في نَهْيِ الكُهُولِ والشُّيُوخِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالشُّبَّانِ وَالصِّبْيانِ فإذا بلغ العبد سن الكهولة، فالكهل كما في "القاموس": من وخطه الشيب؛ أي: من فشا فيه، أو استوى سواده وبياضه، أو من جاوز الثلاثين، أو أربعًا وثلاثين، أو (١) إحدى وخمسين (٢).
وقيل: إذا بلغ أربعين فهو كهل؛ نقله الفيومي في "المصباح المنير" (٣).
فلا ينبغي له التشبه بالشاب ومقتضياته التي أشرنا إليها.
قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥].
_________________
(١) في "القاموس المحيط": "إلى" بدل "أو".
(٢) انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: ١٣٦٣) (مادة: كهل).
(٣) انظر: "المصباح المنير" للفيومي (٢/ ٥٤٣) (مادة: كهل).
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كما رواه أبو بكر ابن مردويه، وابن عساكر، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١).
فانظر كيف أثنى الله تعالى عليه بما كان من خلقه - ﵁ -؛ فإنه أسلم في هذا السن، وأسلم أبواه، فقال ما حكاه الله تعالى فيه، وطلب من الله سبحانه أن يوفقه ويلهمه الشكر على ما أنعم عليه وعلى والديه من نعمة الإسلام، وأن يوفقه للعمل بما يرضاه من الأعمال الصالحة، وأن يصلح له في ذريته، فأسلموا.
ثم قال الله تعالى - مشيرًا إلى من هذه أخلاقهم، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أولهم -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].
فهذه وظيفة الكهل لأنه في سن كمل فيه عقله، وصفا فيه جوهره، ومن ثم بعث النبي - ﷺ - وأكثر النبيين على رأس الأربعين، وهو سن الكمال للصديقين والصالحين، فمن بلغ هذا السن وانحرف عن هذا السنن، فقد عاكس الحكمة، وخالف أهل الكمال، ودخل في سلك الضلال.
ومن ثم جاء عن النبي - ﷺ -: "مَنْ أَتَى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَة فَلَمْ يَغْلِبْ
_________________
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٤٤٣).
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ فَلْيَتَجَهَّزْ إِلَى النَّارِ". رواه أبو الفتح (١) الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق رحمه الله تعالى: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟
قال: [إذا] بلغتَ الأربعين، فخذ حذرك (٣).
ويروى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل ﵊ إلى النبي - ﷺ - فقال: إن الله تعالى أمر الحافظَين ﵉، فقال لهما: ارفقا بعبدي في حداثته، حتى إذا بلغ الأربعين فاحفظا وحقِّقا (٤).
فأما إذا استقام على الطريقة الشرعية لتمام الأربعين فقد وافق الحكمة.
أو من الحكمة أن يستوي في الْخُلُق من استوى خَلْقه.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
_________________
(١) في "أ" و"ت": "أبو الشيخ".
(٢) ورواه ابن بشكوال في "الصلة" (ص: ١٢١)، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٤٤٢).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (١٠/ ٣٢٩٤).
(٤) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٤٤٢) إلى ابن الجوزي في "الحدائق" وضعفه.
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].
قوله: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾؛ أي: ابتدأكم ضعفاء.
وقال قتادة: من ضعف: من نطفة.
وكأن معنى قول قتادة من ذات ضعف؛ إذ أصلها ماء مهين.
وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾: الهرم، ﴿شَيْبَةً﴾: التعمر. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
ففي الآية إشارة إلى أن ضعف الإنسان الذي ابتدئ خلقه عليه يستصحبه ينتهي إلى قوة، وهي بلوغ الأشد بالإدراك، أو ببلوغ ثمان عشر سنة، أو ثمانية وعشرين سنة، أو ثلاثين على الأقوال في الأَشُدِّ.
ثم قوته هذه تنتهي بعد استوائها ببلوغ ثلاثين سنة، أو أربعين إلى إحدى وخمسين على الخلاف أيضًا إلى ضعف، وهو الشيب والهرم.
