[ ١٠ / ٣٠٧ ]
(٦) بَابُ تَشَبُّه أهْلِ الحَضَرِ بِأِهْلِ البَدْوِ وَعَكْسِهِ
فالحضر، والحضرة، والحاضرة، والحضارة - وتفتح -: خلاف البادية.
والحضارة: الإقامة في الحضر؛ قاله في "القاموس" (١).
قال فيه: والبدو، والبادية، والباداة، والبداوة: خلاف الحضر.
وتبدى: أقام بها.
وتبادى: تشبه بأهلها (٢).
وقال في "الصحاح": البداوة: الإقامة [في البادية].
والبادية - بفتح، وبكسر -: وهو خلاف الحاضرة.
قال ثعلب: لا أعرف البداوة - بالفتح - إلا عن أبي زيد وحده (٣).
وقال صاحب "المصباح المنير": الحضر - بفتحين -: خلاف
_________________
(١) انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: ٤٨١) (مادة: حضر).
(٢) انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: ١٦٢٩) (مادة: بدو).
(٣) انظر: "الصحاح" للجوهري (٦/ ٢٢٧٨)، (مادة: بدا).
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
البدو، والنسبة إليها: حضري على لفظه.
وحضر: أقام بالحضر.
والحضارة - بفتح الحاء، وكسرها -: سكون الحضر (١).
فأما تشبه أهل الحضر بأهل البدو، فإنه في الأصل مكروه لما فيه من الجفاء.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي - ﷺ -: "مَنْ سَكَنَ البادِيَةَ جَفا وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ" (٢).
وروى أبو داود، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ بَدا جَفا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتى أَبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وَما ازْدادَ أَحدٌ مِنَ السُّلْطانِ قُرْبًا إِلاَّ ازْدادَ مِنَ اللهِ بُعْدًا" (٣).
قال في "الصحاح" في قوله - ﷺ -: "مَنْ بَدا جَفا": أي: من نزل البادية صار فيه جفاء (٤).
_________________
(١) انظر: "المصباح المنير" للفيومي (١/ ١٤٠) (مادة: حضر).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٥٧)، وأبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦) وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي (٤٣٠٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٤٠٢).
(٣) رواه أبو داود (٢٨٦٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٤٠٣).
(٤) انظر: "الصحاح" للجوهري (٦/ ٢٢٧٨)، (مادة: بدا).
[ ١٠ / ٣١٠ ]
وقال الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧].
الأعراب: أهل البدو من العرب.
الواحد: أعرابي، وهو الذي يكون صاحب نجعة، وارتياد للكلأ؛ كما قاله أبو زيد وغيره.
زاد الأزهري فقال: سواء كان من العرب أو من مواليهم؛ قال: فمن نزل بالبادية، وجاور البادين، وظعن بظعنهم، فهم أعراب، ومن ترك بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء (١).
قال القاضي البيضاوي في قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]: لتوحشهم، وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم، وعدم استماعهم للكتاب والسنة (٢).
وهذه الأمور بعينها هي السبب في كراهة التبادي.
وتشبه الحضري بالبدوي انحطاط في الرتبة، ونزول إلى حضيض الجهل، وذلك سكنى البادية، ومخالطة البادين خصوصًا قبل التعلم والتفقه في الدين، ولذلك يدخل في التشبه بالأعراب من عازل أهل العلم والأدب، واشتغل عن تعلم القرآن والسنة بالبطالة والملاهي
_________________
(١) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٢/ ٢١٨) (مادة: عرب).
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٦٧).
[ ١٠ / ٣١١ ]
[] (١) وعشرة أهل الجهل - وإن كان ساكنًا في الحضر -.
وهذا غالب أحوال الناس الآن، حتى إنهم إذا سمعوا شيئًا من صغار المسائل العلمية وأقربها إلى كل متدين، عجبوا منه كما يعجب أهل البادية وأشد.
نعم، لا يكون من التشبه المذموم بأهل البدو أن يخرج العالم الفقيه إلى البدو ليعلمهم ويفقههم، لا ليجبي أموالهم وصدقاتهم، [] (٢) كما يفعله جهلة الصوفية وغيرهم.
فقد روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]، وقد كان تخلف عنه؛ أي: عن النبي - ﷺ -، أو عن النفر معه ناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المنافقون: قد بقي ناس في البوادي، هلك أهل البوادي، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] (٣).
وفي الآية دليل على استحباب السفر لتعلم العلم ولتعليمه كيفما صح لذلك السفر من البادية إلى الحاضرة للتعلم، أو من الحاضرة إلى
_________________
(١) بياض في "أ" و"ت" بمقدار كلمة.
