[ ١٠ / ١٨١ ]
(٤) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ الرّجَال بِالصِّبيَانِ
وهو مذموم، وعكسه محمود.
اعلم أن تشبه الرجل الكامل - شابًا، أو كهلًا، أو شيخًا - بالصبي الصغير في اللعب واللهو، وما هو شأن الصغار نزولٌ من أفق العقل إلى حضيض الحماقة والجهل، وهو مما يعلم ضرورة.
ولقد تكلف بعضهم عن بعض المباحات التي هي بالصغار أليق خشية من الوقوع فيما وراء ذلك، كما روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: أنه أتي بخبيص فلم يأكله، وقال: هذا طعام الصبيان (١).
ومن النهي عن التشبه بالصبي ما أخرجه ابن جرير، والبيهقي عن أسلم رحمه الله تعالى قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: يا أسلم! لا يكن حبك كَلَفًا، ولا بغضك تلفًا.
قلت: وكيف؟
قال: إذا أحببت فلا تَكْلَفْ كما يَكْلَف الصبي بالشيء يحبه، وإذا
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٢٣٤).
[ ١٠ / ١٨٣ ]
أبغضت فلا تبغض بغضًا تحب أن يتلف صاحبك ويهلك (١).
قلت: ومحل ذلك في المحبة من الخلق إلى محبة الله تعالى، وكلما زاد العبد حبا لله تعالى كما زاد بها قربا من الله - ﷿ - ولو صارت كَلَفًا؛ فإنها تزداد حسنًا ويزداد بها صاحبها كمالًا، كما روي أن الله تعالى وصف أولياءه ببعض أنبيائه، فقال: الذين كلفوا بحبي كما يكلف الصبي بالشيء، ويأوون إلى ذكري كما يأوي الطير إلى وَكْره، ويغضبون لمحارمي كما يغضب النمر إذا حرب؛ فإنه لا يبالي أَقَلَّ الناسُ أم كثروا (٢).
قال أبو طالب المكي، وأبو حامد الغزالي رحمهما الله تعالى بعد أن ذكرا هذا الأثر: فتدبر هذه الأمثال: إن الصبي إذا كلف بالشيء لم يفارقه، فإن نام فمعه، وإن تحرك فبه، وإن هَبَّ من نومه فعنه، فإن فارقه بكى عليه، وإن وجده ضحك إليه، ومن نازعه فيه أبغضه، ومن أعطاه إياه أحبه، وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا الصياح والبكاء عليه حتى يرد إليه.
قالا: وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب لنفسه حتى يبلغ من شدة غضبه أن يقتل نفسه (٣).
_________________
(١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦٥٩٨)، وكذا البخاري في "الأدب المفرد" (١٣٢٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٢٧٥) عن زيد بن أسلم عن نبي من أنبياء الله صلوات الله عليهم.
(٣) انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٣٣٤).
[ ١٠ / ١٨٤ ]
وذلك أنه يغيب الخلق عنه حتى نفسه فلا يعقل ما فعل، وعلم من هذا أيضًا من أبغض أحدًا لمعصية الله تعالى جاز له أن يصل في البغضاء إلى التلف إذا كانت معصيته توجب ذلك كبغض الكفار حتى يسعى المسلمون في قتالهم، وإزهاق نفوسهم وأرواحهم، ومن هنا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾] الأنفال: ٦٥].
فالتشبه بالصبيان الأطفال مما تنهى عنه بَوادِهُ العقل إلا فيما استثني من الكَلَف بحب الله تعالى، وحب ما يقرِّب إليه من علم وعبادة، فلا معنى للإطالة في النهي عن ذلك، وإنما نتكلم الآن في هذا الباب في تشبه الشيخ والكهل بالشاب.
روى أبو يعلى، والطبراني، والدينوري عن واثلة، وابنُ عدي عن ابن مسعود، والبيهقيُّ في "الشعب" عن أنس، وعن ابن عباس قالوا - ﵃ -: قال رسول الله - ﷺ -: "خَيْرُ شَبابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِكُهُولكُمْ، وَشَرُّ كُهُولكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشَبابِكُمْ" (١).
_________________
(١) رواه أبو يعلى في "المسند" (٧٤٨٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٨٣)، والدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: ١٩٥) عن واثلة بن الأسقع - ﵁ -. وابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٥٤) عن عمر - ﵁ -، وقال: موضوع. و(٢/ ٣٠٧) عن أنس - ﵁ -. والبيهقيُّ في "شعب الإيمان" (٧٨٠٥) عن أنس - ﵁ -، و(٧٨٠٦) عن ابن عباس - ﵁ -.
