أصل الإنسان هو التراب الذي يمشي عليه، والذي لا يساوي - في نظره - شيئًا مذكورًا، أما بداية خلفه فمن نطفة، لو نظر إليها الإنسان لتقزز منها ﴿قتل الإنسان ما أكفره قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ٢٠].
إذن فأصلنا حقير .. لم تتكون أجسادنا من معادن نفيسه، بل عناصرها مثل عناصر التراب .. هذا هو أصلك أيها الإنسان ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥].
فإذا شمخت بأنفك فتفكر في أصلك وما تحمله في بطنك.
حكى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير نظر إلى الملهب بى أبي صفرة، وعليه حلة، يسحبها، ويمشي الخيلاء. فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ قال الملهب: ألا تعرفني؟ فقال: بل أعرفك؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة (١).
_________________
(١) أدب الدنيا والدين ص ٢٣١.
[ ٩٩ ]
فكيف يعجب بنفسه من حاله كذلك؟!
إذن فدوام تذكر الواحد منا لأصله من شأنه أن يبعد عنه العُجب والخيلاء. عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر، ويقول: خرج من مجرى البول مرتين (١).
من هنا كان الصحابة يحبون السجود على التراب، وتعفير الوجه به، ليتذكروا أصلهم ويبعدوا الكبر عن أنفسهم.
قال الحسن: من خصف نعله، ورقع ثوبه، وعفر وجهه لله ﷿، فقد برئ من الكبر.