اللعن الواقع في هذه الأحاديث ونحوها كلعن السارق، وآكل الربا، وشارب الخمر، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن غَيَّر تُخُوم الأرض، ومن عَقَّ والديه، والراشي، والمرتشي، والرائش، والظالم، والنامصة، والمتنمصة، والنائحة، ونحو ذلك: بمعنى البعد عن حضرة الله تعالى ورحمته.
ثم قد تظهر آثار اللعنة على من ارتكب ذنبًا لعن مرتكبه في الدنيا بقلة، أو ذلة، أو علة، أو سوء منية، وفي الغالب لا تظهر آثار اللعنة
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٢٨٧). قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٧٦): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح إلا طيب بن محمد، وفيه مقال، والحديث حسن.
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٠٠٣). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٠٣): فيه علي بن سعيد الرازي، وهو لين، وبقية رجاله ثقات.
[ ١٠ / ١٥٢ ]
مع الإصرار زيادة في الاستدراج، أو لأمر آخر.
وقد أخرج ابن أبي الدنيا في "العقوبات" عن حماد بن سلمة رحمه الله تعالى قال: ليست اللعنة بسواد في الوجه يراه الناس، إنما اللعنة الطرد والإبعاد، ولا تخرج من ذنب إلا وقعت في آخر مثله أو شر منه (١).
أي: وأنت - والعياذ بالله - مصر على الذنب، غير مستغفر منه ولا تائب عنه، غافل عن التذكرة والتيقظ.
فمن هذا القبيل ما نزل الآن بأهل الزمان إلا قليلًا منهم في تشبههم بالنساء، وتشبه نسائهم بهم وهم في أنواع العقوبة، ولا يرون آثار العقوبة، وإنما يشاهدها ذوو الأبصار فيهم، فيرون منهم من الغفلة عن الله تعالى، وعن ذكره وعن طاعته، والاستهلاك في معاصيه وهو يرزقهم، ويكثر لهم من الدنيا ما لا يرونه من أنفسهم؛ فافهم!
وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي رسول الله - ﷺ -: بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال رسول الله - ﷺ - "ما بالُ هذا؟
"فقالوا: يتشبه بالنساء.
فأمر به، فنفي إلى النقيع، فقيل: يا رسول الله! ألا تقتله؟
_________________
(١) ورواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: ١٣٢).
[ ١٠ / ١٥٣ ]
فقال: "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ" (١).
والنقيع - بالنون، والقاف -: ناحية بالمدينة، وهو غير البقيع - بالموحدة -.
والأحاديث في الباب كثيرة.
واعلم أن الحكمة في تحريم تشبه الرجل بالمرأة وتشبه المرأة بالرجل أنهما مغيران لخلق الله تعالى، ولأنه متى فعل الواحد منهما القليل من ذلك استجر إلى الكثير، فيكون ذلك سببًا لارتكاب العظائم؛ فإن الرجل إذا لبس الحرير الصِّرف، أو ما في أكثره حرير، وخاطه على مثل زي المرأة، وأرخى الذؤابة على هيئة المرأة، وتضمخ بالغالية، وتأنث في الأقوال والأفعال والحركات، ربما أدى به ذلك إلى فعل الفاحشة.
وهذا دأب مخنثي هذه الأعصار، فلقد حكي لنا عنهم ما تمجه الأسماع، وتنفر عنه القلوب والطباع، ولقد ذكر عن بعضهم أن لهم مواشط كمواشط النساء.
وكذلك المرأة متى تشبهت بالرجل في اللباس والهيئة والكلام والحركة، ربما أدى بها الحال إلى الخروج بين الرجال في مثل هيئاتهم، وترتب على ذلك أمور قبيحة ما خلا الكون عنها كالسُّحق، فجاء الشرع بحسم هذه المادة، وسد هذا الباب بالكلية.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٩٢٨).