[ ١٠ / ١٨٥ ]
وقلت في معناه: [من الخفيف]
إِنَّ خَيْرَ الشَّبابِ مَنْ يَقْتَدِي بِالْكُهُو لِ أَوْ بِالشُيُوخِ فِي الإِحْسانِ
ثُمَّ شَرُّ الْكُهُولِ كَهْلٌ تَراهُ يَتَحَلَّى بِحِلْيَةِ الشُّبَّانِ
وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ ابْنَ سَبْعِينَ فِي أَهْلِهِ، ابْنَ عِشْرِينَ فِي مِشْيتِهِ وَمَنْظَرِهِ" (١).
وروى الديلمي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ ابْنَ عِشْرِينَ إِذا كانَ شِبْهَ ابْنِ ثَمانِينَ، وَيُبْغِضُ ابْنَ السِّتِّينَ إِذا كانَ شِبْهَ ابْنِ العِشْرين" (٢).
وإذا كان المتشبه من الكهول والشيوخ بأبناء العشرين مذمومًا مبغضًا إلى الله تعالى، فما ظنك بالمتشبه منهم بأبناء العشر والسبع؟
ومن المعلوم أنه لا رخصة لبالغ عاقل كامل العقل في معصية الله تعالى - سواء كانت صغيرة أم كبيرة، وسواء كان هو شابًا أو كهلًا أو شيخًا - ولكن جرت العادة بأن يقام للشاب من العذر ما لا يقام للكهل
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٥٧٨٢) وقال: لا يروى عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٧١): فيه موسى ابن محمد بن إبراهيم بن الحارث، وهو ضعيف.
(٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٥٧٣).
[ ١٠ / ١٨٦ ]
والشيخ، وجاء الشرع بتقرير هذه العادة، والسبب في ذلك أن بعض الشباب تغلب عليه الحرارة والرطوبة، فتغلب عليه الشهوة ويشتد به الهوى، ومن ثم كان خلاص الشباب من موجبات الهوى أمرًا عجيبًا حتى قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَة". رواه الإمام أحمد، والطبراني عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه (١).
والتعجب من الله تعالى بمعنى الاستحسان والرضا (٢).
وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ تَعالَى يُحِبُّ الشَّابَّ الَّذِي يُفْنِي شَبابَهُ فِي طاعَةِ اللهِ تَعالَى" (٣).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٥١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٣٠٩). وحسن الهيثمي إسناده في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٧٠). لكن قال أبو حاتم: إنما هو موقوف. انظر: "العلل" لابن أبي حاتم (٢/ ١١٦).
(٢) قال أبن قدامة المقدسي في "لمعة الاعتقاد" (ص: ١٢): - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره - فهذا وما أشبهه، مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وكل ما تخيل في الذهن، أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه.
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٣٦٠) وقال: غريب.
[ ١٠ / ١٨٧ ]
وفي حديث "الصحيحين" المتقدم: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ: إِمامٌ عادِلٌ، وَشابٌّ نَشَأَ فِي عِبادَةِ اللهِ". الحديث (١).
ومع هذا فقد جاء التحذير من غوائل الشباب، حتى قال النبي - ﷺ -: "الشَّبابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ" (٢).
شبهه بالجنون تقبيحًا لأمره، وتنفيرًا عن العمل بمقتضاه.
وقال أبو العتاهية: [من الرجز]
إِنَّ الشَّبابَ وَالفَراغَ وَالْجِدَةْ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيَّ مَفْسَدَة
وروى أبو أحمد العسكري في "المواعظ" عن قبيصة بن جابر الأسدي: أنه تكلم بين يدي عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: يا قبيصة! إنك لَسِنُ اللسان، فسيح الصدر؛ فاتق عثرات الشباب، وفلتات الغضب، ونوادر الكلام (٣).
وإذا اتقى العبد عثرات الشباب، وطلب المعونة في ذلك من الله تعالى فقد يكون ذلك سببًا لتوفيقه في كهولته وشيخوخته.
قال القشيري رحمه الله تعالى في جزء جمع فيه كلام أبي علي الدقاق رحمه الله تعالى: وسمعته يقول: من ملك شهوته في حال شبيبته صيَّره الله تعالى في حال كهولته كيوسف ﵇؛ قال الله
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٩/ ٢٤٦).
[ ١٠ / ١٨٨ ]
تعالى: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] (١).
وأما سن الكهولة فإنه يكون الإنسان فيه في غاية الاعتدال، ويتم فيه عقله، وترسَخُ فيه طبيعته، ويستوي أشده، ولذلك لم يبعث الله تعالى نبيًا إلا على رأس الأربعين إلا ما كان من عيسى ويحيى ﵉.
