ومن صور التربية الربانية: أن يضع - ﷾ - في طريق العبد من يشعره بنقصه وضآلة حجمه، وأن هناك من هم أعلم وأكفأ منه، ولنا في قصة موسى - ﵇ - والخضر أبلغ مثال على ذلك.
ويؤكد على هذا المعنى الماوردي بتجربة مر بها فيقول ﵀.
ومما أنذر به من حالي، أنني صنعت في البيوع كتابًا، جمعت به ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى تهذب واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه، ثم حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألا عن بيع عقداه في البادية، على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لواحدة منهن جوابًا، فأطرقت مفكرًا، وبحالي وحالهما معتبرًا. فقالا: ما عندك فيما سألناك من جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا واهًا لك، وانصرفا، ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي، فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما، وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه، فبقيت مرتبكًا، وبحالهما وحالي معتبرًا. وإني لعلى ما كنت
_________________
(١) سيتم - بعون الله ومشيئته - بيان هذا الأمر بشيء من التفصيل في الفصل الثالث: معرفة حقيقة الإنسان.
[ ٦٦ ]
عليه في تلك المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجر نصيحة، ونذير عظة، تزلل بهما قياد النفس، وانخفض لهما جناح العُجب، توفيقًا منحته، ورشدًا أوتيته (١) ..
ومما يلحق بهذا الجانب أن يبين الله لنا عدم توقف الدعوة أو أعمال البر بصورها المختلفة علينا، فيقض الله ﷿ من يقوم بالعمل وقت غيابنا عنه - لأي سبب من الأسباب - على أحسن وجه وأفضل بكثير من أدائنا له.