[ ١٠ / ١٥٤ ]
ومن ذلك ما يفعله أهل الحباط، والسخرية في الولائم ونحوها في إخراج رجل في صورة امرأة، فيبدي أسرار النساء، ويحكي أحوالهن وعوائدهن، ويتكلم بالخنوثة الكلمات القبيحة، والألفاظ المستهجنة من النساء إلا مع بعولتهن، وهذا حرام ملعونٌ فاعله والراضي به، ويخشى على حاضره أن تعمه اللعنة ما لم ينكره ولو بقلبه.
وضد ذلك قبيح أيضًا محرم بأن تقيم مسخرات النسوة بعضهن في صورة رجل، فتفعل بصاحبتها فعل الرجل بالمرأة صورةً بحضرة النسوة لتضحكهن، وكلما أعجب الحاضرين والحاضرات ذلك من أهل السخرية أطروا فيه، فيكون ذلك أدعى للعنة، وأجلبَ للسّخط.
وكذلك ما يفعله النسوة بالمرأة في ليلة زفافها أو غيرها - صغيرةً كانت، أو كبيرة - من إلباسها العمامة والخوذة، وتقليدها بالسيف والخنجر، وإمساكها الدبوس على طريقة الرجال، فهو حرام، وفاعلاته ملعونات ممقوتات، وعلى الزوج إنكار ذلك، والإغلاظ عليهن حتى يتركنه ويتنزهن منه، ويستغفرن الله تعالى، ولذلك لو ألبسنها لباس الرجل من فرجية أو [] (١) أو كشتوان.
ومن هذا القبيل ركوب المرأة للخيل، وطرادها مع رجل وامرأة، ومصارعتها رجلًا أو امرأة، ولا يفعل ذلك إلا العاهرات المومسات.
_________________
(١) كلمة غير واضحة في "أ" و"ت".
[ ١٠ / ١٥٥ ]
ومن التشبه المذموم أن يخالط الرجل النساء الأجنبيات، والمرأة الرجال الأجانب، ومن ثم حرمت الخلوة بالأجنبية عليهما خشية الاستجرار إلى المعصية.
ولقد قال بعض الحكماء: باعدوا بين أنفاس الرجال وأنفاس النساء (١).
وروى الدارقطني في "الأفراد" بسند ضعيف، عن علي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - ﷺ - قال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها: "أَيُّ شَيْءٍ خَيْر لِلْمَرْأَةِ؟
"قالت: أن لا ترى رجلًا ولا يراها رجل.
فضمها إلى صدره، وقال: "ذُرِّيَّةٌ بَعْضها مِنْ بَعْضٍ" (٢).
قال أبو طالب المكي: وكان النبي - ﷺ - (٣) يقول: "شِرارُ خِصالِ الرِّجالِ خِيارُ خِصالِ النِّساءِ: الْبُخْلُ، وَالْجُبْنُ، وَالزَّهْوُ" (٤).
لأن المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مال زوجها، وإذا كانت زاهية معجبة استنكفت أن تكلم الرجال، وإذا كانت جبانة فَرَقَت من كل شيء فلم تخرج من بيتها.
_________________
(١) قال علي القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص: ١٤٥): غير ثابت.
(٢) قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٣٩٨): رواه البزار والدارقطني في "الأفراد" من حديث علي - ﵁ - بسند ضعيف.
(٣) في "قوت القلوب": "وكان علي" بدل "وكان النبي".
(٤) انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (٢/ ٤٢٢).
[ ١٠ / ١٥٦ ]
ومن شأن الرجال الخروج والحركة في الكسب وغيره، فإذا أكثرت المرأة من الخروج من بيتها كانت متشبهةً بالرجال.
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
وقال رسول الله - ﷺ -: "الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ".
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (١).
واعلم أن الله - ﷿ - لما أمر النساء بالتستر بحيث منعهن من أعمال الخير التي لا تتأتى إلا بالاجتماع بالرجال كالجهاد، والقضاء، والإمارة، جعلَ لهن من الأعمال ما أثابهن عليه مكان ما فاتهن.