فسن الكهولة سن الكمال، فإذا لم يكمل فيه المرء في طريق آخرته فمتى يكون كماله؟
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧].
_________________
(١) رواه الطبري في "التفسير" (٢١/ ٥٧).
[ ١٠ / ٢٦١ ]
أَفردَ طفلًا على إرادة الجنس، أو على تأويل كل واحد منكم، واللام متعلقة بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم بعد الإخراج لتبلغوا أشدكم؛ أي: يبقي من شاء منكم بدليل قوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾.
قال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل أن يكون شيخًا.
قال: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾: الشاب والشيخ.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن ربكم أنه يحييكم كما يميتكم؛ أي: ليجازيكم.
قال: وهذه لأهل مكة؛ كانوا يكذبون بالبعث. رواه ابن المنذر (١).
والمعنى: وليبلغ كل واحد منكم أجلًا له مسمى، فكل واحد منكم لا يتقدم أجله ولا يتجاوزه.
وقال الشعبي: يثغر الغلام لسبع، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين، وينتهي عقله لثمان وعشرين، ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين. رواه ابن أبي حاتم (٢).
_________________
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٣٠٥).
(٢) وذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٢٧٧). وروى نحوه ابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص: ٨) من قول عمرو بن العاص - ﵁ -. ورواه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص: ١٨٨) عن الثوري.
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
وهذا الذي ذكره الشعبي حكم الغالب.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧].
بيَّن الله تعالى في هذه الآية تقلُّب الإنسان في أطواره وأحواله من نشأته إلى بعثته ليوقن بأنه مبعوث للحساب والجزاء، وبين فيها ما تنتهي إليه الشبيبة والشيخوخة المجملتان في الآيتين السابقتين، وهو الهرم والخرف، وإذا انتهى العبد إلى هذه النهاية فَقَدَ العلم والإحساس فضلًا عن القيام بحق العمل والطاعة، فالحزم ممن بلغ الأشد وتناهى في الكهولة أن يسعى في تدارك ما ينتفع به من ذلك قبل أن يحال بينه وبينه بالهرم والخرف، أو بالموت والوفاة.
ولا يتشبه بالصبيان والشبان؛ فإن الصبا والشباب إن كانا نومًا أو جنونًا أو سكرًا فينبغي أن تكون الكهولة والشبيبة يقظة وإفاقة وصحوًا.
وما أحسن قولَ العتبي الشاعر الأديب كما حكى ابن خلكان أن
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
ابن قتيبة في "المعارف"، وابن المنجم في "التاريخ" (١) أورداه له: [من البسيط]
لَمَّا رَأتنِي سُلَيْمى قاصِرًا بَصَرِي عَنْها وَفِي الطَّرْفِ عَنْ أَمْثالِها زَوَرُ
قالَتْ عَهِدْتُكَ مَجْنُونًا فَقُلْتُ لَها إِنَّ الشَّبابَ جُنونٌ بُرْؤُهُ الْكِبَرُ (٢)
وفي الحديث المتقدم: "الشَّبابُ شُعْبةٌ مِنَ الْجُنونِ" (٣).
من محاسن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد الجرجاني قاضي البصرة أحد أصحاب الإمام الشافعي ما أنشده له النووي (٤) في "طبقاته": [من الطويل]
تَصَرَّمَ أَيَّامُ الشَّبِيبَةِ مِنْ عُمُرِي وَلَمْ أَشْفِ مِنْ أَطْرابِها لَوْعَةَ الصَّدْرِ
وَلَمْ أَقْضِ مِنْ رَيْعانِها وَطَرَ الصِّبَى لِكَثْرَةِ ما لاقَيْتُ مِنْ نُوَبِ الدَّهْرِ
وَلَمْ أَدَّخِرْ حَمْدًا يُخَلَّدُ ذِكْرُهُ عَلى الدَّهْرِ إِنَّ الْحَمْدَ مِنْ أَنْفَسِ الدُّخْرِ
وَلا صالِحِ الأَعْمالِ قَدَّمْتُ راجِيًا بِتَقْدِيْمِها قَبْلُ الْمَثُوبَةَ وَالأَجْرِ
وَلَوْ كُنْتُ أَدْرِي كَيْفَ حالِيَ بَعْدَها لَهَوَّنْتُ ما أَلْقَى وَمَنْ لِي بِأَنْ أَدْرِي
فَإِنْ يَكُ حالِيَ فِي الْمَشِيبِ عَلى الَّتِي عَهِدْتُ شَبابِيَ فَالْعَفاءُ عَلى عُمْرِي (٥)
_________________
(١) في "وفيات الأعيان": "البارع" بدل "التاريخ".
