وإذا قصر الشاب في طاعة الله تعالى وهو صحيح قوي، فليتعرف أنه مسؤول عن شبابه وقوته وصحته، فينبغي أن يعد لهذا السؤال جوابًا.
روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تَزُولُ قَدما ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيما أَفْناهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيما أَبْلاهُ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيما أَنْفَقَهُ، وَماذا عَمِلَ فِيما عَلِمَ" (١).
لكن ذكر أبو عبد الله بن حفيف الشيرازي في كتاب "المسائل" عن بعض أهل العلم: أنه ورد في الروايات أن من حج على قدميه لم يسأل يوم القيامة عن شبابه فيما أبلاه.
وليعلم الشاب أنه من أوفر الناس نصيبًا من نعمتي الصحة والفراغ المغبون فيهما كثير الناس كما في الحديث (٢) حيث كانتا
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤١٦) وقال: غريب.
(٢) رواه البخاري (٦٠٩٤) عن ابن عباس - ﵄ -.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
محفوظتين عليه لأنهما في الشباب أمتن منهما، وأقوى فيما بعد الشباب؛ فإن صرفهما في الطاعة كان من أولى من يغبط بهما، وإن صرفهما فيما لا يجديه كان أغبن الناس فيهما.
وأنشد البيهقي في "الشعب" في عقد الحديث المشار إليه لأبي عصمة محمد بن أحمد السجستاني: [من السريع]
أَنْبَأَنا خَيَرُ بَنِي آدَمٍ وَما عَلى أَحْمَدَ إِلاَّ البَلاغْ
النَّاسُ مَغْبُونونَ فِي نِعْمَةٍ صِحَّةِ أَبْدانِهِمُ وَالفَراغْ (١)
فعلى الشاب أن يغتنم أيام الشباب والصحة والفراغ، فيصرفها في طاعة الله تعالى دون تُرَّهات الدنيا عملًا يقول - ﷺ - لرجل وهو يعظه: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ".
صححه الحاكم من حديث ابن عباس على شرط الشيخين (٢).
_________________
(١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٢٥١).
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٧٨٤٦)، وكذا ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (ص: ٨٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٢٤٨) وقال: هكذا وجدته في كتاب "قصر الأمل" وكذلك رواه غيره عن ابن أبي الدنيا، وهو غلط، وإنما المعروف بهذا الإسناد، وذكر حديث: "نعمتان مغبون ". قال ابن حجر في "الفتح": وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون.
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
وروى الطبراني، والحاكم وصححه، وغيرهما، عن قبيصة بن جابر: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال له: يا قبيصة! إني أراك شابًا حديث السن، فصيح اللسان، فسيح الصدر، إنه قد يكون في الرجل سبعة أخلاق صالحة فيغلب خلقه السيئ أخلاقه الصالحة؛ فإياك وعثرات الشباب (١).
وروى أبو محمد التكريتي في "معرفة النفس"، والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "فَضْلُ الشَّابِّ العابِدِ الَّذِي تَعَبَّدَ فِي صِباهُ عَلى الشَّيْخِ الَّذِي تَعَبَّدَ بَعْدَما كَبُرَتْ سِنُّهُ كَفَضْلِ الْمُرْسَلِينَ عَلى سائِرِ النَّاسِ" (٢).
ووجه التمثيل أن الشاب العابد في شبابه حفظ في شبابه من أوله كما عصم المرسلون من أول شبابهم.
وروى أبو نعيم عن الفريابي قال: كان سفيان الثوري يصلي، ثم يلتفت إلى الشباب فيقول: إذا لم تصلوا اليوم فمتى (٣)؟
وعن أبي المَليح قال: قال لنا ميمون بن مهران رحمه الله تعالى ونحن حوله: يا معشر الشباب! قوتَكم احفظوها في شبابكم، ونشاطَكم في طاعة الله تعالى، يا معشر الشيوخ! حتى متى (٤)؟
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٤٣٥٥).
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٥٩).
(٤) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٨٧).
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري عن الجنيد رحمه الله تعالى قال: سمعت السري رحمه الله تعالى يقول: يا معشر الشباب! جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصُروا كما قصرت.
قال: وكان في ذلك الوقت لا تلحقه الشباب في العبادة (١).