الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٣ - ٩٤].
٣ - ومن التشبه المذموم من الأغنياء بالفقراء: أن يكون للرجل طَول وسعة، ولا يتزوج رغبة عن السنة، أو شحًا، أو بخلًا، لا للانقطاع عن العبادة.
روى النسائي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنته، عن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ كانَ ذا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لا فَالصَّوْمُ لَهُ وِجاءٌ" (١).
وبالجملة فكل من وجد سعة، وتأخر عن عمل بر يمكنه التوصل إليه بسعته، وقصَّر عنه شحًا أو بخلًا، أو خوفًا من الفقر، فهو داخل في هذا الباب، غير واثق بوعود الله تعالى، مأخوذ بغرور الشيطان؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾؛ أي: يخوفكم منه حين تنفقون، فيقول لكم: لا تنفقوا، أو: لا تكثروا الإنفاق؛ فإن الزمان طويل، فتصرفون ما معكم، ولعلكم لا تكسبون غيره فتبقوا فقراء.
وأكثر ما يؤثر وعده الفقر فيمن كان معدمًا ثم وجد، ولذلك ترى الأغنياء الذين غناهم حادث أشد إمساكًا وحرصًا على ما بأيديهم، وإذا صرفوا شيئًا كانوا أشد أسفًا وحرصًا على ما بأيديهم، وإذا صرفوا شيئًا
_________________
(١) رواه النسائي (٢٢٤٣).
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
كانوا أشد أسفًا عليه من غيرهم، وأكثر منًّا به وذكرًا له.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: ألا أخبركم بأفضل الحسرات؛ يعني: بأشدها؟ رجلٌ جمع درهمًا إلى درهم، وقيراطًا إلى قيراط، ثم مات وورثه غيره، فوضعه في حقه، أو أمسكه في حقه (١).
وبالجملة فالسخاء محمود من الغني والفقير لأن عمدة السخي في حالة الثقة بالله تعالى وبموعوده؛ فإنه سبحانه يخلف نفقة المنفقين.
والبخل مذموم من الغني والفقير؛ لأن أصل إمساك البخيل خوف الفقر، وهو من وحي الشيطان ووعده.
ولقد أحسن القائل: [من البسيط]
لا تَبْخَلَنَّ بِدُنْيا وَهْيَ مُقْبِلَةٌ فَلَيْسَ يُنْقِصُها الإِنْفاقُ وَالسَّرَفُ
وَإِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِها فَإِنَّ مِنْها إِذا ما أُنْفِقَتْ خَلَفُ (٢)
***
_________________
(١) ورواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٣٨).
(٢) انظر: "روضة العقلاء" لابن حبان (ص: ٢٦٢)، وعنده: "التبذير" بدل "الإنفاق"، و"فالحمد" بدل "فإنَّ منها".
[ ١٠ / ٣٠٦ ]