لأن في طي ذلك الدعوى بالإحاطة بكل علم، وهذا إنما هو لله تعالى.
ولقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ومن ثم كان الكامل عند العلماء من لا يستحيي أن يقول: لا أدري، أو: لا أعلم.
وروى البيهقي في "المدخل" عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْرًا، وإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا، [وإنَّ من الشعرِ حكمًا]، وإِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا".
فقال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله -ﷺ-.
_________________
(١) انظر: "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح (٢/ ٦٤١).
(٢) رواه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (ص: ٤٣٦).
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
أما قوله: "إِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا" يتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلمه فيجهله ذلك.
وأما قوله: "وَإِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا" [فعرضك كلامك] (١) وحديثك على من ليس من شأنه، ولا يريده (٢).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن المدائني قال: قال بعض الحكماء: لا تقل فيما لا تعلم؛ فتتهم فيما تعلم (٣).
وقال ابن عطاء الله في "حِكَمِهِ": من رأيته مجيبًا عن كل ما يسأل، ومعبِّرًا عن كل ما شهد، وذاكرًا كلَّ ما عدم، فاستدل بذلك على وجود جهله (٤).
وتقدم قول الجد رحمه الله تعالى: [من مجزوء الرجز]
يا جاهِلًا وَهْوَ لأَهـ ـلِ الْعِلْمِ لا يُسَلِّمُ
ارْجِعْ إِلَى الْحَقِّ وإِنْ سُئِلْتَ قُلْ لا أَعْلَمُ