روى البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂: أنها أتت النبي - ﷺ - وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي! إني وافدة النساء إليك، نفسي لك الفداء! إنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا، أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأي؛ إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشرَ النساء محصوراتٌ مقصوراتٌ، قواعد بيوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشرَ الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج
_________________
(١) رواه الترمذي (١١٧٣) وقال: حسن غريب، وابن حبان في "صحيحه" (٥٥٩٩).
[ ١٠ / ١٥٧ ]
بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجًا أو معتمرًا، أو مرابطًا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟
فالتفت النبي - ﷺ - إلى أصحابه بوجهه كله، فقال: "هَلْ سَمِعْتُمْ مَقالَةَ امْرَأَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ مُساءَلَتِها فِي أَمْرِ دِينِها مِنْ هَذِهِ؟ "
فقالوا: يا رسول الله! ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا.
فالتفت النبي - ﷺ - إليها، ثم قال: "انْصَرِفِي أَيَّتُها الْمَرْأَةُ وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّساءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِها، وَطَلَبَها مَرْضَاتِهِ، وَاتِّباعَهَا مُوافَقَتَهُ تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ".
فأدبرت المرأة وهي تهلِّل وتكبر استبشارًا (١).
وقد علمت من هذا الحديث مع حديث: "إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ": أن حسن تبعل المرأة ودخولها في أحوال النسوة الموافقة لشهواتهن إذا أحسنت النية فيه كان عملًا منها صالحًا، وذلك من الرجل أقبح شيء كما لا يحسن من المرأة الترجل.
وروى الإمام أحمد بسند ضعيف، عن امرأة كانت قد صلت القبلتين مع رسول الله - ﷺ - قالت: دخلت على رسول الله - ﷺ -، فقال: "اخْتَضِبِي؛ تَتْرُكُ إِحْداكُنَّ الْخِضابَ حَتَّى تَكُونَ يَدُها كَيَدِ رَجُلٍ؟ " فما
_________________
(١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨٧٤٣).
[ ١٠ / ١٥٨ ]
تركت الخضاب وإنها لابنة ثمانين (١).
فلو خضب الرجل يديه أو طرفيهما بالحناء، أو نقشهما، أو لبس الحلي الخاص بالنساء، حرم عليه ذلك.
وقد علمت أن النبي - ﷺ - نفى المخنث الذي وجده يخضب يديه ورجليه بالحناء، وإنما نفاه لئلا يفسد غيره من الرجال والنساء.
وكذلك لا والله لا يحسن من الرجل تقليد النساء في حركاتهن وكلماتهن ونغماتهن، فإن فعل شيئًا من ذلك تقربًا إلى رجل مثله لتجري الفاحشة بينهما كان ذلك أشد قبحًا، وأولى بأن يوجب لعنًا وطردًا، وإبعادًا وسخطًا؛ ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال: "مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ" - سبعًا - (٢).
وقد نطق كتاب الله تعالى بأن اللواط فاحشة مستبشعة.
ولو أن امرأة دعت حليلها إلى اللواط - ولو بأدنى قول أو فعل - أو وافقته عليه كانت ملعونة لأنها ضمت إلى هذه الفاحشة قبح التشبه بمخنثي الذكور.
وما أقبح قولَ القائل، وأولاه بالذم إذ مدح فيه هذا الوصف القبيح: [من البسيط]
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٧٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ١٧١): فيه من لم أعرفهم، وابن إسحاق، وهو مدلس.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
مِنْ كَفِّ ذاتِ حِرٍ فِي زِيِّ ذِي ذَكَرِ لَها مُحبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءُ
ومن ألطف ما وقع ما ذكره الزمخشري في "ربيع الأبرار": أن ريطة بنت العباس سألها زوجها المتوكل أن تضم شعرها وتتشبه بالمماليك، فأبت، فخيرها بين ذلك وبين الفراق، فاختارت الفراق، فطلقها (١).
