هي أن العبد المسلم متى كان فيه خلق كريم وصدق في الإيمان، فقد يُصْلِح الله تعالى بذلك الخلق كثيرًا من مفاسده، وليس من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ومن شأن العبد المؤمن تأول أحوال أخيه المسلم التي يراها مخالفة، ومعرفة حقه في أحواله الموافقة، وحمله أخيه على أحسن الأحوال، واتهام نفسه واحتقارها دون أخيه، وقصة أبي محجن شاهد عجيب على صدق ما قررته.
وقد قال ابن عبد البر: ومن رواية أهل الأخبار أن ابنًا لأبي محجن الثقفي دخل على معاوية رضي الله تعالى عنه، فقال له معاوية:
_________________
(١) وانظر: "الأغاني" للأصبهاني (١٩/ ١٤)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٧٤٩).
[ ١٠ / ١٦٥ ]
أبوك الذي يقول: [من الطويل]
إِذا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظامِي بَعْدَ مَؤْتِيَ عُروقُها
وَلا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلاةِ فَإِنَّنَي أَخافُ إِذا ما مِتُّ أَنْ لا أَذُوقَها
فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره.
قال: وماذا؟
قال: قوله: [من البسيط]
لا تَسْأَلِ النَّاسَ عَنْ مالِي وَكَثْرتِهِ وَسائِلِ النَّاسَ عَنْ حَزْمِي وَعَنْ خُلُقِي
القَوْمُ أَعْلَمُ أَنِّي مِنْ سَراتِهِمُ إذا تطيشُ يدُ الرِّعْديدة الفَرِقِ
قَدْ أَرْكَبُ الْهَوْلَ مَسْدُولًا عَساكِرُهُ وَكتُمُ السِّرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ الْعُنُقِ
أُعْطِي السِّنانَ غَداةَ الرَّوْعِ حِصَّتَهُ وَعامِلَ الرُّمْحِ أَرْويهِ مِنَ الْعَلَقِ
وَأَطْعَنُ الطَّعْنَةَ النَجْلاءَ قَدْ عَلِمُوا وَأَحْفَظُ السِّرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ الْعُنُقِ
عفُّ الْمَطالِبِ عَمَّا لَسْتُ نائِلَهُ وَإِنْ ظُلِمْتُ شَدِيدُ الْحِقْدِ وَالْحَنَقِ
وَقَدْ أَجُودُ وَما مالِي بِذِي قَنَع وَقَدْ أَكِرُّ وَراءَ الْمُحْجِبِ الْفَرِقِ
وَالقَوْمُ أَعْلَمُ أَنَّي مِنْ سَراتِهِمُ إِذا سَما بَصَرُ الرِّعْدِيدِ لِلشَّفَقِ
فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: لئن أسأنا القول لنُحسننَّ الصِّلة.
ثم أجزل جائزته، وقال: إذا ولدت النساء فلتلد مثلك.
قال ابن عبد البر: وزعم الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر
[ ١٠ / ١٦٦ ]
أبي محجن بأذربيجان، أو قال: في نواحي جرجان، وقد نَبَتَ عليه ثلاث أصول كرم، وقد طالت وأثمرت، وهي معرشة على قبره، مكتوب على القبر: هذا قبر أبي محجن.
قال: فجعلت أتعجب، وأذكر قوله:
إِذا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظامِي فِي الْمَماتِ عُروقُها (١)
وإنما استوفيت هنا أخبار أبي محجن رضي الله تعالى عنه بعض الاستيفاء لما في قصته من تهييج نفوس الرجال إلى آثار الرجولية في محازها؛ فإن الشجاعة والكرم من أفضل أحوال الرجال دون النساء.
نعم، لو أريدت المرأة على بُضْعها، أو على نفسها من قبل غير حليلها لشجعت، ودفعت عنها، فليس ذلك من الشجاعة التي تختص بالرجال، ولا تكون مذمومة منها.
وكذلك لو خرجت المرأة الكبيرة مع المجاهدين لمداواة الجرحى ونحو ذلك لم يضر؛ كما صح ذلك عن نساء الأنصار وغيرهن، وذلك حيث الضرورة، وأما الغالب فأحسن أحوال المرأة أن تكون بعيدة التشبه من الرجال؛ ألا ترى أن الشرع فرَّق بين الرجال والنساء في كثير من العبادات، ولذلك تضم أعضاءها في السجود، وتلصق بطنها بفخذيها،
_________________
(١) انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٧٤٩ - ١٧٥٠).
[ ١٠ / ١٦٧ ]
وكذلك تضم في الركوع، والرجل يجافي يديه عن جنبيه، ويقل بطنه عن ركبتيه، وهو يسبح إذا نابه في صلاته وهي تصفق، كما روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ" (١).
والمرأة تستر جميع بدنها في الصلاة إلا الوجه والكفين، والرجل لا يجب عليه إلا ستر السرة والركبة وما بينهما.
ولا يطلب من المرأة الجهر في القراءة، ولا يسن لها الأذان بخلاف الرجل.
والرجل يؤم الرجل، والمرأة لا تؤم الرجل، وتؤم النساء وتقف وسطهن، والرجل يقف أمام الرجال وغيرهم.
وأفضل صلاة المرأة في قعر بيتها، وأفضل صلاة الرجل في المسجد إلا النوافل.
وزيارة القبور للرجال سنة، وهي للنساء مكروهة.
ولا تلي المرأة الخلافة، ولا السَّلْطنة، ولا الإمارة، ولا القضاء، ولا عقد النكاح عند الأكثرين، ولا تملك الطلاق، ولا الرجعة إلى غير ذلك.
فهذه الأحكام ليس لكل من الرجل والمرأة أن يتشبه بالآخر فيما اختص به منها.
وفي الحديث: "طاعَةُ النساءِ نَدامَةٌ" (٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٣٥٧).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
وفي الحديث الآخر: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْم تَمْلِكُهُمُ امْرَأةٌ" (١).
وفي لفظ: "وَلَّوْا أَمْرَهَمُ امْرَأةً" (٢).
وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
ومن ثم كان الطلاق، والظِّهار، والإيلاء من قبل الرجل دون المرأة، وكانت الرجعة للرجل دون المرأة، فلو دخل الرجل تحت طاعة المرأة فقد عكس الحكمة، وخالف الشريعة.
وقال الحسن: ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تشتهي إلا أكبَّه الله في النار. رواه الإمام أحمد، وغيره (٣).
وأما قول القائل: الرجال عند أغراضهم نساء، فهو من أمثال العامة لا يؤخذ به ولا يلتفت إليه، وإن وقع ممن يعتد به، فمعناه أن الرجل إذا كان له غرض صحيح في شيء أظهر من أخلاقه خلاف ما هو مطلوب منه [] (٤) ذلك المطلوب من غير إثم.