(٢) انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٤/ ٣٩٩).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) كذا في "أ" و"ت"، ولعله يريد: ابن الصلاح.
(٥) انظر: "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح (١/ ٣٧٢).
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
فأول شيء يطلب من الشيخ إذا أفاق من جنون الشباب وسكره أن يتوب إلى الله تعالى؛ فإن باب التوبة مفتوح لكل تائب ولو لشائب، وتقبل توبة العبد - وإن شاخ - إن لم يُغَرْغِر بروحه.
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي - ﷺ - قال: "لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطاياكُمُ السَّماءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ لَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ" (١).
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ فِي النَّهارِ لِيتُوبَ مُسِيْءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها" (٢).
وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وَعِزَّتكَ يا رَبِّ! لا أَزالُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أَرْواحُهُمْ فِي أَجْسادِهِمْ، فَقالَ الرَّبُّ - ﷿ -: وَعِزَّتِي وَجَلالِي! لا أَزالُ أَغْفِرُ لَهُمْ ما اسْتَغْفَرُنِي" (٣).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٤٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٩٥)، ومسلم (٢٧٥٩).
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٧٦)، وأبو يعلى في "المسند" (١٣٩٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧٦٧٢). وحسن ابن حجر إسناده في "الأمالي المطلقة" (ص: ١٣٧).
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
ولا يُسَوف بالتوبة؛ فإن التسويف بالتوبة قبيح، ومن الشيخ أقبح.
فقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأمل" عن بعض السلف أنه قال: إن أكثر صياح أهل النار من التسويف (١).
وما أحسن قولَ عبد الله بن المعتز: [من الطويل]
نسِيرُ إِلَى الآجالِ فِي كُلِّ ساعَةٍ وَأَيَّامُنا تُطْوَى وَهُنَّ مَراحِلُ
وَلَمْ نَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا فَإِنَّهُ إِذا ما تَخَطَّتْهُ الأَمانِيُّ باطِلُ
وَما أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبا فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ نازِلُ
تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيا بِزادٍ مِنَ التُّقَى فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلائِلُ (٢)
وإذا تاب فليَدُم على التوبة، وليُقبل على الطاعة، ولا يتعبد على حرف ويتطوع على جهل، بل حيث فاتت منه أيام الشباب ولم يطلب العلم ولم يتعلم، فلا ينبغي أن ييأس من رَوح الله، وتشبُّه الشيوخ بالشبان مذموم إلا بالنشاط في الطاعة وطلب العلم؛ فإنه محمود.
وروى البخاري في "تاريخه" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ لَمْ يَطْلُبِ الْعِلْمَ صَغِيرًا، فَطَلَبَهُ كَبِيرًا، فَماتَ، ماتَ شَهِيْدًا" (٣).
_________________
(١) وذكره الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ١٢).
(٢) انظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي (ص: ١٥١).
(٣) قال الذهبي في "لسان الميزان" (٥/ ٤٣٣): وهذا خبر مركب على هذا =
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
ولا يستحي من طلب العلم في الكبر حيث قصَّر في طلبه في الصغر.
وحكي أن بعض الحكماء رأى شيخًا يحب النظر في العلم ويستحيي من طلبه، فقال: يا هذا! أتستحيي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله (١).
وذكر أن إبراهيم (٢) بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في التفقه، فقال له: يا عم! ما عندك فيما يقول هؤلاء؟
فقال: يا أمير المؤمنين! شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر.