وقوله - ﷺ -: "ما بَعَثَ اللهُ نبِيًّا إِلاَّ شابًّا". رواه ابن مردويه، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٢)؛ معناه: كامل الشباب، وذلك في سن الأربعين.
و[قال عبد الله بن داود]: كان كثير من السلف في أمر دنياهم، حتى إذا بلغوا أربعين سنة طوى فراشه (٣).
وروى أبو أحمد العسكري في "المواعظ" عن هلال بن يساف (٤) قال: كان الرجل من أهل المدينة إذا بلغ أربعين سنة تفرغ لعبادة ربه (٥).
_________________
(١) وانظر: "ذم الهوى" لابن الجوزي (ص: ٣١).
(٢) رواه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (١٠/ ١٥)، وكذا الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٧٧).
(٣) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: ٢٧).
(٤) في "أ" و"ت": "سنان" بدل "يساف".
(٥) ورواه هناد في "الزهد" (٢/ ٣٥٦).
[ ١٠ / ١٨٩ ]
وعن هذا كني عبد الله بن داود بطَيِّ الفراش.
فمن بلغ سن الاعتدال فلم يعتدل في طاعة الله تعالى، فذلك دليل تفريطه في جنب الله تعالى، وغلبة الهوى على عقله، لكنه في وقت التدارك والحذر والخوف.
قال الشيخ زين الدين بن رجب في "لطائفه": وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ تَعالَى يَقُولُ لِلْحَفَظَةِ: ارْفَقُوا بِعَبْدِي ما دامَ فِي حَداثَتِهِ، فَإِذا بَلَغَ الأَرْبَعِينَ فَحَقِّقا وَتَحَفَّظا".
وكان بعض رواته يبكي عند روايته، ويقول: كبرت السن، ورق العظم، ووقع التحفظ (١).
وقال مسروق: إذا بلغت الأربعين فخذ حَذَرَك (٢).
وأخرجه أبو أحمد العسكري في "المواعظ" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وأنشد لابن دريد: [من المتقارب]
إِذا ما الفَتَى جاوَزَ الأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَعْقُبِ النَّقْصَ مِنْهُ الكَمالا
وَلَمْ يَتْبَعِ الْعُصْبَةَ الزَّاهِدِينَ وَينْفِي الْحَرامَ وَيبْغِي الْحَلالا
فَلا تَرْجُهُ طُولَ أَيَّامِهِ فَلَيْسَ يَزِيدك إِلاَّ خَبالا
_________________
(١) وهو أبو سنان، كما في "الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح" لابن الجزري (ص: ٣٦).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (١٠/ ٣٢٩٤).
[ ١٠ / ١٩٠ ]
وأما سن الشيخوخة فيغلب على الإنسان فيه البرودة واليبس، فتخف عنه الشهوة وتضعف، فلا يبقى لصاحبه عذر في اتباع الهوى، وهو السن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
روى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أَعْذَرَ اللهُ - ﷿ - إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً" (١).
وروى عبد بن حميد عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِذا بَلَغَ العَبْدُ سِتِّينَ سَنةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْهِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ" (٢).
وروى أبو نعيم عن وهب رحمه الله تعالى قال: قرأت في بعض الكتب: إن لله مناديًا ينادي من السماء الرابعة كل صباح: أبناء الأربعين! زَرْعٌ قد دنا حصاده، أبناء الخمسين! ماذا قدمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الستين! لا عذر لكم، ليت الخلق لم يخلقوا، وإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا، قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٥٦).
(٢) ورواه الروياني في "مسنده" (١٠٦٨) (ص: ٢/ ٢١٧)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٠٦): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وكذا رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٦٠١) لكنه قال: "سبعين" بدل "ستين".
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٣٣).
[ ١٠ / ١٩١ ]
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم عن سويد الكلبي: أن زِرَّ بن حُبيش رحمه الله تعالى كتب إلى عبد الملك بن مروان كتابًا يعظه، وكان في آخره: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول الحياة صحة بدنك، وأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون: [من الرجز]
إِذا الرِّجالُ وَلَدَتْ أَوْلادُها وَبَلِيَتْ مِنْ كِبَرٍ أَجْسادُها
وَجَعَلَتْ أَسْقامُها تَعْتادُها تِلْكَ زُرُوعٌ قَدْ دَنا حَصادُها
فلما بلغ عبد الملك الكتاب بكى حتى بل طرف ثوبه (١).