فتأمل كم بين عفتها وطغيانه، وتوفيقها وخذلانه! - ومن تشبه الرجال بالنساء المذموم: كثرة الإرفاه، والمبالغة في تحسين اللحية وغيرها بالتدهن، والتطيب بطيب النسوة، واستعمال الأدوية والأغذية المسمنات.
ومن أمثال العرب: الرجال بأعضادها، والنساء بأعجازها؛ كما حكاه ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الإيضاح" (٢).
- ومن ذلك: أن المرأة إذا أحبت أفرطت، وإذا قَلَتْ فَرَّطت، وإذا عادت حقدت، ولم تبق للصلح موضعًا، ولا تكاد تفي بعهد، ولا تدوم على ود، إن أحسنت إليها الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط؛ كما في الحديث (٣).
وهذه الأمور - وإن كانت كلها قبيحة من الرجال والنساء - إلا أنها
_________________
(١) انظر: "ربيع الأبرار" للزمخشري (١/ ١٣٨).
(٢) وانظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (١/ ٤١٢).
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ١٦٠ ]
تحتمل منهن ما لا تحتمل منهم، فلا ينبغي للرجل أن يلحقها في ذلك بالنساء.
وقد ألمَّ بذلك المتنبي في قوله: [من الطويل]
إِذا غَدَرَتْ حَسْناءُ أَوْفَتْ بِعَهْدِها وَمِنْ عَهْدِها أَنْ لا تَدُومَ عَلى عَهْدِ
وَإِنْ حَقَدَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِها رِضا وَإِنْ رَضِيَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِها حِقْدُ
وَإِنْ عَشِقَتْ كانَتْ أَشَدَّ صَبابَةً وَإِنْ فَركَتْ فَاذْهَبْ فَما فَرْكُها قَصْدُ
كَذَلِكَ أَخْلاقُ النِّساءِ وَرُبَّما يَضِلُّ بِها الْهادِي وَيَخْفَى بِها الرُّشْدُ (١)
- ومن ذلك: الجبن، والوهن، والخَوَر عند ملاقاة الرجال ومقارعة الأبطال.
ولقد ذم الله تعالى المنافقين بذلك، وشنع عليهم بقوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧].
قال السدي رحمه الله تعالى معناه: رضوا بأن يقعدوا عن الجهاد كما قعدت النساء. رواه ابن أبي حاتم (٢).
_________________
(١) انظر: "شرح ديوان المتنبي" للواحدي (ص: ١٥٦).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٦/ ١٨٥٩).
[ ١٠ / ١٦١ ]
وأخرج نحوه هو وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١).
وقال الشاعر: [من الخفيف] كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتالُ عَلَيْنا وَعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيولِ (٢)
واعلم أن وصف الشجاعة في الرجل من أكمل صفاته وأفضلها، وربما دعته إلى كل خير، وأنقذته من كل سوء.
وتعجبي شجاعة أبي محجن الثقفي رضي الله تعالى عنه إذ أنقذته آخرًا مما كان عليه من معاقرة الخمر، وأمرُه في معاقرتها مشهور.
وقد ذكر قصته الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب"، وذكر أنه أسلم حين أسلمت ثقيف، وسمع من النبي - ﷺ -، وروى عنه.
قال ابن عبد البر: وكان أبو محجن هذا من الشجعان الأبطال في الجاهلية والإسلام، ومن أولي البأس والنجدة، ومن الفرسان البهم، وكان شاعرًا مطبوعا كريمًا، إلا أنه كان منهمكًا في الشراب، لا يكاد يقلع عنه، ولا يردعه حد ولا لوم لائم، وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - يستعين به، وجلده عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الخمر
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٦/ ١٨٥٩)، والطبري في "التفسير" (١٠/ ٢٠٨).
