الأُولَى: ينبغي للعاقل إذا اضطر إلى تحمل منة تعرض أو سؤال، أن لا يقصد إلا كريمًا حسن الوجه يلقاه بوجه بشوش، ولا يقصد
_________________
(١) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٩٩) عن الشعبي.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
لئيمًا، ولا من نعمته مستحدثة.
وفي الحديث: "اطْلُبوا الْخَيْرَ مِنْ حِسانِ الْوُجُوه" (١)، وهم أهل البشاشة والبِشْر.
وكذلك إذا حملته الضرورة على الخدمة فلا يخدم إلا العلماء، وأهل المجد والسماحة الذين لا يتبعون إحسانهم بالمن والأذى، دون السفهاء واللؤماء، والجند الظلمة، ومستحدثي النعمة، ومستذلي الحرفة؛ فإن الخدمة إذا كانت للعلماء والأشراف، والحاجة إذا كانت إليهم فتلك الخدمة التي تنتج الرفعة في الدنيا، والفوز في الآخرة إذا حسنت النية، وتلك الحاجة التي لا تزري بمحتاجها، وهي التي تنجح، ولا تكسر عرض صاحبها.
وأنشد ابن أبي الدنيا لمحمود الوراق: [من الوافر]
إِذا أَعْطَى الْقَلِيلَ فَتى شَرِيفٌ فَإِنَّ قَلِيلَ ما يُعْطِيكَ زَيْنُ
وَإِنْ تَكُنِ الْعَطِيَّةُ مِنْ دَنِيِءٍ فَإِنَّ كَثِيرَها عارٌ وَشَيْنُ
وَلا يَرْضى الْكَرِيْمُ بِيَوْمِ عارٍ وَإِنْ أَوْهَى وَهَدَّ قُواهُ دَيْنُ
فَعُذْ بِاللهِ وَالجَ إِلَيْهِ إِمَّا بَدَتْ لَكَ حاجَةٌ أَوْ كانَ كَوْنُ (٢)
وروى الدينوري، والسلفي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) وانظر: "المجالسة وجواهر العلم" للدينوري (١/ ٣٤٥).
[ ١٠ / ١٢٤ ]
قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التنين خيرٌ من ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر (١).
وأنشد ابن سيده لبعض الأدباء: [من الهزج]
لَصَيْدُ اللَّخْمِ (٢) فِي الْبَحْرِ وَصَيْدُ الأُسْدِ فِي الْبَرِّ
وَقَضْمُ الثَّلْجِ فِي الْقَرِّ وَنَقْلُ الصَّخْرِ فِي الْحَرِّ
وإِقْدامٌ عَلى الْمَوْتِ وَتَحْوِيلٌ إِلَى الْقَبْرِ
أَشْهَى مِنْ طِلابِ العرْفِ مِمَّنْ عاشَ فِي الْفَقْرِ (٣)
وأنشد غيره: [من السريع]
مُسْتَحْدَثُ النِّعْمَةَ لا تَرْجُهُ فَكَفُّهُ مَمْلُوْءَة فَقْرُ
جُنَّ لَهُ الدَّهْرُ فَنالَ الْغِنَى يا وَيْلَهُ إِنْ عَقَلَ الدَّهْرُ