فقال: لم لا تتعلم اليوم؟
فقال: أو يحسن لمثلي طلب العلم؟
قال: نعم، والله لأن تموت طالبًا للعلم خير من أن تعيش قانعًا بالجهل.
قال: وإلى متى يحسن لي طلب العلم؟
قال: ما حسنت لكم الحياة (٣).
_________________
(١) = الإسناد، وعبد الجبار ومن فوقه رجال الصحيح، ومحمد بن يعقوب لا أعرفه ويحتمل أن يكون الفرغاني.
(٢) وهو سقراط، كما رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٦٨).
(٣) في "الفقيه والمتفقه": "منصور" بدل "إبراهيم".
(٤) رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٦٧).
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
ولا يخفى أن طلب العلم إذا كان يفيد فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى، والابتداء بالفضيلة فضيلة، كما قال أبو الحسن الماوردي (١).
وروى الخطيب في "شرف أهل الحديث" عن أبي عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى قال: سئل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما عن الرجل يكون له ثمانون سنة يحسن يكتب الحديث؟
قال: إن كان يحسن أن يعيش (٢).
وقوله: (يحسن) حَذَفَ منه حرف الاستفهام؛ يعني: أيحسن منه أن يكتب وقد بلغ الثمانين؟
فقال: إن كان يحسن أن يعيش كان من حسن عيشه أن يكتب؛ وأي عيشة أحسن من عيشة العلماء بأحاديث النبي - ﷺ -؟
وروى الدينوري في "المجالسة" عن معاوية بن بجير قال: أوحى الله تعالى إلى داود النبي ﵇: يا داود! اتخذ نعلين من حديد، وعصا من حديد، واطلب العلم حتى تنخرق نعلاك وتتكسَّر عصاك (٣).
وفي هذا إشارة إلى أن طلب العلم يحسن في الشبيبة وفي الشيبة، ويحسن من العالم كما يحسن من الجاهل بأن يزداد إلى
_________________
(١) انظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي (ص: ٣٦).
(٢) رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (ص: ٦٩).
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
عليه؛ فإن العلم لا نهاية له.
وفي الحديث المتقدم: إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحال فهو شهيد (١).
ومن ثم قال الإمام أحمد - ﵁ -: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر. رواه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث"، وعبد الكريم السمعاني في "ذيل تاريخه" (٢).
وروى أبو نعيم عن فَرقد إمام جامع البصرة قال: دخلوا على سفيان الثوري رحمه الله تعالى في مرضه الذي مات فيه، فحدثه رجل بحديث، فأعجبه، وضرب بيده إلى تحت فراشه، فأخرج ألواحًا له، فكتب ذلك الحديث، فقالوا له: على هذه الحالة منك؟
فقال: إنه حسن؛ إن بقيت فقد سمعت حسنًا، وإن مت فقد كتبت حسنًا (٣).
وجرى نحو ذلك لأبي جعفر الطبري، فذكر المعافى بن زكريا في "الجليس والأنيس" الدعاء الذي أسنده إلى جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: يا سابق الفوت! ويا سامع الصوت! وكاسي العظام بعد الموت!
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (ص: ٦٨).
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٦٤).
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
ثم قال المعافى: وذكر لي بعض بني الفرات عن رجل منهم، أو من غيرهم: أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري قبيل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها، فذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى بمحبرة وصحيفة، فكتبها، فقيل له: أوفي هذه الحال؟
فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى يموت (١).
وروى الخطيب عن ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه قيل له: إلى كم تكتب الحديث؟
قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد (٢).
ولو لم يستفد الشيخ من التعلم إلا التخلص من وصمة الجهل وعاره، فإنه لا يذم شيخ جاهل بأقبح من جهله.
ولقد قدمنا قول عروة بن الزبير: ماذا أقبحُ من شيخ جاهل (٣)؟
وروى الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" - واللفظ له - والطبراني في "الأوسط" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ ثَلاثةً: الْغَنِيَّ الظَّلُومَ، وَالشَّيْخَ الْجَهُولَ، وَالعالِمَ الزَّهُوَّ الْمُحْتالَ" (٤).
