روى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينما رسول الله -ﷺ- في المسجد أقبل علي رضي الله تعالى عنه، فسلم، ثم وقف ينظر موضعًا يجلس فيه، فنظر النبي -ﷺ- في وجوه أصحابه أنهم يوسعوا له، وكان أبو بكر -﵁- عن يمينه، فقال: هاهنا يا أبا الحسن، فجلس علي -﵁- بين النبي -ﷺ- وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فعرف السرور في وجه النبي -ﷺ-، فقال: "يا أبا بَكْرٍ! إِنَّما يَعْرِفُ الفَضْلَ لأَهْلِ الفَضْلِ ذُو الفَضْلِ" (٢).
وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أبا بكر فعل ذلك بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقال النبي -ﷺ -.
الحديث، وقد ذكرناه آنفًا، وهذا سببه (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٨٥): رواه العسكري في "الأمثال"، والخِلَعي في تاسع، "فوائده".
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
وفي الإتيان بـ (إنما) الدالة على الحصر بدليل المقام، إشارة إلى أن من لم يعرف الفضل لأهله وينزلهم في منازلهم فليس من أهل الفضل، بل هو من أهل الجهل.
والمراد بالفضل هنا العلم، أو ما يشمله.
وفي الحديث: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهُمْ" (١).
واعلم أن في التواضع في المجلس، ومعرفة الفضل لأهله، وإنزالهم منزلتهم كما فعل أبو بكر -﵁- إدخال السرور على صاحب المجلس، وعلى الجلساء، وعلى المتواضع له، والسلامة من إيقاع الوحشة بينهم، وتكدير المجلس، ووقوع أهله فيه لو نافس في المجلس من ضرب المثل به بعد ذلك، وانتشار قصته في الناس الموجودين ومن بعدهم كما يتفق الآن بين المتصدرين، وهو من غلبة جهلهم على علمهم إن سُلِّم لهم علم.