روى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي - وعلَّقه البخاري - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتانِ: الْحِرْصُ، وَالأَمَلُ" (١).
وفي لفظ - وهو عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى -: "الْحِرْصُ عَلى الْمالِ وَالْحِرْصُ عَلى الْعُمُرِ" (٢).
وروى مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قَلْبُ الشَّيْخِ شابٌّ عَلى حُبِّ اثْنتَيْنِ: حُبِّ الْعَيْشِ، وَالْمالِ" (٣).
وفي لفظ عند الإمام أحمد، والترمذي وصححه: "عَلى حُبِّ اثْنتَيْنِ: طُولِ الْحَياةِ، وَكَثْرَةِ الْمالِ" (٤).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ١٩٢)، ومسلم (١٠٤٧).
(٢) وهذا لفظ مسلم أيضًا.
(٣) رواه مسلم (١٠٤٦)، وابن ماجه (٤٢٣٣).
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٣٩)، والترمذي (٢٣٣٨) وصححه.
[ ١٠ / ١٩٧ ]
وأخرجه بهذا اللفظ الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه (١).
وهذا إخبار من النبي - ﷺ - بأن هاتين الخصلتين من طباع ابن آدم؛ كلما طعن في السن كما شبَّا فيه، كما قيل: حب الحياة طبيعة الإنسان.
وصح عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى أنه قال: أتت عليَّ مئة وثلاثون سنة؛ ما مني شيء إلا نقص إلا أملي (٢).
وحكى ابن السمعاني في "الأنساب" عن علي بن حجر الإمام الحافظ رحمه الله تعالى قال: انصرفت من العراق وأنا ابن ثلاث وثلاثين، [فقلت: لو بقيت ثلاثًا وثلاثين أخرى، فأروي بعض ما جمعته من العلم، وقد عشت بعده] ثلاثًا وثلاثين أخرى وأنا أتمنى بعد ما كنت أتمناه وقت انصرافي من العراق (٣).
وتمني الحياة لنشر العلم والعبادة ونحوهما حسنٌ؛ لما في الحديث: "خَيْرُكُمْ مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَحَسُنُ عَمَلُهُ" (٤).
كما أن تمنيها لغير ذلك كالتوسع في الدنيا قبيح؛ لما في
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٧٩٣١) بهذا اللفظ عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٧/ ٩٨)، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (ص: ٣٧).
(٣) انظر: "الأنساب" لابن السمعاني (٣/ ٢٥٧).
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ١٩٨ ]
الحديث المذكور: "وَشَرُّكُمْ مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ" (١).
والشيخ كما على سِنُّهُ حَسُنَ منه قصر الأمل والإعراض عن الدنيا، وكان ذلك مطلوبًا منه لأنه أقرب من الشاب إلى الموت ومفارقة الدنيا، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]؛ يعني: الشيب.
وهذا خلاف ما في طبعه، ومخالفة ما في الطبع شديدة على النفس، والثواب على قدر المشقة والصبر على الشدائد.
وفي "الصحيح": "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكارِهِ" (٢).
فمن صبر على المكروهات، وزهد في الدنيا الفانية، نجا من المكروهات في الآخرة، وفاز بالجنات.
وفي الحديث: " [نَجَا أَوَّلُ] (٣) هَذِهِ الأُمَّة بِالنَّفْسِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلَكُ آخِرُها بِالْبُخْلِ وَالأَمَلِ".
رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الأمل" عن عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وابنُ قال في "مكارم الأخلاق" عن معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه (٤).
وقوله - ﷺ -: "وَيَهْلَكُ آخِرُها" حكم على الغالب؛ أي: ويهلك
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) بياض في "أ" و"ت".
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ١٩٩ ]
أكثر آخرها؛ إذ لا يزال طائفة من هذه الأمة على الحق إلى أن تقوم الساعة.
على أن أهل اليقين والزهد قد كانوا قليلًا في كل وقت، ولكن هم في هذه الأزمنة أقل من القليل.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: لا تزال نفس أحدكم شابة في حب الشيء ولو التفَّت ترقوتاه من الكبر، إلا الذين امتحن الله قلوبهم للآخرة؛ وقليل ما هم (١).
ومن القليل: الرجل الذي روى قصته الدينوري عن الأصمعي قال: دخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق، فرأى شيخًا كبيرًا، فقال له: يا شيخ! أيسرك أن تموت؟
قال: لا.
قال: وَلِمَ وقد بلغت من السن ما أرى؟
قال: ذهب الشباب وشرُّه، وجاء الكبر وخيره، فإذا قعدت ذكرت الله تعالى بالطاعة ومكارم الأخلاق، وقِصَر الأمل، والزهد والتقوى، وإذا نمت حمدت الله تعالى، فأحب أن تدوم لي هاتان الخصلتان (٢).
_________________
(١) ورواه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ٨٧).
(٢) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: ٣٤٥).
[ ١٠ / ٢٠٠ ]