وأما تشبه الغني بالفقراء فهو على قسمين أيضًا: محمود ومذموم.
فالأول: أن يتشبه بهم في خشونة العيش، والرضا بالدون من المجالس، ولباس ما تيسر تواضعًا وتبذلًا، لا شُحًّا وبخلًا.
وأمارة الصدق أن يكون مع ذلك جوادًا سخيًا، محبًا للتصدق والإيثار، والتوسط على العيال، والإفضال على الجيران والإخوان.
روى الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن معاذ بن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ تَرَكَ اللِّباسَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَواضُعًا لِلّهِ تَعالَى دَعاهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ عَلى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيْمانِ شاءَ يَلْبَسُها" (١).
وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَبَذِّلَ الَّذِي لا يُبالِي ما لَبِسَ" (٢).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤٨١) وحسنه، والحاكم في "المستدرك" (٢٠٦).
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦١٧٦). قال الدارقطني في "العلل" (٨/ ٣٣٧): الصحيح أنه موقوف.
[ ١٠ / ٢٩٧ ]
وروى الإمام أحمد ورجاله ثقات، والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن قال: "إِيَّاكَ وَالتَنَعُّمَ؛ فَإِن عِبادَ اللهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ" (١).
قلت: ومن هنا كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يَطْعم طعام الإمارة، ويصوم ويفطر على ما تيسر.
وسبق أن سليمان ﵇ كان يطعم طعام الملوك، ويصوم ويفطر على خبز الشعير والملح الجريش (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كونوا جُدُدَ القلوب خُلْقان الثياب، ينابيع العلم، مصابيح الليل، أَحلاس البيوت، كونوا خلقان الثياب يعرفكم أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض (٣).
وروى [عبد الّه ابن الإمام أحمد] (٤) في "زوائده" عن عبد الله بن
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٤٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦١٧٨). قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ١٠٢): رواة أحمد ثقات.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) وروى نحوه الدارمي في "السنن" (٢٥٦)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ١٢٦).
(٤) بياض في "أ" و"ت".
[ ١٠ / ٢٩٨ ]
شوذب قال: قال عيسى بن مريم ﵉: جودة الثياب خيلاء القلب (١).
وروى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن طلحة رضي الله تعالى عنه أن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ مِنَ التَّواضُعِ الرِّضا بِالدُّونِ مِنَ الْمَجْلِسِ" (٢).
ومن هذا القبيل مساواة الفقراء في المجلس ونحوه، والتسوية بينهم وبين الأغنياء في الإكرام والاحترام، بل تقديمهم وتفضيلهم إذا كان لهم فضيلة لم تكن في الأغنياء.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
وتقدم أن سليمان بن داود ﵉ كان يدخل المسجد فيرى أغمص مجلس من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ويجلس مع المساكين، ويقول: مسكين بين مساكين؛ مع ما أوتي من الملك.
وروى ابن أبي شيبة عن سلمان بن عامر الشيباني قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: "أَرَأَيْتُمْ سُلَيمانَ وَما أَعْطاهُ اللهُ مِنْ مُلْكِهِ؟ وَإِنَّهُ لَمْ
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨٢٣٩). قال ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (ص: ٩٥): هذا حديث حسن غريب.
[ ١٠ / ٢٩٩ ]