الأعشى الشعر بعد ما كبر، وكان قبل ذلك إمام الحي ومقرئهم (١)؛ نعوذ بالله من تحول النعمة!
وروى أبو نعيم أيضًا عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: أنه سئل: ما علامة الخذلان؟
قال: أن يستقبح الرجل ما كان يستحسن، ويستحسن ما كان قبيحًا (٢).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٣٢٥).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢١٤).
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
أشار إلى أن العبد إذا كان في شبابه يحذر من محرم أو مكروه، ثم صار في شيخوخته يترخص فيه، فهو مخذول ممكور به؛ والعياذ بالله تعالى!
فينبغي للعبد كلما كبر أن يترقب أحواله وأفعاله، وليجتهد أن يكون كلها على السداد، وفي الترقي ليكون من خيار الناس، ويسأل ربه التوفيق لذلك في كل وقت.
روح الإمام أحمد في "الزهد" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: يا رب! طال عمري، وكبرت سني، وضعف ركني.
فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! طوبى لمن طال عمره وحسن عمله (١).
وفي "المسند" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "الشعب" من حديثه، والحاكم وصححه، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أَلا أُنبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟
" قالوا: نعم.
قال: "خِيارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمالًا" (٢).
_________________
(١) ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٢٦٥).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
وفي رواية عن أبي هريرة عن قوله: "وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمالًا"، "وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلاقًا". رواهما الإمام أحمد، والبزار (١).
وروى الترمذي، والحاكم وصححاه، والطبراني بإسناد صحيح، عن أبي بكرة - ﵁ -: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟
قال: "مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ".
قال: فأي الناس شر؟
قال: "مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ" (٢).
وروى أبو يعلى بإسناد حسن، عن [أنس - ﵁ -] (٣) قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خِيارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمارًا إِذا سُدِّدُوا" (٤).
ومن علامة التوفيق للعبد، وإرادة الخير به عند كبره، وسداد أمره ومرمة (٥) حاله: نشاطُه في الطاعة، وأن يخف جسمه ويرق عظمه.
وعلامة ذلك نورانية الوجه، وصحة الذهن، وجودة الرأي، وأكثر ما يكون ذلك لمن حفظ الله وأطاعه في شبابه.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) بياض في "أ" و"ت".
(٤) رواه أبو يعلى (٣٤٩٦). وحسن المنذري إسناده في "الترغيب والترهيب" (٤/ ١٢٧).
(٥) مرمة: أي صلاح.
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
والذي رأيته واستقريته طول عمري، ولا أراه إلا كذلك أبدًا أنه ما صان ذو جمال جماله، ولا ذو مال ماله، ولا ذو نعمة نعمته في شبابهم، إلا حفظ الله تعالى عليهم ما أنعم به عليهم في كبرهم وشيخوختهم، ولا فرط ذو جمال في حفظ جماله حتى امتهن جماله بالفسق والفاحشة إلا أجرم في كبره، وأظلم وجهه، وقبحت هيئته، ولا ذو مال في حفظ ماله بمنع زكاته والحقوق الشرعية عليه فيه إلا سلبه آخرًا، أو كان سببًا لنزول البلاء عليه بسببه ورؤيته الآفات فيه، وكذلك سائر النعم.
ولقد صدق عمر رضي الله تعالى عنه في قوله: من اتقى الله وَقَاه؛ كما رواه ابن أبي الدنيا، وغيره (١).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي حازم رحمه الله تعالى قال: قالت أم الدرداء لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما: يجيء الشيخ فيصلي، ويجيء الشاب فلا يصلي.
فقال أبو الدرداء: كُلٌّ في ثواب أُعِدَّ له (٢).
فينبغي لمن حصل منه تقصير وتفريط في أوائل عمره أن لا يفرط في أواخره وبقيته؛ إذ لا قيمة لما بقي من عمره كما قيل: [من البسيط]
بَقِيَّةُ العُمْرِ عِنْدِي ما لَها ثَمَنُ وَإِنْ مَضى غَيْر مَحْمُودٍ مِنَ الزَّمَنِ
يَسْتَدْرِكُ الْمَرْءُ فِيها ما أَفاتَ ويُحْـ ـيِي ما أَماتَ وَيَمْحُو السُّوْءَ [بالحسنِ] (*) (٣)
_________________
(١) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٤/ ٣٥٦).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٥٨٩). (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع
(٣) البيتان لأبي الفتح البستي، كما في "زهر الآداب" لابن رشيق (١/ ٥٢).
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
ولقد أحسن الشيخ شهاب الدين الأذرعي في قوله رحمه الله تعالى: [من مجزوء الكامل المرفل]
كَيْفَ النَّجاةُ وَهِمَّتِي فِي اللَّهْوِ وَالتَّقْصِيرِ دابِي
لا أَرْعَوِي بِزَواجِرٍ نَطَقَتْ بِها آيُ الْكِتابِ
قَدْ صِرْتُ فِي السِّتِّينَ فِي مَيادِينِ التَّصابِي (١)
شِبْهَ ابْنِ عِشْرِينَ غَدا نَشْوانَ مِنْ سُكْرِ الشَّبابِ
قَدْ آنَ لِي أَنْ أَسْتَعِدَّ لِيَوْمِ عَرْضٍ وَالْمَآبِ
وَأَجِدَّ فِي الْعَمَلِ الرَّبيِـ ـحِ وَحُسْنِ تَصْحِيحِ الْمَتابِ
فَعَسى الكَرِيمُ يَجُودُ لِي بِالْعَفْوِ عَنْ سُوءِ اكْتِسابِي
يا خَجْلَتا يا حَسْرَتا إِنْ ناقَشُونِي فِي الْحِسابِ
وَبَدَتْ خَفِيَّاتُ الأُمُو رِ وَطالَبُونِي بِالْجَوابِ
يا رَبِّ بِالْهادِي البَشِيرِ وَصَحْبِهِ خَيْرِ الصَّحابِ
ثَبِّتْ عُبَيْدَكَ أَنْ يَزِلَّ هُناكَ عَنْ نَهْجِ الصَّوابِ
وَاسْتُرْ صَحائِفَ عَيْبِهِ عَنْ نَشْرِها يَوْمَ الْحِسابِ
ولنختم هذا الفصل بما رواه ابن أبي الدنيا في "الأمل"، وابن حبان في "الثقات"، وأبو نعيم عن أبي عبيدة الناجي قال: دخلنا على
_________________
(١) كذا في "أ" و"ت".
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
الحسن - يعني: البصري - في مرضه الذي مات فيه فقال: مرحبًا بكم وأهلًا، وحياكم الله بالسلام، وأدخلنا وإياكم دار المقام، هذه علانية حسنة، إن صبرتم وصدقتم وأيقنتم، فلا يكن حظكم من هذا الخبر أن تسمعوه بهذه الأذن، وتُخرجوه من هذه الأذن؛ فإنه من رأى مُحمَّد - ﷺ - فقد رآه غاديًا ورائحًا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له عَلَم فشمَّر إليه، الوَحَاءَ الوَحَاءَ! النَّجَاءَ النَّجَاءَ! على ما تُعَرِّجُون؟ أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معًا، رحم الله عبدًا جعل العيش عيشًا واحدًا، وأكل كسرة، وألبس خلقًا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك (١).