وروى ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الشَّيْخَ الغِرْبِيبَ" (١)؛ أي: الْمُتَشَبِّهَ بِالغُرابِ فِي سَوادِ الشَّعْرِ.
واعلم أن الشيخ متى اتبع الهوى، وتشبه في ذلك بأهل الصبا فعصى وطغى، وتمرد وبغى، كان شيطانًا في صورة إنسان؛ فإن الإنسان كلما كبر ازداد خيره، والشيطان كلما كبر ازداد شره.
وروى ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" عن مجاهد قال: قال
_________________
(١) رواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٥٦) وأعله برشدين بن سعد.
[ ١٠ / ١٩٥ ]
إبليس: جعل لنا أنا نرَى ولا نُرى، وأن نخرج من تحت الثرى، وأن يعود كهلُنا فتى (١).
وروى الديلمي عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ لَمْ يَرْعَوِ عِنْدَ الشَّيْبِ، وَلَمْ يَسْتَحْيِ مِنَ العَيْبِ، وَلَمْ يَخْشَ اللهَ فِي الغَيْبِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حاجَةٌ" (٢).
وحيث كان الشيخ بهذه الصفة فلا يصلح للاقتداء به لأنه شيطان في صورة إنسان.
ولذلك قال أبو حازم رحمه الله تعالى: لا تقتد بمن لا يخاف الله بظهر الغيب، ولا يعف عن العيب، ولا يصلح عند الشيب. رواه أبو نعيم (٣).
ولا يعارض ما قدمناه ما رواه الدينوري في "المجالسة" عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن قال: لقد رأيت بالمدينة مشيخة في زي الفتيان لهم الغدائر، وعليهم الموردة والمعصفرة، في أيديهم المخاصرة فيها أثر الحناء، ودين أحدهم أبعد من الثريا إذا أريد دينه (٤).
فإن ربيعة رضي الله تعالى عنه لم يُرِد بذلك الثناء عليهم بالتشبه
_________________
(١) وانظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٢٧).
(٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٥٩٤٦).
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٣٠).
(٤) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: ٩٠).
[ ١٠ / ١٩٦ ]
بالفتيان، وإنما أراد مدح الزمان المتقدم على زمانه بأن جهالهم كانوا أحرص على دينهم من عقلاء زمانه.
وهذا لم يختص به ربيعة، بل كل من قايس أهل زمانه بأهل الزمان المتقدم قبله وجد أهل زمانه دون أهل الزمان المتقدم في الحرص على الدين، وفي كل خير.