_________________
(١) رواه المعافى بن زكريا في "الجليس الصالح والأنيس الناصح" (ص: ٣٤٢).
(٢) رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (ص: ٦٨).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) رواه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" (ص: ٤٩٩)، =
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
وروى ابن السني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنَ الْحِكْمَةِ كَبَيتٍ خَرِبٍ، فتعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا، وَتَفَقَّهُوا، وَلا تَمُوتُوا جُهَّالًا؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَعْذُرُ عَلى الْجَهْلِ" (١).
وروى الرامهرمزي، والخطيب من طريق أبي صالح الطرسوسي عن أبي جعفر محمد بن محمد بن عقبة الشيباني: ثنا معروف بن حاتم البزار المقرئ: سمعت غنام بن علي: سمعت الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ لم يقرأ القرآن، ولم يكتب الحديث، فاصفح له (٢)؛ فإنه من شيوخ القراة (٣).
قال أبو صالح: قلت لأبي جعفر: ما شيوخ القراة؟
قال: شيوخ مقريون (٤) يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس، ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة (٥).
_________________
(١) = والطبراني في "المعجم الأوسط" (٥٤٥٨). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ١٣١): فيه الحارث الأعور، وهو ضعيف، وقد وثق.
(٢) ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٤٥٩٠).
(٣) في "المحدث الفاصل": "فاصفعه"، وفي "شرف أصحاب الحديث": "فاصفع له" بدل "فاصفح له".
(٤) في "المحدث الفاصل": "القمراء"، وفي "شرف أصحاب الحديث": "القمر" بدل "القراة".
(٥) في مصدري التخريج: "دهريون" بدل "مقريون".
(٦) رواه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٣٠٦)، والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (ص: ٦٧).
[ ١٠ / ٢٧١ ]
وروى الرامهرمزي عن محمد بن عبيد قال: جاء رجل وافر اللحية إلى الأعمش يسأله عن مسألة من مسائل الصلاة يحفظها الصبيان، فالتفت إلينا الأعمش فقال: انظروا لحيته؛ يحتمل حفظ أربعة آلاف حديث، ومسألته مسألة الصبيان (١).
وروى الخطيب عن سفيان رحمه الله تعالى: أنه كان إذا رأى شيخًا لم يكتب الحديث قال: لا جزاك الله عن الإسلام خيرًا (٢).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الفرج"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه، والبيهقي عنه، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ تَعالَى؛ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعالَى نَفَحاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعاتِكُمْ" (٣).
_________________
(١) رواه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٣٠٦).
(٢) رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (ص: ٦٧).
(٣) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ٢٩٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٦٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١١٢١)، وكذا الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٢٠) عن أنس - ﵁ -. ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١١٢٣) وقال: هذا هو المحفوط دون الأول - يعني حديث أنس -، وابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة" (٢٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
فإذا لم يطلب العبد الخير والعلم من أفضل الخير في كل دهره فلا ينبغي أن يفوته في شيبته وعند انتهاء أجله؛ فإن الأعمال بالخواتيم.
- ومن أحسن أخلاق الشيوخ، وأهم ما يطلب منهم: رقة القلب، ورحمة الخلق لأنهم أحوج الناس إلى رحمة الله تعالى؛ فإنهم أقرب إلى الموت، و"إِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ"، كما في "الصحيحين" عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (١)، فإذا غلبت الشفقة والرحمة على الشيخ مع الإيمان كانت دليل رحمة الله تعالى، وإذا غلبت القسوة على الشيخ كانت دليل سخط الله تعالى.
ومن ثم كان يقال: خمس خصال هن أقبح شيء فيمن بن فيه: العدة في السلطان، والكبر في ذي الحسب، والبخل في الغني، والحرص في العالم، والقسوة في الشيخ.
وثلاث أحسن شيء فيمن بن فيه: تؤدة في غير ذل، وجود بغير ثواب، ونَصَب لغير الدنيا.
رواه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" عن زيد الكوفي، عن رجل من أهل العلم (٢).