(٢) كلمة غير واضحة في "أ" و"ت".
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٦/ ١٧٩٨).
[ ١٠ / ٣١٢ ]
البادية للتعليم.
ومن هنا يحسن تشبه أهل البدو بأهل الحضر في سكنى الحاضرة لأجل التعلم والتأدب، لا لأجل التنعم والترفُّه، والتطاول في البنيان كما اتفق في هذه الأزمنة لكثير من أهل البدو؛ إذ صار منهم مترفون تركوا باديتهم، ورغبوا في سكنى المدن، وتطاولوا فيها في البنيان، وذلك من أمارات الساعة التي أخبر عنها - ﷺ - في حديث سؤال جبريل ﵇ المروي من حديث عمر، وأبي هريرة - ﵄ - (١).
فتشبه أهل البادية بأهل الحاضرة لأجل هذه الأمور مذموم مكروه، وقد ينتهي إلى التحريم.
ويختلف حكم تشبههم بهم بالقصد والنية كما يختلف حكم عكس ذلك، وهو تشبه أهل الحاضرة بأهل البادية بالنية؛ فإنه مكروه على الوجه الذي ذكرناه، وقد يكون محمودًا [] (٢) من يفر بدينه من الفتن بعد تمام حاله، وكمال أمره من التعلم، والتفقه، والتأدب.
وروى الإمام مالك، والبخاري، وأبو داود [] (٣) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "يُوْشِكُ أَنْ
_________________
(١) رواه مسلم (٨) عن عمر - ﵁ -، و(١٠) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) بياض في "أ" و"ت" بمقدار كلمتين أو ثلاثة.
(٣) بياض في "أ" و"ت" بمقدار ثلاث كلمات ولعلها: "والنسائي وابن ماجه".
[ ١٠ / ٣١٣ ]
يَكُونَ خَيْرُ مالِ الْمُسْلِمِ غَنمًا تتْبعُ بِها شَعَفَ الْجِبالِ وَمَواقِعَ القَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ" (١).
وروى أبو نعيم، والبيهقي في "الزهد" (٢)، وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﷺ - قال: "يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ لا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ دِينُهُ إِلَّا مَنْ فَرَّ مِنْ شاهِقٍ إِلَى شاهِقٍ، أَوْ مِنْ جُحْرٍ إِلَى جُحْرٍ كَالثَّعْلَبِ بِأَشْبالِهِ" (٣).
وذلك في آخر الزمان حين لا تنال المعيشة إلا بمعصية الله تعالى، فإذا كان كذلك حلت الغربة، يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يدي أبويه إن كان له أبوان، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده، فإن لم يكن له ذلك فعلى يدي الأقارب والجيران؛ يعيرونه بضيق المعيشة، ويكلفونه ما لا يطيق حتى يورد
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٧٠)، والبخاري (١٩)، وأبو داود (٤٢٦٧)، والنسائي (٥٠٣٦)، وابن ماجه (٣٩٨٠).
(٢) لم أقف عليه عند البيهقي في "الزهد الكبير" من حديث ابن مسعود، ولعل المصنف نقل العزو من العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" فأخطأ، أو أن هناك سقطًا، لأن العراقي قال: الخطابي في "العزلة" من حديث ابن مسعود نحوه، وللبيهقي في "الزهد" نحوه من حديث أبي هريرة، وكلاهما ضعيف.
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١١٨)، وكذا الخطابي في "العزلة" (ص: ١٠). وضعف العراقي إسناده في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٣٧١).
[ ١٠ / ٣١٤ ]
[نفسه] (١) الموارد التي يهلك فيها (٢).
وأقرب الناس إلى التشبه بأهل البادية أهل القرى الصغيرة الضواحي دون المدن لأنهم أقرب إلى مخالطة أهل البوادي، وهم الأنباط، والأكَّارون، والفلاحون، والفدَّادون، وهم جمع فداد؛ وهو في الأصل: الصَّيِّت الجافي، من الفديد، ومنه سمي الرعيان الجمالون، والبقارون، والحمارون، والفلاحون، وأصحاب الوبر والمدر [] (٣) في حروثهم، ومواشيهم، والمكثرون من الإبل، ومالكوا المئتين منها إلى الألف فدادين.
وقال رسول الله - ﷺ -: "الْجَفاءُ، وَغِلَظُ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنابِ الإِبِلِ وَالبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرٍ".
رواه البخاري من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه (٤).