ويعجبني في هذا الباب قول البهاء زهير: [من مجزوء الكامل]
أَتُرِيدُ بَعْدَ الشَّيْبِ مِنِّي شِـ ـرَةَ الطَّرَبِ الْخَلِيع
لا لا وَحَقِّ اللهِ ما أَنا بِالسَّمِيعِ وَلا الْمُطِيعِ
إِنْ كُنْتَ تَرْجِعُ أَنْتَ بُعَيْـ ـدَ الشَّيْبِ فَايْئَسْ مِنْ رُجُوعِ
كَيْفَ الرُّجُوعُ وَقَدْ رَأَيْتَ الـ ـرِّيحَ تَلْعَبُ بِالزُّرُوعِ
عارٌ رُجُوعُكَ بَعْدَ ما عايَنْتَ حِيطانَ الرُّبُوعِ
وَحَلَلْتَ فِي ظِلِّ الْجَنا بِ الرَّحْبِ وَالْعِزِّ الْمَنِيعِ
ومن ثم عظم إثم الشيخ الزاني - وإن كان الزنا من كل أحد عظيمًا - إلا أنه من الشيخ أعظم.
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "العمر والشيب" (ص: ٦٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٨٤).
[ ١٠ / ١٩٢ ]
روى مسلم، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثَلاثة لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ تَعالَى يَوْمَ القِيامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعائِلٌ مُسْتكبِرٌ" (١).
وروى الطبراني في "الأوسط" عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَنْظُرُ اللهُ تَعالَى يَوْمَ القِيامَةِ إِلَى الشَّيْخِ الزَّانِي وَالْعَجُوزِ الزَّانِيَةِ" (٢).
وروى الطبراني بإسناد حسن، عن ابن عمر - ﵄ -: لا ينظر الله إلى الأشيمط الزاني، ولا العائل الزهو (٣).
والأشيمط: تصغير الأشمط، وهو الذي اختلط شعره الأبيض بالأسود، صُغِّرَ تحقيرًا للإزراء عليه والتشنيع.
وفي الباب أحاديث كثيرة.
وروى أبو نعيم عن الربيع بن صبيح رحمه الله تعالى: أنه كان بالأهواز ومعه صاحب له، فنظرت إليهما امرأة، فتعرضت لهما، فدعتهما إلى نفسها، فبكى الشيخ، فقال له صاحبه: ما يبكيك؟
_________________
(١) رواه مسلم (١٠٧) واللفظ له، والنسائي (٢٥٧٥).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٤٠١). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٢٥٥): رواه الطبراني عن شيخه موسى بن سهل، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٣) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣١٩٥).
[ ١٠ / ١٩٣ ]
فقال: إنها لا تطمع في شيخين إلا ورأت شيوخًا مثلهما (١).
ولما كان من الشيخوخة بحاله واعظًا لمن طعن فيه خصَّ النبيُّ - ﷺ - الشباب بالتحذير من الزنا في قوله: "يا شبابَ قُرَيْشٍ! احِفْظَوُا فُرُوجَكُمْ، لا تَزْنُوا؛ أَلاَ مَنْ حَفِظَ اللهُ فَرْجَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ".
وفي رواية: "يا فِتْيانَ قُرَيْشٍ! لا تَزْنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ سَلِمَ لَهُ شَبابُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رواه الحاكم، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
ولذلك خصهم بقوله - ﷺ -: "يا مَعْشَرَ الشَّباب مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ" (٣)؛ أي: قاطع لشهوته.
وقال - ﷺ -: "لا يَتِمُّ نُسُكُ الشَّابِّ حَتَّى يَتَزَوَّجَ". رواه أبو نعيم (٤).
فلا ينبغي للكهل، ولا للشيخ أن يتشبها بالشبان في مقتضيات الهوى شكلًا، وهيئة، وعملًا وقولًا؛ كأن يقمط العمامة، ويلبس
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٠٦).
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٨٠٦٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٤٢٥).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٦)، وكذا سعيد بن منصور في "السنن" (١/ ١٦٥) عن طاووس يرفعه.
[ ١٠ / ١٩٤ ]
مصبغات الثياب مع تظريف تفصيلها، وتظريف خياطتها، أو يضع في رأسه عِرْقًا من الزهر، أو الورد، أو الريحان، أو يختال في مشيته، أو يشتد فيها ويطأ الأرض وطء أهل الشطارة والقوة، أو يغنِّي برفع الصوت بالموال ونحوه.
وهذه الأفعال - وإن كانت منكرة من كل أحد - إلا أنها من الكهول والشيوخ أقبح.
وكذلك شرب الخمر والزنا واللواط قبائح فواحش من كل أحد، إلا أنها من ذوي الأحلام والعقول أشد قبحًا، وأعظم فحشًا.