[ ١٠ / ١٤٧ ]
(٣) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢].
تتضمن هذه الآية الإشارة إلى النهي لكل من الرجال والنساء أن تتشبه بالطائفة الأخرى فيما اختصت به.
واعلم أن أكثر الناس أماني النساءُ، فهن يتمنين كل شيء يخطر لهن ولا يخشين العواقب، فربما تمنت الواحدة منهن الشيء يكون فيه ضررها أو هلاكها، والرجل إذا أكثر من الأمنيات كان أشبه شيء بهنَّ، والأكمل للرجل والمرأة جميعًا أن يحب كل واحد منهما ما أحب الله له، فإذا تمنى فلينظر ماذا يتمنى من خير لائق به.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم: ٢٤]؛ أي: لا يكون له كل ما يتمناه، فربما يتمنى شيئًا ولم يعطه، فتكتب عليه أمنيته فيما لا يعنيه، ويزداد أسفًا لعدم حصوله، وقد يعطى الأمنية، وتكون عاقبتها وخيمة، فيندم.
قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
[ ١٠ / ١٤٩ ]
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِذا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ ما يَتَمَنَّى؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي ما يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَّتِه" (١).
فمن ذلك قول المرأة لولدها: ليتك بك من السوء كذا، أو: ليتني أراك كذا، أو: أرى فيك كذا، فربما أعطيت في نفسها، أو ولدها، أو مالها شيئًا تكلمت به في حال العدة والغضب، وكان عاقبته وخيمة، وهو من عوائد النساء، وهو من الرجال أقبح.
فإن تجاوزا ذلك إلى الدعاء كان أشد خطرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
وقال رسول الله - ﷺ -: "لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ؛ لا تُوافِقُوا مِنَ اللهِ ساعَةً فِيها إِجابَةٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ".
رواه أبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه (٢).
وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٥٧)، وكذا الطيالسي في "مسنده" (٢٣٤١).
(٢) رواه أبو داود (١٥٣٢).
[ ١٠ / ١٥٠ ]
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: هن النساء؛ فرَّقَ بين زيهنَّ وزي الرجال، ونَقَصَهنَّ من الميراث والشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسمَّاهن الخوالف؛ أي: في قوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]. رواه عبد بن حميد (١).
وقال قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. رواه ابن جرير، وغيره (٢).
وروى البخاري، والأربعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (٣).
وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لعن رسول الله - ﷺ - الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل (٤).
_________________
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٣٧٠).
(٢) رواه الطبري في "التفسير" (٢٥/ ٥٧).
(٣) رواه البخاري (٥٥٤٦)، وأبو داود (٤٠٩٧)، والترمذي (٢٧٨٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٩٢٥١)، وابن ماجه (١٩٠٤).
(٤) رواه أبو داود (٤٠٩٨)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٩٢٥٣)، وابن ماجه (١٩٠٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٧٥١)، والحاكم في "المستدرك" (٧٤١٥).
[ ١٠ / ١٥١ ]
وروى الإمام أحمد - قال المنذري: وهو حسن - عنه قال: لعن رسول الله - ﷺ - مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال؛ قال: وراكب الفلاة وحده (١).
وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن امرأة مرت على رسول الله - ﷺ - متقلدة قوسًا، فقال: "لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ، وَالْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ" (٢).