وأهل الوبر: أهل البادية؛ كما أن أهل المدر أهل الحاضرة.
وفي الحديث الآخر: "هَلَكَ الفَدَّادونَ".
ذكره ابن الأثير في "النهاية" (٥).
_________________
(١) بياض في "أ" و"ت".
(٢) هذا معنى حديث عند البيهقي في "الزهد الكبير" (١٨٣) عن أبي هريرة - ﵁ -، وانظر التعليق قبل السابق (٨٥).
(٣) بياض في "أ" و"ت" بمقدار كلمتين.
(٤) رواه البخاري (٣٣٠٧).
(٥) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٣/ ٤١٩).
[ ١٠ / ٣١٥ ]
وهو يتناول الفدادين بالمعاني المذكورة كلها.
ومعنى: هلكوا: عَرَّضوا أنفسهم للهلاك، أو: قاربوا أن يهلكوا لأنهم يشتغلون بمواشيهم عن الجمعة والجماعات، والتفرغ للتعلم والتفقه، والعبادة.
لِما قررناه من غلبة الجفاء، وغلظ القلوب على أهل البادية لم يبعث الله تعالى رسولًا من أهل البادية كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
وأما قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠].
وقال مجاهد وغيره: إنهم كانوا أهل بادية يملكونها، وهم كانوا يسكنون المدر، ويخرجون إلى البادية في أوقات دون أوقات، وحين قصدوا إلى يوسف ﵇ بمصر كان ابتداء قصدهم من البدو (٢).
ولا بأس بالخروج إلى البادية في بعض الأحيان لأجل التفكر والاعتبار، وبالخصوص عند إخراج الأشجار، ونمو الزروع في زمن
_________________
(١) رواه الطبري في "التفسير" (١٣/ ٨٠)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٧/ ٢٢١٠) عن قتادة.
(٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥٨٩).
[ ١٠ / ٣١٦ ]
الربيع، وعند ذبولها في زمن الخريف.
وروى أبو داود، والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يبدو التلاع.
وفي رواية: لهذه التلاع (١).
وهي جمع تلعة - بالفتح -: وهي ما انحدر من الأرض، وما أشرف منها ضد.
وقيل: التلاع: مسائل الماء من علو إلى سفل.
وروى الترمذي عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يستحب الصلاة في الحيطان (٢).
وهي جمع حائط: وهو البستان إذا كان عليه حائط، وهو الجدار.
وكفى دليلًا على استحباب الخروج إلى البوادي والبراري، والصحاري للنظر، والتأمل والاعتبار قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
ولقد كانوا يضربون في الأرض، ويسيرون في القفار، ويقطعون
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٤٧٨)، وكذا ابن حبان في "صحيحه" (٥٥٠).
(٢) رواه الترمذي (٣٣٤) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن أبي جعفر، والحسن بن أبي جعفر قد ضعفه يحيى بن سعيد وغيره.
[ ١٠ / ٣١٧ ]
البلاد والأقطار لأغراض أخرى غير الاعتبار والاستبصار، فدعاهم للسير لهذه الفائدة لا للأغراض الفاسدة.
واعلم أن النظر والاعتبار لا يختص بالبوادي، بل هو مطلوب في الحواضر؛ فإن في المسير من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية تذكرًا لمن عمرها وسكنها، ثم ذهب عنها وتركها كما وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩].
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢].
واعلم أنه لا يهتدى إلى ما وقع الإرشاد إليه في الآيات الكريمة من الاعتبار والاستبصار إلا بالعلم، وأهل العلم في الناس قليل، وكلما تأخر الزمان كانوا أقل، فالأكثرون لا يهتدون لذلك لغلبة الجهل والهوى عليهم كما قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ
[ ١٠ / ٣١٨ ]
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ [الروم: ٧ - ٩] الآية.
أرشدهم إلى التفكر في أنفسهم أولًا لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فهي أولى بأن يتفكر في خلقها، ويتبصر فيها أولًا، فينظر آيات الله تعالى في نفسه؛ فإن لله تعالى في خلق الإنسان آيات عظيمات للموقنين كما قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١].
ثم دعاهم إلى المسير في الأرض، والنظر في عواقب من سكنها من قبله.
وهذه الحقائق والحكم لا تظهر للعبد إلا بالعلم، وتتجلى لكل عالم بقدر عليه، وكلما ازداد علمًا ازداد بصيرة، وكلما ازداد بصيرة ازداد من الله تعالى قربًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
***
[ ١٠ / ٣١٩ ]