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة، كما في "ديوانه" (ص: ٤٣٠)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (٤/ ٣٨٠).
[ ١٠ / ١٦٢ ]
مرارًا، ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلًا، فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص - ﵁ - بالقادسية وهو محارب للفرس، وكان قد هَمَّ بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر، فأخبره الرجل بذلك، وخرج فارًا، فلحق بعمر وأخبره خبره، فكتب عمر إلى سعد رضي الله تعالى عنهما بحبس أبي محجن، فحبسه، وكانت بالقادسية أيام مشهورة؛ منها يوم الناطف، ويوم أرمات، ويوم الموات، ويوم الكتائب وغيرها، فلما كان يوم الناطف أو غيره، والتحم القتال، رآهم أبو محجن يقتتلون، وكأنه رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل إلى أم ولد سعد - أي: امرأته - يقول لها: إن أبا محجن يقول لك: إن خليت سبيله، وحملته على هذا الفرس، ودفعت إليه سلاحًا، ليكونن أول من يرجع إليك إلا أن يقتل.
وأنشأ يقول: [من الطويل]
كَفَى حَزَنًا أَنْ تردِيَ الْخَيْلُ بِالقَنا وأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وثاقِيا
إِذا قُمْتُ عَنَّانِيَ الْحَدِيدُ وَغُلِّقَتْ مَصاريعُ دُونِي قَدْ تُصِمُّ الْمُنادِيا
وَقَدْ كُنْتُ ذا مالٍ كَثِيرٍ وَإِخْوَةٍ فَقَدْ تَرَكُونِي واحِدًا لا أَخا لِيا
وَقَدْ شَفَّ جِسْمِي أَنَّنِي كُلَّ شارِقٍ أُعالِجُ كَبْلًا مُصْمَتًا قَدْ بَرانِيا
فَلِلَّهِ دَرِّي يَوْمَ أترَكُ مُوْثَقًا وَتَذْهَلُ عَنِّيَ أُسْرَتي وَرِجالِيا
حُبِسْنا عَنِ الْحَرْبِ الْعوانِ وَقَدْ بَدَتْ وَأعْمالُ غَيْرِي يَوْمَ ذاكَ الْعَوالِيا
فَلِلَّهِ عَهْدٌ لا أَخِيسُ بِعَهْدِهِ لَئِنْ فُرِّجْتُ أَنْ لا أَزُورَ الحوانيا
[ ١٠ / ١٦٣ ]
فخلت سبيله وأعطته الفرس، فقاتل وأبلى بلاءً حسنًا، ثم عاد إلى محبسه (١).
وروى عبد الرزاق عن ابن سيرين: أن أبا محجن لما قال ذلك لامرأة سعد حلت عنه قيوده، وحملته على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحًا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه، فنظر إليه سعد، فجعل يتعجب، ويقول: من ذلك الفارس؟
قال: فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى هزمهم الله تعالى، ورجع أبو محجن، ورد السلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان، فجاء سعد فقالت له امرأته وأم ولده: كيف كان قتالكم؟
فجعل يخبرها: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلًا على فرس أبلق، لولا أني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن.
فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، فقصت عليه قصته، فدعا به وحل قيوده، وقال: لا أجلدك على الخمر أبدًا.
قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا؛ كنت آنف أن أَدَعها من أجل حَدِّكُم.
قال: ولم يشربها بعد ذلك (٢).
_________________
(١) انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٧٤٦ - ١٧٤٧).
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٧٠٧٧).
[ ١٠ / ١٦٤ ]
وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي قال: قال أبو محجن في تركه الخمر: [من الوافر]
رَأَيْتُ الْخَمْرَ صالِحَةً وَفِيها مَناقِبُ تُهْلِكُ الرَّجُلَ الْحَلِيما
فَلا وَاللهِ أَشْرَبُها حَياتِي وَلا أَشْفِي بِها أَبَدًا سَقِيما (١)